3

:: ذكرياتي مع العقيد ::

   
 

التاريخ : 25/02/2011

الكاتب : توفيق أبو شومر   عدد القراءات : 1388

 


 

 

ظللتُ مواظباً أن أستمع إلى ملك الملوك وإمبراطور الأباطرة وسيّد الأسياد وفيلسوف الفلاسفة العقيد القذافي، لأنني كنتُ قد عاصرتُ مسيرته في ليبيا سبع سنوات كاملة، وكنتُ أرى بأنه  ظاهرة من ظواهر حكام العرب الغريبين في التاريخ، وهو بالمناسبة مُسلٍ أيضا لأنه دائم البحث عن كل مستحدث غريب وعجيب. فهو الجندي المتواضع جدا الذي أصرّ على أن تبقى رتبته العسكرية كما هي مجرد عقيد! ولم أكتشف سرَّ ذلك إلا بعد فترة طويلة! ما أزال أذكر أيضا كيف أنه قرَّر أن يزور المدرسة العليا للبنات التي أعمل بها، لا لمتابعة أوضاع التعليم، وليس لتكريم المعلمين بها، ولكن لكي يختار بنفسه الفتيات اللاتي يصلحن ليكنّ حارسات شخصيات له، وليُجندهن في الفرقة النسوية الخاصة به! ولم تكن تلك فقط هي المفاجأة ، بل كانت المفاجأة بأنه اقتاد الفتيات بدون أن يأخذ موافقة أولياء أمورهن، أو حتى يبلغهم باختطاف بناتهم! ولم أستغرب حين أمر جماعة اللجان الثورية من الشباب أن يُطاردوا الفلسطينيين المقيمين، ويجبروهم على الانضمام إلى اللجان الثورية الليبية، ويشقوا الصف الفلسطيني، ليصبح الفلسطينيون قسمين، قسما مع اللجان، وآخرين يهربون بجلودهم كما هربت عام 1980 ولم نكن نملك الإقامة في أية دولة، فعدنا مشردين في بعض الدول العربية التي قبلت دخولنا كمطرودين!! ولم أستغرب عندما حلم في منامه أن الفلسطينيين في ليبيا، يعيشون في شقق وبيوت من الحجر وينامون على أسرة مُريحة، ولهم سيارات فارهة،وأبناؤهم متفوقون، وأنهم لم يُجربوا العيش في الخيام تضامنا مع إخوتهم في الوطن، فأبعدهم وأسكنهم الخيام على الحدود المصرية، وعندما فشل في تحقيق حلمه قرر هذه المرة أن يحل مشكلة فلسطين حلاً نهائياً، كما حل مشكلة ليبيا، ونقلها من دولة لها اسم جميل متواضع إلى إمبراطورية تناسب مقامه السامي، فصار اسمها الجديدة: الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية العظمى. وقام أيضا بعبقريته التي لا يحدها حد، ولا يدرك أبعادها إلا العباقرة،  بحل مشكلة فلسطين كلها بواسطة اشتقاق لُغوي بسيط كان خافيا على الناس طوال القرون وهو :[إسراطين] أي إسرائيل وفلسطين، وعلى الفلسطينيين والإسرائيليين أن  يرقصوا ويدبكوا ويغنوا للعبقري الفذّ الذي تمكن من حل القضية الفلسطينية كلها بإسراطين !!! ومن منطلق رغبته في تفصيل ليبيا كلها على مقاسه، فقد غير أسماء الشهور، وابتدع تاريخاً جديداً يبدأ من وفاة الرسول، وفرض على طلاب المدارس حفظ موسوعته الفكرية والأدبية النظرية العالمية الثالثة! ولم أستغرب وأنا أستمع له يوم أمس بالتحريض لقتل وتصفية مخالفيه، فقد تذكرتُه أيضا عندما أمر عام 1980  زبائنه أن يقوموا باختطاف أئمة المساجد من بيوتهم، بدون أن يبلغ أحدا بأماكن تواجدهم، واحتجزهم شهراً كاملاً في غابة نائية ليحاضر فيهم في (الفقه الثوري الشرعي). ولما كان أكثرهم من كبار السن ممن لم يستوعبوا نظريته (الثالثة) وفقهه الثوري الجديد! المستنبط من كتابه الشرعي الوحيد وهو نظرية الفيلسوف هيغل(النظرية الثالثة) فقد أعلن فشله وأطلق سراحهم بعد أربعين يوماً بشرط ألا يعودوا إلى المساجد، بعد أن وزَّع المساجد على شباب اللجان الثورية!ولم أُدهش أيضا وأنا أتابع صورة الإمبراطور نبوخذ نصر!! الذي ألقى خطاب السحق والمحق يوم أمس 23/2/2011 أنني عُدتُ بالذاكرة إلى صورة نبوخذ نصر الذي قتل زوجته وأبناءه ليجرب قدرته على الإماته والإحياء، ليتشبه بالله، ونيرون الذي أحرق روما، وصورة الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي أحرق القاهرة، وإلى دراكولا الذي عيَّن حصانه عضوا في البرلمان، وقدَّم لأعضاء برلمانه وجبة من العلف ليأكلوها، وكل ذلك إشفاء لجنون العظمة! إنه العقيد الملك الإمبراطور المبجّل المعظَّم الذي أصرّ أن يبقي على لقبه الأول (عقيد) !! عندما كان جنديا في مهجع حقير في مصراته يحلم بكيس من النقود، وقد بلغت به درجةُ جنون العظمة أنه ظل يُحب استخدام لقب العقيد ليبثَّ رسالة تقول: "على الرغم من رتبتي العسكرية الحقيرة فأنا أحكم أكبر جماهيرية على الأرض، وأستهزئ بأكبر الملوك والرؤساء والحكام، فأنا أعزُّ من أشاء، وأُذلُّ من أشاء وأحيي وأميت! نعم إنه هو العقيد الذي استأجر مؤرخة إيطالية اسمها (ميرلا بيانكو) لتكتب عنه كتابا اسمه (القذافي رسول الصحراء) وقد ورد في الكتاب السؤال التالي: هل رَعًيْتَ يا سيدي العقيد الغَنَمَ ؟فيردُّ العقيد في الكتاب قائلاً: "وهل هناكَ رسولٌ لم يرعَ الغنَمَ!!!

الله اللـــــــــــــــــــــــــــــه !!!!! ما أبلغك أيها الإمبراطورَ! يسلم لسانك!! إنه ملك الملوك، وإمبراطور الأباطرة، وحاكم الحكام، وسيد القواد والولاة قاطبة، المعظم المبجل، الذي واظب على قراءة أسفار المجانين في التاريخ فقط ، ولم يقرأ تتمة القصص والأسفار، فهو لم يقرأ نهاية نبوخذ نصَّر كيف مات، عندما قال له النبي دانيال إنك ستموت أبشع موته قبل صبح اليوم التالي، فسجن النبي دانيال، بعد أن عهد إلى حارسه بحمايته، وما إن أحس ببزوغ الصبح، حتى صاحَ نيرون بانتصاره مبتهجاً، ولم يكمل صيحته عندما طار رأسه بسيف حارسه الشخصي الذي ظنَّه متسللاً يود قتل الإمبراطور العظيم!

 

 

 
   
 

التعليقات : 1

.

27-02-2011 02:1

حبيب

صحيح يا أخي ما قلت عنه وزدت دهشتنا بجنونه..

ألا ترى معي أن الدهشة ليس في كلّ هذا، بل هي في السؤال عن حجمها؟

كيف حكم هذا الحاكم بجنونه كلّ هذه الفترة ولم يحترق؟..

والدهشة المخيفة أكثر هي:  ألا تعتقد إن منحنا الله عمراً إضافياً  أنّه ستأتي أجيال ستغيب عنها التفاصيل وبابتسامة مخزية تشعرنا بضآلتنا تقول..:

 " لكنكّم عاصرتموه".

يبدو أننا سنبقى عبر التاريخ.. دهشة للتاريخ.


 

   
 

.