3

:: ألخوري مارون: إشراقةُ النّبْل والحُبِّ والأصالة ::

   
 

التاريخ : 18/03/2011

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 1297

 


 

 

              اشتقتُ إليك. فأنتَ أبي الّذي أُحِبّ. أبي الّذي غاب، في مثل هذه الليلة، منذ أربعةٍ وعشرين عامًا. لقد اخترتَ ليلةَ غيابِك. اخترتَ أن تكون ليلة عيد مار يوسف، شفيعِ العيلة. كأنّك أوكلتَه بنا، أو أوكلتَنا إليه، ورحلْتَ هانئًا، مطمئنًّا. ولا أزال موجَعًا! فقد سألتَ عنّي مرّة واثنتين وثلاثًا... كنتُ غائبًا. وما استطعتَ أن تنتظر عودتي، وكانت وشيكة. قلتَ: "سلّمولي عليه!" وأضفتَ، شابكًا يديكَ على قلبك، تضمّان مَسبحة العذراء، مسترخيًا على ظهرك: "ما عدتُ أستطيع الانتظار! يا عضرا!" وغفوتَ. لم تصدِّقْ أُمّي أنّك لن تستيقظ. ظلّتْ تنتظرُك طوال خمس سنوات طويلةٍ... طويلة. ولمّا عادت لا تستطيعُ الانتظار، أغمضتْ عينيها وانتقلتْ إليك! إنّها ماري، أُمّي الّتي أُحِبّ وأندم على بعض "تعذيبي" إيّاها. وما كانت لتغضبَ منّي. كانت أمًّا أكثر من حقيقيّة. 

أبي! اشتقتُ إليك أكثر من أيّ زمنٍ سبق. أتعرف لماذا!؟ أذكر أنّي سألتُك مرّةً: "لمَ لا تَعِظ، يا أبي!؟ قد يظنّ النّاس أنّك لا تعرف!" مُفْحِمًا كان جوابُك. وكان تربويًّا، وأخلاقيًّا، وإنسانيًًا معًا. همستَ لي: "ألا تعرف، يا بُنَيّ، أنّ سيرتَك بين النّاسِ، أفضلُ عِظة!؟" وكم سمعتُ صمتَك وصوتَ عينيكَ واحترارَ نبْضِ قلبِك بعد ذاك!

لو عدتَ اليوم!؟ لا! لا تَعُدْ يا أبي! لا تَعُدْ! فالعودةُ قد تؤذي براءةَ قلبِك، صفاءَ عينيكَ، نُبْلَ فكرِك والنّوايا. غريبةٌ أيّامُنا، اليومَ، يا أبي! بل عجيبةٌ، هَجينة. تُشبِهُ ناسَها: أشكالا، قلوبًا، أعيُنًا، نوايا، و... على أيّ صعيد. فالرّجل يسير مادًّا أنيابَه يريد افتراسَ أوّل مَن يشاهد؛ سانًّا نواياه ليغتالَ أوّل منافس؛ شاحذًا قلبَه يريد إطفاءَ أوّل مُنْتَعِش... ألرّجلُ، اليوم، وخصوصًا السّياسيّ والاقتصاديّ والماليُّ والمدنيُّ والعسكريُّ والدّينيُّ وأيُّ صاحب مصلحةٍ أو مهنة أو وظيفة أو مؤسَّسة أو شركة أو محلٍّ أو أيّ مرفقٍ... عدوُّ أخيه الإنسان، بل "ذئبٌ لأخيه الإنسان"، رحم الله شوبّنهاور. والمرأةُ، اليوم، تمشي معتصمةً بالخبث، بالكذب، بالغنج، بالدّلال... لا تتّبع إلاّ مصلحتَها... وما أدراكَ، يا أبي، ما مصلحتها! المال!؟ السّلطة!؟ العظمة!؟ الجَمال، الشّهرة!؟ وسوى ذلك!

صحيحٌ، يا أبي! ليس الرّجال جميعًا على هذه الصِّفات، ولا النِّساء! أنا أعمِّم، فاغفر لي. سامحْني. انتشِلْني من حَمْأتي هذه، طهِّرني، إغسلْني من إثمي. فأنا... أصبحتُ، بدوري، ابنَ هذه الأيّام! أوووف!

لكنّي لا أستطيعُ إلاّ أن أُعَمِّم! فأنا كائنٌ بشريّ يعيش في "هذه" الأيّام. يختلط بناسِها. يلاحظُ دَبيبَ نواياهم. يرى أحلامَهم. يسمع حَواسَّهم. يلمُس نظراتِهم. يذوق طموحاتِهم. يشمّ إراداتِهم. وهي، كلُّها، تعصفُ هادرةً تريد تقضم ما لدى الآخَر، تهرسه، تطحنه، تبتلعه. يبغي الفردُ "اغتيالَ" الآخر. لا أحد يريد تعاونًا مع آخَر. لا أحد يتبادل والآخر خبرة، رأيًا... لا أحد يحترم حرّيّة السِّوى. ألحرّيّةُ مسؤوليّة، وعْيٌ، قبول... ألمسؤوليّة نضج المعرفة. ألمعرفة تُحرِّر. ألوعيُ انفتاحُ الفِكر. ألفكرُ يينع حرّيّة. ألقبولُ اعترافٌ بالآخر. ألاعتراف بالآخر تَناغُمُ الانسجامِ بين الجماعة. لا أحد يفكِّر في ذلك. لا أحد يريد ذلك. كلُّ أحدٍ جماعةُ نفسِه!

ويا أبي! يا خوري مارون! أترى من علُ ما أراه؟ أتسمع ما أسمع؟ أتلمُس ما ألمُس؟ أتتذوّق ما أتذوّق؟ أتشمّ ما أشمّ؟ أوحِ إليّ، أُحسِنْ تَصَرُّفًا. ساعدْني أتقوَّ. صلِّ لي أنجُ. أريد أن أنجو فأغرق. أريد أن أرتفع فأسقط. أريد أن أبلغ إليك فأتخبّط في أوحالي. ألوحلُ من حولي. ألوحل في فكري، في نواياي، في قلبي، في عينيّ، في كلّي... فكيف أرتفع وأسمو!؟

كنتَ تردِّد الآيةَ الأحَبّ: "لا تهتمّوا بما تأكلون وما تشربون... أنظروا طيرَ السّماء الّتي لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع في الأهراء، وأبوكم السّماويّ يقوتها، أفلستم أفضل منها؟... تأمّلوا زنابق الحقل كيف تنمو، وهي لا تتعب ولا تغزل!... سليمان في كلّ مجده لم يلبس كواحدة منها..." هكذا كنتَ، يا أبي، وعلى هذا ربّيتنا! ما تعذّبتَ أنت! كأنّك من غير هذا العالم كنتَ، أمّا نحن!؟ فنشقى ونُشقي. نتعب ونُتعِب. نتألّم ونؤلم. نحن الآن، في "هذا" العالم ومنه وإليه!ألعالَمُ ذاك، عالمُك يوم كان جسدُك هنا، بات عصيًّا علينا، أو نحن لا نريده، لا نتوق إليه، لا نفكّر فيه. ألواقع أقرب إلى المِثال. ألواقع وعد العمر. بعد العمر؟ لا نرغب في شيء!

تريد الحقيقة، يا أبي؟ "نيّالك"! ارتحت منذ الأربع والعشرين. ما متَّ أنتَ! أنتَ تخلّيتَ عن جسدك! لبستَ النّور الأسمى. ولجتَ ما حلمت به. وها أنت حيث تريد. سلّم على أمّي. قل لها إنّي اشتقتُ إلى صلواتها من أجلي وإخوتي والعيال. خلّها تصلّي، بعد. ألعالم يحتاج إلى الصّلوات والقدّيسين والأنبياء... والشّعراء. صلّيا للعالم كلّه قبل يُغرِقه الحسد والحقد والبغضاء والنّميمة و...

نسيتُ أمرًا مهمًّا! وطى الجوز، أيا أبي! ضيعتنا، وطى الجوز، أصبحت وطى خِيَم النّايلون(السّرطان) والكسّارات(الرّبو)... وقريبًا تُحذَف تلال "المغيسل" الصّنوبريّة بـ"همّة" النّّاشطين بيئيًّا في الوطن اللذيذ ببعض زعمائه.

"خَلَص"، يا أبي. أريد أن أعود سالمًا إلى بيتي. حفيداي ينتظرانني ومعهما آمال؛ وهكذا مروان ورنا، وجاد في مهجره، يريد سماع صوتي هذا المساء.

"بْخاطرك"! سلّم.

                                               وطى الجوز 18 آذار 2011

ليلة عيد مار يوسف، وليلة "انتقالِ" أبي.

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 7

.

26-03-2011 02:3

victoria

سيّدي! مثل هذا الأب لا يموت! ومثا هذا الشّعور ابلنويّ لا يشيخ لا ينضب!

سلم قلبك والقلم!

تحيّات


.

21-03-2011 02:3

إيلي

ألأديبة سوزانّ!
ألإحساس العذب الجميل، لا "يلتقطه" إلاّ ذووه!
أشكر لك قراءاتك الدّائمة، هي حثّ واضح  على الاستمراريّة.
تحيّاتي...


.

21-03-2011 02:2

إيلي

أستاذ حبيب... ألا يعرف، أهلنا الطّيّبون الأنقياء، في عليائهم، كلَّ شيء!؟ إنّي أثق أن بلى! فقد "ذابوا" في "الذّات" واكتملوا...
تعليقاتك اللطيفة المُحِبّة، تحفيز دائم؛
محبّتي...


.

20-03-2011 04:4

سوزان

أستاذ إيلي

مهما قلنا فيهم تبقى أحرفاً تعلّمناها منهم

ألسنا الظلّ  الذي خلّفته شمس مرورهم؟؟

إحساس جميل جداً

 


.

20-03-2011 03:3

إيلي

أشكر قراءتك، أستاذ أنطوان؛ شهادتك محبّة. أبي الخوري مارون مثاليّ فعلا، بالنّسبة إلى مَن يعرفونه جميعًا. لم أبالغ.

محبّتي


.

19-03-2011 07:2

أنطوان ص

من أجمل ما كُتب في الأبوّة!

إحساس عميق، عاطفة صادقة، أسلوب متين. مقالة تُحَبّ وتُحفَظ.

يبدو أنّ الخوري مارون كان كاهنا مِثاليّا، أعطانا الله كهنة يشبهونه!! ألعالم بحاجة إلى رجال دين قدّيسين.

سلم يراعك، أستاذ إيلي.


.

19-03-2011 02:2

حبيب

لا تَعُدْ يا أبي! لا تَعُدْ! فالعودةُ قد تؤذي براءةَ قلبِك، صفاءَ عينيكَ، نُبْلَ فكرِك والنّوايا.

صحيح لكن إن عاد يراك ارتفعت..

قرايتك محبّة ووفا


 

   
 

.