3

:: التطور التاريخي للنظام السوري وأبعاد أزمته الحالية ::

   
 

التاريخ : 18/07/2011

الكاتب : مازن كم الماز   عدد القراءات : 925

 


 

يمكن باختصار شديد وصف النظام السوري بأنه نظام رأسمالية الدولة البيروقراطية الأمنية العسكرية الذي ظهر بعد 8 آذار.. فبعد 8 آذار فورا تحول قادة البعث السياسيين السابقين، الذين كانوا في الواقع محترفين سياسيين، شاركوا في مناسبات عديدة في الحكومات و البرلمانات التي قامت قبل 8 آذار، و الضباط البعثيين الذين قاموا بالانقلاب في حقيقة الأمر، تحولوا إلى بيروقراطية مطلقة السلطة، تحكم في الأساس استنادا إلى قوة الجيش، قبل أن تخلق هذه البيروقراطية الحاكمة تدريجيا ذراعها الأمني – المخابراتي الذي سيعرف بقسوته الاستثنائية حتى مقارنة بمكتب السراج الثاني  ( لقد ولد النظام السوري شموليا عسكريا منذ لحظة ولادته الأولى لكنه مر بمراحل تطور مختلفة انتهت إلى شكله الحالي "النهائي" ).. دار الصراع مع خصوم السلطة الجديدة من جهة و من جهة أخرى داخل هذه البيروقراطية الحاكمة نفسها أولا بين جناحيها السياسي و العسكري الذي انتصر في 23 شباط، و من ثم بين عدة مراكز في القيادة العسكرية التي ظهرت بعد 8 آذار 63 و 23 شباط 66، استخدم صلاح جديد قائد أحد هذه الأجنحة في هذا الصراع وجوده في إدارة الضباط ليضع أنصاره في مراكز قيادية في الجيش، سمح هذا لجديد بتسجيل انتصار تلو آخر على خصومه، كان حافظ الأسد من أهم أولئك الذين استخدمهم جديد ليقوي نفوذه داخل الجيش و لكن بعد التخلص من الخصوم الآخرين طفى على السطح صراع آخر بين جديد و تلميذه الأسد، كان الأسد قد راكم في يده سلطات هائلة ستساعده في التخلص من جديد رغم شعبية الأخير في الجهاز الحزبي السياسي، لكن نظام الأسد سيأخذ شكله الحالي، البوليسي، فقط بعد مواجهة دامية مع الإخوان في الثمانينيات سينتهي خلالها من فرض نظام بوليسي مطلق و من استلحاق نهائي لما يسمى بالمنظمات الشعبية و النقابات المهنية و سحق كامل للحياة الحزبية التي كانت ناشطة جدا حتى في الستينيات برشوته جزءا من قادة تلك الأحزاب و بقمعه الاستئصالي لمن رفض منهم التدجين في جبهته الوطنية التقدمية.. الخطوة التالية في تطور النظام ستبدأ ببطء في التسعينيات و ستستكمل بسرعة في العقد الأول من القرن 21، ستبدأ أولا ببوادر للسياسات النيوليبرالية مع قوانين استثمار جديدة، ثم سيبدأ الأسد الأب حملة "تطهير" ( على الطريقة الستالينية ) بحجة مكافحة الفساد سيواصلها ابنه بشار بحماسة هائلة، ستكون موجهة أساسا ضد الحرس القديم، و سيتبعها تطبيق هجومي لسياسات نيوليبرالية صريحة، لكن حملة التطهير هذه و ما رافقها و تلاها من سياسات نيوليبرالية لم تكن تعني في الواقع إلا أن الأموال التي كان يسرقها خدام و الزعبي و الشهابي سيستولي عليها بعد الآن رامي مخلوف و مجموعة أخرى من "رجال الأعمال" المرتبطين مباشرة بالعائلة و أن ملكية وسائل الإنتاج التي كانت البيروقراطية الحاكمة تمارسها "نيابة" عن الشعب ستتحول إلى ملكية العائلة لمعظم وسائل الإنتاج هذه المرة بشكل ملكية خاصة، لقد كانت هذه السياسات و حملة التطهير تلك هي آلية انتقال السلطة داخل النظام نفسه من البيروقراطية الحاكمة إلى العائلة أي إلى عائلة الأسد، طبعا رافق هذه الحملة و سبقها تعيين أفراد من العائلة أو مرتبطين بها مباشرة على رأس أهم الأجهزة الأمنية و المواقع المفصلية في الجيش بحيث لم يكن بمقدور أحد، حتى رجل كحكمت الشهابي، أن يقاوم عملية التطهير و نقل السلطة تلك.. إن الاعتقاد بإمكانية عكس هذه السياسات النيوليبرالية هو وهم، إنها اليوم أساس سلطة العائلة، إلى جانب النظام البوليسي، و إن تغيير أي منهما أو التخلي عن أي منهما سيعني سقوط النظام بمجمله، و لا يمكن للنظام أيضا أن يستمر من دون نظامه البوليسي المنفلت و مطلق الصلاحية في فعل ما يريد ضد أي سوري، إن كل محاولات النظم الشمولية للتخفيف من قبضتها الأمنية انتهت لا محالة إما إلى سقوطها و لو بعد حين أو إلى بقائها كما هي في نهاية المطاف، إن السلطة اليوم بيد العائلة، عائلة بشار ( إن تحول النظام الشمولي الأوليغاركي – حكم الأقلية أو نظام رأسمالية الدولة البيروقراطية على النمط الستاليي إلى نظام فردي و من ثم إلى نظام عائلي "وراثي" هو نتيجة منطقية لطبيعة النظام الشمولي، لنظام رأسمالية الدولة البيروقراطية على النمط الستاليني و إمكانيات تطوره الكامنة فيه في الأساس، هذا ما شاهدناه أيضا في نظام كيم جونغ إيل و أيضا في الحزب الشيوعي السوري – بكداش )، و مثل أي سلطة شمولية، لا يمكنها "التنازل" عن أي من سلطاتها المطلقة، فإن أمام النظام الشمولي الحاكم في سوريا اليوم خياران فقط، أن يستمر كما هو أو أن يسقط، لا يمكن إصلاح الديكتاتورية الشمولية في الواقع، فأي تغيير سيؤدي لنزع صفة الديكتاتورية عنها سيعني ببساطة سقوطها فقط.. لكن هذا لا يعني أن النظام لا يحاول الآن أن يوسع قاعدته الاجتماعية للخروج من أزمته، فالنظام أولا يستخدم الانقسامات الطائفية ليستمر بالبقاء، إنه يعتمد الآن إلى حد كبير على تخويف الطوائف غير السنية من الغالبية السنية، و يقوم جزء أساسي من هذا التخويف على الخوف من ردة فعل هذه الغالبية على مجازر ارتكبها النظام مثل مجزرة حماة 1982، و لذلك يوغل النظام و يبالغ باستخدام شباب من الريف العلوي في قمع المدن و القرى السنية و بوحشية متزايدة بهدف خلق و تقوية هذا العداء و الخوف، هنا نحن أمام ما يسعى النظام لجعلها حلقة جهنمية مغلقة، المزيد من القمع الذي يمارسه النظام بأيدي فقراء علويين ضد مناطق سنية سيخلق المزيد من الرعب في بيئة هؤلاء العلويين الفقراء و عندهم بالذات من انتقام ضحايا قمع النظام و سيجعلهم دون خيارات أخرى عمليا سوى الاستمرار في ممارسة القمع بوحشية أكبر لصالح النظام.. صحيح أن النظام يدعي العلمنة لكنه في الحقيقة و الجوهر طائفي تماما، إنه يرغب حتى بخلق وهم أنه يمثل حكم الطائفة، لكنه في الحقيقة يستخدم العلويين الفقراء فقط كضحايا من نوع آخر، كوقود لحربه ضد شعبه، إنه يورطهم باختصار ليدافعوا عنه، ليكونوا سلاحه الأخير الذي يحاول استخدامه بكل قسوة و همجية حتى النهاية، لكنه في نفس الوقت لا يحاول استعداء الغالبية السنية علنا رغم أنه يستمر بتهديدها و قمعها ضمنا فهذا سيقلب ضده سياسته في تطييف الصراع مع شعبه عندما سيكون عليه أن يواجه غالبية معادية، لكن النظام في الحقيقة لا يمثل أية طائفة إنه يمثل نفسه فقط و هو لذلك مستعد لفعل أي شيء ضد أي سوري لكي يبقى و يستمر، لكن ليس هذا هو مجال المناورة الوحيد أمام النظام، فقد اكتشف النظام أهمية كبار تجار و صناعيي دمشق و حلب في تحجيم الحركة الشعبية المناهضة له، و قد يكون اليوم راغبا بأن يقتسم جزءا مما ينهبه رامي مخلوف مع هؤلاء لضمان ولائهم، و قد صدر عن وزراء حكومة سفر الحالية ما قد يدل على هذا فعلا.. هذا طبعا إلى جانب رجال الدين الذين يحاول أن يجعلهم يظهروا بمظهر مقبول أمام قاعدتهم الشعبية بهدف منحهم مصداقية ما بين هذه القاعدة، خارج هاتين المحاولتين للبقاء لا يملك النظام أية حلول أخرى، قد يستخدم الوقت أيضا، الذي اعتقد و ربما ما زال يعتقد أنه إلى جانبه، لقد ماطل النظام طويلا في إطلاق الوعود أولا ثم في البدء و لو بتنفيذ شكلي فارغ من المضمون لها، كان يعتقد، ككل طاغية، أن السوط و العصا، أي الفرقة الرابعة و أجهزة المخابرات المختلفة، ستقضي على الانتفاضة خلال وقت قصير، لكن حتى الوقت الآن يلعب ضد النظام، إن استمرار الانتفاضة و توسعها هو ما خلق أزمة النظام اليوم، قد يستمر النظام بالرهان على أن تخبو الاحتجاجات تحت وطأة قمعه الهمجي و محاولاته خلق اليأس في قلوب المحتجين و كسب الوقت من خلال مناوراته المتتالية، مع الحفاظ على أعلى تماسك داخل قواته و داخل أجهزته الأمنية و في صفوفه هو بالذات، لكن يجب هنا أن نلاحظ عدة حقائق فيما يتعلق بالانتفاضة السورية، لقد تطورت الانتفاضة بعيدا و تمددت بشكل يجعل من المستحيل تقريبا على النظام أن يتمكن من قمعها، فبعد أن بقيت لفترة طويلة معزولة تقريبا في درعا، نشأت الآن عدة بؤر كبرى شعبية للاحتجاجات، حماة، حمص، دير الزور، ادلب، ضواحي دمشق من برزة و القابون إلى دوما و الغوطة إلى القدم، لقد أصبحت شعبية الاحتجاجات طاغية في هذه البؤر الثورية بدرجة غير مسبوقة، و صدم النظام أيضا بلا شك من رفض المعارضة السورية التاريخية لأي حوار أو مساومات معه و من تفاهة القوى التي أبقاها أو ضمها إلى الجبهة الوطنية التقدمية و استمر بمنح قياداتها امتيازات كبرى.. إن استمرار تخبط النظام، خاصة في إطلاقه لوعود ما ثم تخبطه اللاحق في محاولة إخراج هذه الوعود بشكل ما إلى الواقع يعمق مأزق النظام، إنه يزداد ضعفا يوما بعد يوم، و هذا لأن الجماهير السورية تزداد قوة يوما بعد يوم، و جرأة و شجاعة و تصميما على انتزاع حريتها، و إذا استمر الوضع يتطور على هذا الشكل، كما كان عليه في الأشهر الأربعة الأولى من عمر الانتفاضة فسيجد النظام نفسه عاجلا أم آجلا في مواجهة ثورة عارمة لا تستطيع أجهزته الأمنية أن تحميه منها، هذا لا يلغي ضرورة تعزيز الانتفاضة، تطوير وسائل وأساليب عمل ثورية جديدة، وقد أثبتت الجماهير السورية إبداعها الخاص في هذا الصدد

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.