3

:: مداخلة الأخت جوديت هارون في ندوة كتاب الأستاذ إيلي مارون خليل ::

   
 

التاريخ : 12/05/2011

الكاتب : جماليا - بيروت   عدد القراءات : 2283

 


أن يدعوني "لقاء الإثنين" بشخص الأستاذ إيلي خليل إلى المشاركة بهذه النّدوة التي تودّ أن تلقي الضوء على كتابه "على حافة الكلام"، لهو سبب سرور وافتخار كبيرين لي ولمن أمثّل. فللدّعاة والمنظّمين خالص الامتنان والتقدير مع التّمنّي لمزيد من الإشعاع الثّقافيّ والفكريّ الخلاّق.

       وكي لا أقع من "على حافة الكلام" في ما ليس عمق الكلام والمعنى الذي يودّ أن يشير إليه هذا الكلام، رحت أقارب بين ما أقرأ في فصول هذا الكتاب وما قرأت في شخصيّة أستاذنا الكاتب الحذق وما تلمّسته في حنايا خبراته الهادئة ظاهريًا المنصهرة بأتون صروف الدهر ونعمة الحياة وعطاياها.

       وكلّما تقدّمت في القراءة حضرني في الوقت عينه، ما صفي في ذهني من حكم الأسفار المقدّسة وصوفيّة ابن عربي شيئًا من روحانيّة الرسالة العامّة "الله محبّة" للحبر الأعظم البابا بندكتوس السادس عشر، التي تتناول بجرأة علميّة، مسألة الحبّ البشري والحبّ الإلهي. فيتلاقى إذ ذاك كلام هذه الرسالة مع الكلام الآخر الآتي إلينا من "على حافة الكلام". يقول قداسة البابا: "يحوي الحبُّ كمال الوجود في كلِّ أبعاده، بما فيه بُعدُ الزّمن. ولا يمكنه أن يكون غير ذلك، لأن وعده يهدف إلى ما هو نهائي. الحبُّ يهدف إلى الأبديّة. نعم الحبّ "انخطاف"، لكنه انخطاف لا بمعنى لحظة نشوة، بل انخطاف بمعنى طريق، بمعنى خروج دائم ينطلق من الأنا المغلق على ذاته إلى تحرّره بعطاء الذّات، وهكذا بالتحديد نحو اكتشاف الذات، والأكثر من ذلك نحو اكتشاف الله."

وهذا القول ليس بعيدًا عن مفهوم كاتبنا للحبّ من حيث هو عطاء الذّات المطلق. وعندما قرأت عنوان المقال الأول الذي يتصدّر كتاب أستاذنا، "الآخر نعيمك... حاوره"، تذكّرت فجأة مقولة جان بول سارتر الشّهيرة:"الجحيم هو الآخرون “L’enfer c’est les autres”.

       فكاتبنا تعمّد، دون شكّ، أن يكون نقيض ما قاله الفيلسوف الوجودي الملحد وعناه. فعندما أدخلنا دون استئذان أو تردّد في صلب حقيقة قناعاته بل في عمق اختباره الشخصي الحميم، أعطانا لا مفتاح السّماء وحسب، بل مفاتيح فصول  الكتاب كافة. فبالنسبة إليه ليس الآخر هو من يهدّد حريتي ويسلبني سعادتي كما يزعم الأديب والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. وليس هو من يأسرني بنظره ويعرّيني من كينونتي ويهوي بي إلى جحيم الالغاء والشيئيّة.

       الآخر الذي يبحث عنه الكاتب في سائر مقالاته، هو مَن يهديك إلى ذاتك الحقيقيّة، هو من يسكب من ذاته في ذاتك، هو من يهبك طعمًا من نشوة الحياة وعذوبة الوجود.

 

 

       "لا ليس الآخر" جحيمك. إنه نعيمك... نعمة أن تحيا معه... الآخر يساعدك على حريّتك، على التعرّف إلى جوهرك. هكذا يكلّمنا إيلي خليل في السّطور الأولى من كتابه فيطال بذلك جوانب مشاعر الإنسان وأعمق ما يتوق إليه ويبتغيه.

السعادة هي أن نحب ونُحب دون حساب ونحيا من أجل المحبوب لا من أجل ذواتنا. أن يصبح الإهتمام بالآخر من أجل الآخر هو ما يبحث عنه والد الإبن الضّال. هو ما عناه من قال "ما من حبّ اعظم من أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه."

 

فالحبّ هو ما يلخّص الوجود الإنساني بنظر كاتبنا. إنّه جوهر هذا الوجود وغايته لذا نستطيع القول إن "على حافة الكلام" هو نشيد في عذوبة الحبّ وفي نورانية الوجود وضيائه. كلّ شيء مضيء في كتاب إيلي خليل. كلّ شيء ينشد اللقاء والتّواصل والتكامل والحوار والصّداقة وفرح الحياة وبهاء الكون وعظمة الإنسان. الجسد والرّوح والفكر تناغم، الكون والخليقة والوجود قصائد كالأشجار: "الإنسان تواصل أبديّ لا يسعه المدى كلّه".

السعادة حقيقة لا وهم "إنها حقيقة الحقائق". السعادة في داخلنا وهي في "الهُنا" و "الهناك". والعادة عمل جَماعيّ فلا يمكن للمرء أن يسعد وحده. وسعادته هي من سعادة الآخرين.

وهكذا ينفي كتاب أستاذنا كلّ أشكال الأنانيّة وكلّ أنواع الشكّ والعدميّة. لا ليست حياة الإنسان واديًا للدّموع والقلق. إنها فسحة للهناء وأمل بالوصول إلى أعذب ما يبتغيه قلب الإنسان ويتوق إليه العقل البشري. عندما "يشتاق الله إلى الإنسان" كما يقول كاتبنا، لا نعود نجد مكانًا للأسى والمرارة والشك. كم عظيم هو إشتياق الله للإنسان! الإله الخالق الكليّ القدرة يفتش عن خليقته ويدعوها إلى لقائه والإتحاد به! ما أروع هذه الدعوة! إن "مجد الله هو حياة الإنسان" يؤكد لنا القدّيس ايريناوس، أحد آباء الكنيسة الكبار. حياة الإنسان من حياة الله، وعظمة الإنسان من عظمة الخالق. إنها عظمة لا تساويها عظمة، وسعادة تفوق سعادات الأرض كلها.

عبارة "إشتياق الله للإنسان" تنقلنا إلى لوحة مايكل أنجلو في خلق الله للإنسان فتبرز المساحة بين يد الله الذي يخلق، ويد الإنسان الممدودة صوبه وكأنه يريد أن يقول إنّ هذا الإنسان ظامئ أبدًا إلى المطلق، إلى الأزل، إلى اللقاء بالخالق وكأنه يريد أن يقول أيضًا، إن هذا الفراغ بين الإثنين لن يملأه سوى من أحبّ الإنسان حبًّا جنونيًّا حتى النّهاية. وطالما بقي الإنسان بعيدًا عن السكنى في هذا الحبّ الجنونيّ، فسيبقى غريبًا في الأرض وتائهًا بلا مقرّ.

لأنّ "حركة وجود الكون كلّه هي حركة حبّ" بحسب المتصوّف الكبير إبن عربي. فمعه يهتف دون شكّ، إيلي خليل في نهاية المطاف مردّدًا: "الحبّ ديني ومعتقدي ولا أدين إلا للحبّ".

 

 

ألم يؤكد ذلك في مقالته "لماذا أحبّ؟" حيث يعلن أنّ كلّ شيء في الوجود هو حبّ... حتى يتسنّى للبشريّة جمعاء أن تصبح سيمفونيّة الرّجاء وأنشودة الخير، بحسب كلامه.

وعندما ننتهي من قراءة "على حافة الكلام" نشعر بشيء من الطّمأنينة والإعتزاز وكأنّنا أمام فعل إيمان يمليه علينا الكاتب ليشدّد عزيمتنا وينفح في قلوبنا نفحة من رجاء القيامة. فهو يؤمن ببهاء الخالق وعظمة الإنسان ودعوته إلى التّسامي وإنه خلق للسّعادة والانسجام مع الآخرين وإنه مشدود أبدًا نحو تحقيق هذه الدّعوة أي تحقيق ذاته الكيانيّة، وهو يؤمن أيضًا أنّ كلّ ما في الكون جمال وخير وحلم وصفاء مردّدًا مع الفيلسوف الفرنسيّ هنري برغسون Henri Bergson "أن كلّ شيء نعمة." ومع بولس الرّسول: " كلّ شيء هو لكم وأنتم للمسيح والمسيح لله."

فلماذا القلق والاضطراب والخوف والأسى؟

أيّها الإنسان! تنبّه إلى عظمتك.

أيّها النّاس! فتّشوا عن المحبّة، إنّها مفتاح سعادتكم وسرّ نجاحكم وطريقكم إلى بعضكم البعض.

                                                                         والسّلام عليكم.


سهيلة، الجمعة 6 أيّار 2011

 

 

 
   
 

التعليقات : 2

.

13-05-2011 02:3

إيلي

أشكر لطفَك، سيّدتي! فأنت محبّة.

نيابة عن الأخت الرّئيسة جوديت هارون، المسافرة إلى لوس أنجليس لأيّام، أشكر التفاتتك.

محبّتي.


.

13-05-2011 11:5

سوزان

أستاذ إيلي

ربّما يكون التفاؤل والنظرة الإيجابية في دراسة الأخت هارون هما أكثر ما لفت نظري

لقد دخلت في أعماق النصوص، تناولتها بشغف القارئ المؤمن حقاً بما يقرأه...  لقد قامت بتشريح النصوص بعين محبّة والهدف في النهاية جاء واضحاً: البحث عن المحبّة.

القول أن محتوى الكتاب هو مادّة دسمة للتحليل يبقى غير منصف بحق الجمال الذي احتوته الصفحات.

بوركت بهذا الآخر الذي هو النعيم، 

تحية من القلب للأخت هارون  

سوزان

 


 

   
 

.