3

:: ألخطيئةُ نُقصانٌ يوقِع في النُّقصان! ::

   
 

التاريخ : 18/07/2011

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 1097

 


               

        صِغارًا، كانت الرّاهبةُ تُخيفُنا، بل تُرعِبُنا بالخطيئة. فمَن يُخطِئْ ينزلْ إلى جَهَنّم، حيثُ النّارُ الدّائمةُ الاشتعال، والأفاعي السّامّة، والدّودُ الّذي لا يموت؛ وحيثُ الشّياطينُ ذوو الأظفارِ الجارحة، والقرون النّاطحة، والجباه العابسة... ولا نعرف ما الخطيئة!

         كانت سور بولين حلوةً ولطيفة. كنّا نُحبُّها. ننتظر رؤيتَها في الملعب، أو وهي تُساعدُنا على ارتقاء درجات "الأوتوكار"، أو على النّزول منه. لقد كانت عيناها دائمتي الإشراق، وجبينُها دائم الضّياء، وشفتاها دائمتي الابتسام... فنعجب: من أين يأتي الخوف إلى عينيها وجبينها وشفتيها، وهي تُحدّث، في الصّفّ، عن الخطيئة والشّرّ والعقاب! كيف ينقلب لطفُها يباسًا؟ وحنانُها قهرًا؟ وعذوبتُها فظاظة؟ وعطفُها إخافة؟ كيف تنقلب من راهبة هي، في أعْيُنِنا والفكر والقلوب، أمٌّ وحبيبة وصديقة... إلى إنسانة مُخيفة!؟ أين تكمن صفات الرّعب فيها، فتنقلها إلينا؟ وأتساءل، أحيانًا، في سرّي وحدي: أهي تؤمن، حقًّا، بما تُخيفُنا به ومنه؟ إن نعم، فمن أين جمالُها ورقّتها وعذوبتها وحنانها ومحبّتها...!؟ وأتساءل، بعدُ، كيف يُخفي الجمالُ البشاعة؟ كيف يُخفي الحُبُّ الرّعب؟ كيف، لسور بولين، الّتي تُحبّنا ونُحبّها، أن تتحوّل إلى وجه مُخيف ويُخيفُنا؟                                                       

       وكلّما كنتُ وحدي، وكثيرًا ما كنتُ أهرب من رفقائي لأكون وحدي، أتساءل بحَيرة موجِعة: ما الخطيئة!؟ تُخيفُنا الرّاهبةُ الأحَبّ... تُخيفُنا سور بولين: لا تُعَذِّبوا أهلَكم، ولا معلِّماتكم، ولا سائق "الأوتوكار"، ولا أحدًا... وإلاّ "نزلتم" إلى جَهَنَّم! فأفكّر، وحدي، ورأسي مختبئ تحت اللحاف، والدّنيا بي تدور: إذا كان كلُّ مَن يعذِّب أمَّه أو أباه أو معلّمتَه أو أيَّ أحد، يذهب إلى جهنّم، فهل تسعُهم جَهنّم؟  وتاليًا: مَن "يصعد" إلى السّماء؟ فإنّي أرى أنّ الأولاد، جميعًا، يعذّبون أهلَهم!

           وتستمرّ تُرعِبُنا! أذكر كم خجلتُ ارتبكتُ خفتُ حين رصدتني بـ"الجرم المشهود"! كنتُ أقبّلُ أمل، رفيقة الصّفّ، في زاوية منزوية من ملعب جانبيّ منزوٍ. كنت ممسِكًا بوجهها وأقبّلها. وكانت وادعة ساكنة مطمئنّة سعيدة. وإذ لمحتنا سور بولين، ترفّقَتْ بنا. أتت إلينا متمهِّلة. ولا أدري كيف لمحْتُ ابتسامةَ روحِها من خلال عينيها المنخطفتَين! ألا تخشى جَهَنّم، يا صبيّ!؟ ولم نلتفت وراءنا، أمل وأنا. اختفينا من أمام عينيها بطرفة عين. تساءلْتُ: لِمَ أخشى جَهنّم؟ كنتُ "أُحِبُّ" أمل، ولم أكن أُعذّبُ، لا أهلي ولا أحدًا! لماذا عليّ أن أخاف، يا سور بولين!؟

        ولم أجرؤ، ذلك النّهار، على مُعاودة الالتفاتِ إلى أمل، ولا إلى عيني الرّاهبة. لكنّي ظللْتُ حائرًا: لِم أخاف!؟ قبّلْتُ أمل لأنّي أحبُّها. ما علاقة القبلة بالـ"نّزول" إلى جَهَنّم؟ ألله أبونا ويُحِبُّنا! ونقبِّلُ صُوَرَه نحن! تعلّمنا ذلك، سور بولين. فكيف، ولماذا، إن قبّلتُ رفيقتي، "وقعتُ" في جَهنّم!؟

        لم أنم تلك الليلة! كنتُ حائرًا خائفًا منتظِرًا معًا! حائرٌ لأنّي لا أعرف علاقة قبلةٍ بجهنّم. خائف؟ من الانحدار إلى جهنّم. منتظِرٌ؟ أريد أرى أمل، صباحًا، لأسألَها إن كنّا سنذهب إلى نار جهنّم. وإذ لمحْتُها، ضجّ بي قلبي وأسرعتُ متباطئًا، أو تباطأتُ مسرِعًا نحوها. إبتسمتْ. سألتْني: أَسَـ"ننزل" إلى جهنّم؟ إبتسمْنا. إلاّ أنّنا لم ننتبهْ كيف أنّ الرّاهبةَ "ضبطتْنا" مبتسمَين. فاجأتْنا: "روحوا العبوا، يا وْلادْ"! حِرْنا. كيف نلعب؟ بِمَ؟ سألتْها عيناي وعينا أمل: أين، وبِمَ؟ إبتسمت: أينما شئتما، وبما تريدان! كنتُ أريد، بعدُ، أن أقبّلَ أمل... تساءلْتُ: أأخاف؟ لم تكن أمل خائفة!   

        و... كبرتُ! ولا تزال التّساؤلات تُلِحّ. ما الخطيئة؟ هذا سؤالٌ لانهائيّ. أجوبتُه تتعدّد تَعَدُّد النّاسِ عَبْر الأزمنة. ولقد تطوّر "مفهومُها" بحسب "مفاهيم" كثيرة مختلفة متناسلة... ورُبطت هذه "المفاهيم" بالدّين، إجمالا. لكنّي أحسبُ أنّ "الخطيئةَ" هي أن "تغدرَ"، أنت نفسُك بنفسِك، فتبتعد بها من الكمال! عقابُها البُعدُ من المثال! أنّ "الخطيئةَ" نُقصانٌ يوقع في النّقصان. عقابُها النُّقصانُ نفسُه! ألا يُرى أنّ النّقصانَ يؤلِمُ النّفس والرّوح والفكر!؟ والجسد؟ لا عقاب له. ليس الجسد مسؤولا. ألنّفسُ "الأمّارةُ" هي المسؤولة. تربط بها الرّوحَ والفكر. ألجسد لا يعقل. لا يفكّر. وهو "يتحلّل". وتاليًا: كيف يكون مسؤولا!؟ وكيف يُمكنُ أن يُعاقَب؟

        "ألخطيئةُ" نُقصانٌ يوقِع في النُّقصان، ويُبعِدُ من الخير! ألنُّقصانُ إقصاءٌ من النّعمة وعنها. ألبُعدُ من النّعمة مشروع شؤم. مشروع شرّ. مشروع يَباس النّفس، الرّوح، الفكر. والإنسان مشروعٌ للخير، للطّمأنينة، للسّعادة، للجَمال.

        "ألخطيئة" أن نُحِبَّ أقلّ. أن نُحِبَّ أقلّ هو ابتعادٌ من السّعادة. أن نبتعدَ من السّعادة، إقلالٌ من الحُبِّ، الخيرِ، السّلامِ، الجمال. أرضٌ ولا هذه؟ أرض لا تلزم لشيء!

                وتبقى صرخةُ أغوسطينوس مُحِقّة: "أَحِبَّ وافعلْ ما تشاء!" فإنّ مَنْ يُحِبّ، حقًّا، لا يقوم إلاّ بالخير مُنتِجِ السّلام المُنبثِقِ عنهما الجمال!


ألخميس16/6/2011

  

 

 

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 2

.

26-07-2011 05:4

إيلي


أعتذر عن تأخّري، أستاذ حبيب، أنا في الجبل أصطاف بعيدا ، عمدًا، عن "حضارة الإنترنت". أليوم(فقط) اخترت أن أدخل ...
أطمئن محبّتك: في الحُبّ لا شرّ، إذًا لا خطيئة!
و... هي أمل مَن أُكمِل معها مشوار العمر...


.

18-07-2011 11:1

حبيب

كيف نئنّ من انحسار المحبّة والحب وكلّ الدروس في الصغر " ممنوع الحب "

كيف نجزّأ الحب ونجزّأ الخطيئة؟

لكل جزء تفسير ومصلحة وتبرير لخطيئة .. أليست التجزئة خطيئة ومن أيّ قياس؟

مادمنا نحبّ أقلّ فنحن ناقصين وقد نكون منحلّين

ومادمنا نحلّل هنا ونحرّم هناك ألسنا نحن ناقصون  وترعرعت فينا عقد النقص أشجارا.

ولك السؤال: هذه الزاوية التي قبّلت فيها أمل كانت واحة مورست فيها الخطيئة التي اجتمعت فيها أخطاء الكون.. أنجبت خطيئة؟ وهل كان يتوجّب فصل الزاوية وفصل الاختلاط ؟؟

أم أنّ خطيئتك في هذه الزاوية أنجبت حلماً وسؤالاً؟ لكن إن كان علينا أن نحبّ ونتعلّم أن نحب علينا أن لا نزرع الخوف والإرهاب من " جهنّم " فهو للشريرين وليس لمن يحبّ.

مع أنّ الراهبة التي كانت  تخيفنا من الخطيئة وجهنم كانت ليست دائمة الابتسام، بل كان التخويف والخوف يأتينا من عينيها رعباً ..

آه لو تعود إليك أمل ويعود العمر.

 

                                                                                                                           


 

   
 

.