3

:: ألخبز والأدب(3) ::

   
 

التاريخ : 22/06/2011

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 1009

 


         حين يرى البعض، في الأدب (والفنّ إجمالا)، خبزًا يوميًّا يُرَقّي المُتَلَقّي، لا يعني ذلك أنّه كذلك بالنّسبة إلى الجميع. صحيح أنّه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، بل وبالفنّ في الآن ذاته. ومع هذا نجد مَن لا يؤمن الإيمان نفسَه، ولا الرّؤية، ولا الرّؤيا؛ ولا يعتقد الاعتقاد عينَه، ولا القضيّة، ولا المذهب. فبمَ يؤمنون، وبمَ يعتقدون، وكيف، ولماذا؟

       يؤمنون بالأدب وسيلةَ تسليةٍ وتزجيةٍ للوقت كيفما يتسنّى. ألتّسلية لا تؤلم الرّأس. لا تُتعِبُ النّفس. لا تُرهِقُ الفكر. ما يوجِعُ الرّأسَ، هذه الأيّام، ليس لهذه الأيّام. ما يُتعِبُ النّفسَ ليس لها، ولا منها. وما يُرهِقُ الفكرَ لا يكون منه، ولا له. نرى، اليومَ، أنّ الزّمنَ ليس زمنَ أدبٍ. ألزّمنُ، اليوم، زمنُ تفكهةٍ و"أركلةٍ". زمنُ "مُتَعٍ" حسّيّة. زمنُ أموال. زمنُ أجساد. زمنُ مشاهد لا زمنُ "أدب". ألأدبُ، اليومَ، غريبٌ واقعٌ في عتَمةٍ غريبةِ الغربة و"الاغتراب" و"التَّغَرُّب". ألغرابةُ كلُّها، أن تتحدّثَ عن الأدب كفنٍّ راقٍ. أو عن أيّ فنٍّ بالمعنى الرّاقي.

     مَن يطالع كتابًا، هذه الأيّام، كتابًا مهمًّا؟ قلّة. هذه القلّة "يُستهجَن" تَصَرُّفُها هذا. يُنظَر إليها بغرابة. أين "تحيا" هذه الجماعة؟ كيف تحيا؟ لِمَ تقرأ، وماذا؟ من أين لها الوقت؟

     صحيحٌ! أين تحيا هذه الجماعة؟ وكيف؟ ولِمَ؟ وماذا؟ من أين لها الوقت؟ فالحياة، اليوم، صاخبةٌ، مهتاجةٌ، ضارية. تنسحبُ منها جماعةٌ قليلةٌ لتقرأ. ألقراءةُ نوعٌ، من الحياة الرّاقية، تتّخذه حاجةً وضرورة. وتحيا الحياةَ الهادئةَ، المُسالِمةَ، المطَمئنّةَ، المطْمئنّة. هكذا حياة تسمو وتُسْمي بالقراءة الجدّيّة، الرّصينة. تقرأ كتابًا؟ تصبح إنسانَين. تقرأ كتبًا؟ تصبح مجموعة إنسانيّة ناضجة، نبيلة. ألوقت؟ قائمٌ بالتّنظيم. بالرّغبة. بالإرادة. إحلَم، إحزمْ أمرك، تحقّق! غامر، تصلْ! خاطر، تنج!

      ألرّؤيةُ إلى الأدب، هذه الأيّام، حائلة. ألحائلُ لا لونَ له، ولا هُويّة. أللا لونَ له ولا هُويّةَ، لا وجودَ له. لا حياة. إذًا لا قيمةَ، لا دَور، لا موقع. فلِمَ هو؟ وتاليًا: هل "هو"؟ لكن: هذا رأيُك أنت، لا رأيُ العصر. لا "رأيُهم". "رأيُهم" هو "الواقع" و"الواقعيّ" الّذي في "موقعه". ألأدب؟ ما الأدب؟ ما قيمتُه؟ ما أهمّيّتُه؟ دَورُه؟ إذًا هو لا  يُعتَدُّ به وهو لا شيء.

      والرّؤيا؟ أ"يرى" الأدب؟ ما يرى؟ وحين تواجِه بحججٍ، يُشارُ إليك بسخرية جارحةٍ لئيمة: "أين هو"! كأنّك من غير زمن، زمنٍ بدائيّ. وحين تستعدّ لتُشير... تُعاجَل بغمزة، بلَمْزةٍ: ومَن يقرأ؟ ما قيمةُ الأدب إلّم يُقرَأ؟ صحيحٌ: مَن يقرأ!؟ لكنّ عدمَ وجودِ قرّاء، لا يعني أن لا قيمة للأدب. قد يعني ذلك عدم معرفة قيمة ما يُكتَب. لِمَ تُعرَف القيمة؟ ألعصرُ مادّيّ، سريعٌ. لا وقتَ للقراءة. لا وقت للتَّمَعُّن، للتَّأمُّل، للتّفكير. ألوقت للعمل. وإثْرَ الإرهاقِ، هو للإنترنت والفايس بوك. للعُلَب الليليّة، والشّراب، والرّقص. فمن أين الوقتُ للكتاب؟ بل أين موقعُه، الكتابُ، وسط هذه "الزّحمة"؟ وينفد العمر!...

     إنسانُ العصرِ آليٌّ يعتقدُ بزوال الرّوح. ألجوهرُ، بالنّسبة إليه، مُلامَسةُ الموجودِ المرئيّ المُمتِع المُمَتِّع. ألمُتَعُ، اليومَ، للحسّ لا للرّوح. ألحسّيُّ هو الموجودُ القائمُ الحاضر. ما لا يُرى، ليس موجودًا. غيرُ الموجودِ لا يُؤخَذ به، ولا يُعتَدّ.

      و... يعتقدون بما هم به يؤمنون. وهْم المعرفة. وهْم العلم. وهْم التّربية. وهْم القِيَم. وهْم الثّقافة. وهْم أيّ أمرٍ جِدّيّ. حتّى الفئة الّتي تُحِبّ أن يقالَ فيها: إنّها "النّخبة"، أتقرأ قراءاتٍ رصينة؟ مَن مِن هذه "النّخبة" صادَقَ كتابًا مهمًّا بعد تَخَرُّجِه من الجامعة!؟ مَن يُجَدِّد نفسَه بـ"معرفة"، بـ"ثقافة" جديدتَين؟

      ألثّقافةُ الجديدةُ هواءٌ جديدٌ نقيٌّ يُجَدِّدُ خَلاياك، من دونها أنت تُقفِل ذاتَك بوجه الجديد النّقيّ الصّافي المُمتِعِ الخصبِ المُنتِجِ المُغني. تُقفِل ذاتَك بوجه ذاتِك! لا تريدُها حيّةً مُحيية. لا تريدها جديدةً مُجدِّدة. لا تريدها حُرّةً مُحَرِّرة. فأين الثّقةُ اللافتة القويّةُ المُقَوِّية؟ النّاضجةُ المُنضِجة؟ الواعيةُ المُوَعِّية؟ المسؤولةُ الرّافلةُ بالسّعادة، النّابضةُ بالكرامة، بالنُّبْل بالشّجاعة!؟

      ولكن: مَن، من بيننا اليوم، يرى في الأدب، وتاليًا في أيّ فنٍّ، أو يرى في المعرفة، في الثّقافة، ذاك الهواءَ الجديدَ النّقيّ المُجَدِّد؟ مَن مِن بيننا، اليوم، يمتلكُ شجاعةَ الاعترافِ بأنّ المثقَّفَ الحقيقيَّ، وحده، هو الّذي "في قلب العصر"؟ مَن مِن بيننا، اليوم، يعقد القولَ على أنّ العصرَ، أيَّ عصرٍ، هو ابنُ المعرفةِ المُجَدِّدةِ نفسَها من أجلها ومن أجل الآخر، والثّقافةِ المُنَقّيةِ نفسَها من أجلها ومن أجل السِّوى؟ ما سوى هكذا نبني الإنسانَ فينا، من أجلنا ومن أجل الإنسانيّة، في كلّ عصر!

      فهل!؟

وطى الجوز 10 حزيران 2011

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 4

.

23-06-2011 01:3

إيلي

إلى أمل
... ولعلّ من آلم ما في الحياة، أن تجد، في محيطك، مَن لا يتجانس معك في الرّؤية إلى أهمّيّة خبز الأدب والفنّ إجمالا!...
محبّتي


.

23-06-2011 01:3

إيلي

إلى V.S
... وأبقى أنتظر قراءتك! من أجمل ما في الانتظار "ظنّنا" أنّنا نحيا "الحدث" غيرَ مرّة...
محبّتي


.

23-06-2011 12:5

Amal N


لعلّ من أوجع ما في هذه المقالة هو الكلمة الأخيرة فيها مشفوعة بعلامة استفهام مؤلمة!!!
تحيّة إلى هذا القلم الأبيّ النّقيّ الأصيل


.

22-06-2011 04:1

V.S


أستاذ إيلي

تحيّة طيّبة، وبعد

حسبتني، وأنا أقرأ ثلاثيّتك في (الخبز والأدب)، أقرأ أدبًا رفيعا ساميا يشير إلى قفافة واسعة دقيقة، وتمكّن أسلوبيّ نادر. سأبقى أنتظر قراءتك، هي متعة وشغف!

بمحبّة


 

   
 

.