3

:: وليد غلميه - بقي الجواب حلمًا ::

   
 

التاريخ : 13/06/2011

الكاتب : جوزف أبي ضاهر   عدد القراءات : 781

 


 

 

«أُحبّها وَلَهًا، وأتهيّب أمامها. موهبة في الأصل هي، وصناعةً مؤسّسةً على العلم، سبقت الشعر إلى الأوزان والبناء، وقد تكون سبقت أبجديّات الكلام... ولو صرخةً، متكاملة بذاتها ولذاتها... تُحدِثُ في سامعها ما لا يُترجم بوضوحٍ، قدر أهميّته».

هكذا ألمح وليد غلميه، في اختصار، إلى الموسيقى، وهو يخبرني بعضًا من ذكريات، ونتائج خُبُراتٍ، تُغلّبُ النغم على ما عداه من فنون عرفها الإنسان.

 

اندفع إلى الموسيقى بحماسة فائقة، من غير أن تحدّ من اهتمامه وتقديره للشعر والمسرح والرقص والتشكيل، رسمًا ونحتًا، واعتبرها، كلّها، مكمّلة حين تلتقي والنغم، وتُسهم في وجه آخر له، تحبّه العامّة وتقبل عليه.

***

«أنا أذهب إلى الموسيقى المجرّدة برهبة الذاهب إلى صلاة، توفّر لسامعها مناخًا للتأمل، للحلم، وتوسّع في مساحات الضوء، فترتفع النفس بها، وتتجلى في أبهى حالات الصفاء، بل تَتَحدُ بها لتؤلفا، معًا، حالة صوفيّة، فيلتقي العقل بالنشوة، ويتفردا في تبيان سطوع الروح».

هذا الشغف الجامح أثّر في السلوك العملي لوليد غلميه. وأصبح هاجسًا:

ـ «أريد أن تصل الموسيقى إلى كلّ الناس، الذين يفهمونها، والذين لا يفهمونها. ستؤثر فيهم، حتمًا، وتغيّر في تعاملهم مع الحياة، ومع بعضهم بعضًا».

«الموسيقى هويّة لرقيّ الشعوب وتقدّمها، ولسلامها، والموسيقيون يحملون رسالة سامية، تفرض عليهم ألا يهادنوا، وألا يترددوا في نشر معرفتهم».

***

يوم تسلّم الدكتور وليد غلميه رئاسة المعهد الوطني العالي للموسيقى (الكونسرفاتوار) في شهر آذار من العام 1991 «كان عدد طلاب المعهد لا يتعدّى الخمسين طالبًا، وأما الالات فأقل بكثير: ثلاث آلات بيانو. اثنتان معطلتان، والثالثة بحاجة إلى صيانة وتجديد، إضافة إلى خلوّ المعهد من المكاتب والأثاث... والاداريين، ولنقل: لا شيء».

وحدها الصعوبات والعراقيل كانت مكوّمة وتنتظره. وكان عليه أن يقوم بمهام فريق عمل كامل... وقام به.

وفّر ما يجب توفيره، نظّم، واشتغل على المناهج والادارة... وبعد سنوات قليلة أصبحت «الكونسرفاتوار» تَضمّ ما يفوق الخمسة آلاف طالب، وأسس لها فروعًا أربعة في العاصمة، وفي: جونيه، طرابلس، زحله، صيدا، ضهور الشوير، بيت مري وعين سعاده... وسعى لادخال الموسيقى إلى سجن روميه. وأصبح للمعهد أكثر من مئة آلة بيانو، إضافة إلى آلات أخرى، غير التي يدرس الطلاب عليها. ثم أسس الأوركسترا السمفونيّة، والأوركسترا الشرق ـ عربية وقد شكّلتا حالة فنيّة معاصرة في تاريخ لبنان الثقافة.

بقي في باله حلم تأسيس دارٍ للأوبرا يتوّج به «انجازات» تَفَرّد بصنعها، بعزيمة كسرت كلّ «العصيّ» التي وضعت في عجلة سير المعهد.

***

وليد غلميه المولود في مرجعيون سنة 1938. اكتشف حبّه للموسيقى وهو في السادسة من عمره، وفي العشرين باشر التأليف الموسيقي، وشارك في مهرجانات: بعلبك، الأرز، نهر الوفا، جبيل (وهو مؤسسها)، وألف ست سمفونيات، وموسقى أفلام ومسرحيات من أبرزها: مجدلون، اعرب ما يلي، الستارة، مخائيل نعيمه، جبران، شربل وغيرها... إضافة إلى تأليف موسيقى النشيد الوطني العراقي، وقيادته اوركسترات في: طهران، باريس ، جنيف، اليونان، العراق، وكتابة بحوث ودراسات في مجلاّت متخصّصة، وإلقاء محاضرات حول الموسيقى الشرقيّة وتأثيرها ودورها، وتطلعاته لتعزيزها والإفادة منها «لأنها الوجه الحضاري للإنسانية عمومًا وللبنان خصوصًا».

***

توطّدت صداقتي لوليد غلميه في احتفالات المهرجان التكريمي لميخائيل نعيمه في نوّار سنة 1978، ثم في اجتماعات دعا إليها ميشال أسمر لإعادة إحياء نشاطات الندوة اللبنانيّة، وترافقنا معًا في اللجنة ـ الحكم لبرنامج «ستوديو الفن» لدورتين (1988 ـ 1992) ونشأت بيننا قرابة فكريّة، هي أقوى من صداقة المناسبات والاجتماعيّات.

***

قبل شهرين، طلبت منه كتابة رأي ـ جواب لسؤال «المسيرة» حول: «الوطن الحلم... هل يتحقق؟».

ردّ مرحّبًا: «إذا سمحت الظروف... أو سيبقى الجواب حلمًا»... وشابت ابتسامته ملامح حزن، ما كنت أعرف أن أنياب المرض بدأت تنهش هذه العافية الضّاجّة بالنشاط، لتحوّلها إلى سكون، أوصل إلى المغادرة، لا إلى غياب...

رَجعُ صدى النغم يَستمرّ من جيل إلى جيل، هالةً، لا تحتاج الجسد.

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.