3

:: فؤاد رفقه... إلى تراب بيدر ::

   
 

التاريخ : 24/05/2011

الكاتب : جوزف أبي ضاهر   عدد القراءات : 1525

 


 

 

بخفرٍ عاش، بعيدًا من الضوء، وهالة الصورة. رَدّ الباب خلفه. ما عاد التفت إلى أحد.

قَلَقَه، هدوءه، تواضعه المفرط، وحزنه الداخلي العميق، مشوا معه.

حدّ شعره مشوا، إلى تراب بيدر، كان، هو، يومًا في وسطه، يشدّ زنّار الشمس إلى وَسَطها، قبل إطلالة ظلٍ، رافق الجسد في رجوع إلى طرف محدّد في الدائرة، على وقع الورق الراكض في الهواء، قَبله، إلى المصير ذاته:

ـ «غريب، كيف المسافر دايمًا بيرجع لأوّل الطريق».

***

في نصف قرن، وبين قوسي زَمنٍ، رَتّب فؤاد رفقه حضوره في الفلسفة والشعر والترجمة والتعليم... وتجارب كثيرة، مع رفاق أسّسوا لمسار مغاير.

شارك «المعلّم» يوسف الخال، شوقي أبي شقرا، نظير العظمه، أنسي الحاج، أدونيس و... وكان بين المغايرين مغايرًا، مشدودًا إلى رَحمِ الأرض، وذاتيّته، إستثنائيًّا في حداثته، ورومنسيّته، منفتحًا على ثقافة عالميّة، اقترب بها، ومعها، إلى جذوره المشرقيّة... الريفيّة.

زاوج بين رحابة المدى ونقطة البدء. وخرج على تجربة مجلّة «شعر»، من دون رفض لها.

***

سَكَن فؤاد رفقه الوجودَ روحًا، أم سكن الوجودُ روحه مادة؟

تسمّر السؤال على شفتي جواب.

مرّت أزمنة في لحظات. أسند رأسه إلى قشّة، ما اهتمّ أحد بها. ولا التفت إليها أحد.

كان قريبًا من النبع، من العشب، من الشجر والثمر، وما أكل ولا شرب، إلا، مما زرع وحصد. وسّع مائدته للعابرين قبله، وعبره، وبعده. كما فعلت الندرةُ من الآلهة القديمة.

إنّه الحطّاب «في زمن اللهاث الكبير».

«... وفي هلوسة الجنونِ الأسود:

يتّكئُ الحطّابْ

في يَدِهِ كتابْ

أوراقُهُ مِشحَرَةٌ وغاب».

***

«صحيح، أنا الحطّاب... لكنني ما سلخت غصنًا عن أمّه. لممت اليباس، قبل أن أصيرَه. فأسي في صندوق خشبي، والأيام تلحّ عليّ لاستخدامه، قبل بشارةِ أولى السنونوات بالربيع».

سمعته، ورأيت في عينيه الذابلتين وَجعًا تجمّد، وما انهمر.

أحسّ، ربما لَمَح في وجهي، وفي صمتي استيضاحًا. غَيّر الحديث ليخبرني، ممازحًا، أنه وَجَدَ مِعزَاةً سيشتريها، وما عليّ إلا إيجاد  قفرٍ صغيرٍ، ننصب فيه خيمة... ويزورنا الشعر، والهواء والشمس، ومطر الايام، وعندنا كفاف خبز ونبيذ.

ـ والرفاق الشعراء؟

* لا تخف، سيأتي إلينا كلّ من أدركته ذاته. «الآخرون تبعثروا، في الهجير تبعثروا».

ضمّني بيديه الرجفتين الضعيفتين وقَبَّلَ جبيني:

ـ «لم أعد أخرج إلى احتفالات ولقاءات. جئت إلى «الندوة» لأسمعك في أمين الباشا، ولأسمع أمين، وسليمان بختي والرفاق.

... وابتعد في صدى صوته، خارج القاعة، خارج الحضور، خارج المدينة:

«بلا مرساة

بلا مجاذيف وبوصلة

سفينته في ضباب اليمّ».

***

خُصّص له، أخيرًا، احتفال تكريمي في البيت اللبنانيّ الالماني (جونيه). لم يستطع النهوض من ثباتٍ زاره في فراشه.

كان السؤال عنه، أكثر وَهَنًا من الجواب.

تناثرت أرقام الأيام. الوقت يقضم الجسد الممدّد. «لم يعد من البحر مرئيًا»

هدوء موجع، لفّني وأنا أقرأ غيابه. وكلام كثير، تكوّم في صورٍ، وشعرٍ، وكتبٍ أخذتُ من يوميّتها «رجوعه الأخير»، ووصفه الغياب:

«نقيًا طَلَع من التراب

وإليه نقيًا يعود (...)

كان حطّابًا

مضى صوب المجاري

وتلاشى في بحيراتِ الضبابْ

صارَ عُمق الريحِ

صارَ من غابٍ لغابْ».

 

 

 
   
 

التعليقات : 1

.

27-05-2011 03:4

د.روفائيل بشارة

بكيت وأنا أقرأ عن صديق كان غائبا عني لكنه دائما في القلب.

عرفته عندما كان يحضر للدكتوراه في كوتنكن/ ألمانيا الغربية عشنا معا سنة كاملة. كان إنسانا بسيطا شفافا وفي نفس الوقت فيلسوفا. لا تفارقني كلماته وفلسفته في الحياة رغم أنه مر عليها حوال 35 سنة.

 نقيا طلع من التراب وإليه نقيا يعود(...)


 

   
 

.