3

:: "لبنانُ الْمُعاصِر: تاريخٌ ومُجتمَع"-"حرفٌ من كتاب"- الحلقة 14 ::

   
 

التاريخ : 15/05/2011

الكاتب : هنري زغيب   عدد القراءات : 1080

 


الغلاف: لوحةٌ زيتية جميلة للرسام الرائد جورج داود القرم عن تلة الأشرفية من الخندق الغميق في بيروت سنة 1920.

المضمون: 344 صفحة مكتنزة بالتحليل التاريخي والسياسي.

العنوان: لبنان المعاصر: تاريخ ومُجتمع. المؤلف: الدكتور جورج قرم. اللغة فرنسية. الناشر: La Découverte-باريس. وهو صدر مؤخراً مترجَماً إلى العربية عن منشوات "المكتبة الشرقية" في بيروت.

في 12 فصلاً بتفاصيلها الدقيقة أرقاماً ومعلوماتٍ ووثائقَ وخرائط، جعل القرم كتابه هذا في ثلاثة أقسام، صدّرها بمقدمة مرّ فيها على لبنان الجغرافيا والديموغرافيا والتنظيم السياسي والإداري وعلى أصول الطوائف الدينية وتكوُّنِها في لبنان.

في القسم الأول رسم المؤلف خطوطاً عريضةً للبنان قبل الاستقلال، ذاكراً أن له تاريخاً غنياً لكنه معقّدٌ في انتقاله من  إمارة جبل لبنان تحت السيطرة العثمانية إلى تكوين لبنان الكبير مع الانتداب الفرنسي.

القسم الثاني عَنْونَهُ: "1943 الاستقلال المستحيل"، مارّاً فيه على تشكيل الميثاق الوطني وعهد الشهابية وظروفه، وصولاً إلى اتفاق القاهرة وبداية انْحلال الدولة بمفهومها المتماسك.

وختم في القسم الثالث بتبدُّلات الجمهورية الثانية وصعود رفيق الحريري وبدايات المآسي الاقتصادية، وإجهاض الإصلاحات المعقودة بين 1999 و2000 وُصولاً إلى القرار 1559 والعودة معه إلى وضع الدولة/الحاجز بين دولتين متقاتلتين.

وفي الخلاصة يطرح المؤلف إشكالات الخروج من الدائرة المغلقة، والخلاص من وضع الدولة/الحاجز، ووهْن الديمقراطية التوافقية، وتَجَمُّد شؤون الدولة بين حواجز النظام التوافقي.

أهميةُ هذا الكتاب: إضاءتُهُ على تاريخ لبنان بعدما ظلَّ طويلاً تاريخ بلد ضئيل هو مفتاح الشرق الأوسط على مطامع القوى الإقليمية والدولية. من هنا ضلالُ الكتابات التاريخية السائدة من الوجهة الجغرافية السياسية فقط، دون إظهار الحقيقة المعقَّدة لمجتمع لبنان الذي، منذ ثلاثة عشر قرناً، يتميّز بتعايش المسيحية والإسلام على أرضه، كما ظهرَ في هذا الكتاب.

هذا القصور عن كُنْه المجتمع اللبناني وجهل مكوّناته شَكَّلَ للقوى الخارجية دافعاً، ولو واهماً، إلى زرع جراثيمِ تفرقةٍ هدامةٍ بين اللبنانيين عصفت بالجسم اللبناني بين 1975 و1990 فأوقعتْهُ بين مطرقة الصراع العربي الإسرائيلي وسندان الحرب الباردة بين الجبّارين. وبين تلك الكوارث الدامية انتقل لبنان من "سويسرا الشرق" إلى بؤرة المواقف التقسيمية وتشطيب المجتمع طوائفَ متقابلة.

فضلُ هذا الكتاب أن جورج قرم تناول تلك الكليشيات المتداولة عن لبنان، وَفَكْفَكَ الخيوط المتشابكة في تاريخه منذ انفتاحه على أوروبا في القرن السابع عشر حتى مطلع القرن الحادي والعشرين. وهكذا صَبَّ مفاتيح جديدة لفهم لبنان عبر فهم الأحداث وسلوك سياسييه، فأزال الضلال اللاحق بصورة لبنان على أنه بلد الطوائف المتباعدة، وأظهر، على العكس، أن التعددية الطائفية غنىً للبنان، وحلّل العوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت في تطور تاريخه.

ومِن أبلغِ ما به يختم به جورج قرم كتابه، هذه العبارة: "فَلْنُقْلِعْ عن التفكير بأن الأحداث في لبنان كانت حرباً أهلية بين المسيحيين والمسلمين، ولْنَهدُمْ هذا السائد المدمِّر، ولنعملْ معاً على تحرير لبنان من الحقائق المغلوطة".

هكذا تشرق حقيقة لبنان مع هذا الكتاب الرصين الذي أجمعت الصحافة الفرنسية أنه "أحد الكتب النادرة للإضاءة على فهم حقيقة لبنان التاريخية والسياسية والاقتصادية والمؤسساتية والاجتماعية".

ومن كتبٍ رصينةٍ كهذا، فَلْنَفْهَمْ تاريخنا الحقيقي، وننْقُلْه هكذا إلى لغات العالم.

email@henrizoghaib.com 

يصدر هذا المقال في موقع "جماليا" بالتزامن مع بثّه في إذاعة "صوت لبنان" صباح الأحد 15 أيار 2011

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.