3

:: تَحدَّثتُ إلى شربل ::

   
 

التاريخ : 28/12/2010

الكاتب : سعيد عقل   عدد القراءات : 2265

 


مع مطلع 1955 بدأت مَجلة "شربل طريقُ القداسة" تَصدر شهرياً عن دير مار مارون - عنّايا (لبنان)، حيث عاش القديس شربل 16 سنة قبل أن ينتقل منه الى محبسة مار بطرس وبولس ويُمضي فيها 23 سنة.

وكان الشاعر الكبير سعيد عقل يَمُدُّ المجلة بِمقالات غير دورية ذات مواضيع دينية ولاهوتية.

في العدد العاشر من السنة الثالثة (تشرين الأول/أكتوبر 1957- الصفحات 647 الى 652) نَشَر مقالاً عنوانُه "تَحدّثتُ الى شربل" روى فيه تجربته في المحبسة مع القديس خلال أوّل زيارة له ترافقُه خطيبتُه، وكانت معهما السّيدة فيروز.

جريدة "النهار" البيروتية، في عددها الصادر نهار الاثنين 26 كانون الأول/ديسمبر 2010،  أعادت نشر المقال نقلاً عن مجلة "شربل طريق القداسة"  سنة 1957.

ولأن القديس شربل توفي ليلة الميلاد في 24 كانون الأول 1898، ونحن هذا الأُسبوع في زمن الميلاد، تُعيد "جماليا"، نقلاً عن "النهار" اللبنانية، نشر هذا المقال لِمَا فيه من رؤية ميلادية وروحانية تنسُجُها ببراعتها الفريدة ريشةُ سعيد عقل.

 

 

 

 

سعيد عقل وخطيبته وفيروز أمام مَحبسة القديس شربل في عنّايا (صيف 1957)

كيف أكتُب عنه؟

بأيّ غمامةٍ من عند الله أغمس الريشة؟

اسمه، مجرّد اسمه، بات "لُورد" اللبنانيين. لكأنما يَحُجّون كلّما تَمتَمُوا به.

ملايينُ الخلائق من تحت كل نجم في العالم اتصلوا بقداسته: جثماناً أو تراباً أو شَفاعة.

وسحابة سنة، أو أكثر، كان الألوفُ، ليلَ نهار، يَجتازون ما بين الدير، حيث جثمانُه الحيّ النازف دماً وأخباره التي تُذهل وتَشيل بالسامع إلى السماء، وحيثُ الأعجوبةُ تتلو الأعجوبة.

اللبنانيُّ، لِزامٌ عليه أن يزورَه، يتبرّك به، أو يطلب منه طلباً، وإلاّ ما هو لبنانياً، مسيحياً كان أم غيرَ مسيحي.

* * *

 ... -  وأنت؟ سألَني أحدهم، ماذا رأيتَ يوم زُرتَه؟

  - لم أَزُرْه.

  - ماذا؟ قالها وهو لا يتصوّر أن ذلك محتمل.

وعاد إلى السؤال:

  - ولِمَ لَم تفعل؟

  - زيارة؟ لست في حاجة إلى زيارة. أنا مؤمنٌ بكل ما خبّروني عنه.

* * *

فيما كانت السيارة تصعِّد بنا إليه، لاهثةً في منعطفات الجبل، حدّثتْني خطيبتي عن راهبٍ في بعض الجوار شُوهِدَ ذات مساء - وقد استغرق في الصلاة- يمشي على الهواء بعد أن "انتهى" السطح.

روت القصة ببساطة. أما هي مؤمنة؟ أما هي بنت الشمال؟

صدَّقتُها. وعقدنا النيّة معاً أن نزور أيضاً هذا الراهب ذات يوم.

لبنان القرن التاسع عشر لا يزال متوغّلاً في القرن العشرين. يا له بقية من عهد قاديشا.

الذي نقصد اليوم هو من أبناء القرن المقدّس. كفَلَه، وقد مات أبوه، زوجُ أمّه الذي سيصبح كاهناً.

وهي أيضاً كان لها أَخَوان ناسكان سيزورهما من وقت إلى آخر في محبستهما في الوادي.

هذا بعض أحاديث الطريق عن لبنانيّ من بقاعكفرا دُعي يوسف، على اسم الذي أزهرَت عصاه. ولد عام 1828 أو في نحوه، لأبٍ يحمل اسم أنطون أبِ الرهبان، وأُمٍّ تدعى بريجيتا باسم القديسة التي قالت: "عيشوا عيشة القديسين. تَرَبُّوا في مدرستهم".

نحن في الشمال. شمال لبنان. هنا كلُّ شيءٍ يُنزِل عليك جَوّ القداسة: الارتفاعُ الحاد كأنما أنت فجأة فوق، الجمالُ أوديةً ومطلاّت، روعةُ النهار العابق بالضوء والشذا، فكرةُ الزيارة.

ماذا! أَوَحقاً سنكون بعد ساعة، نصف ساعة، في حضرة الذي لَفَتَ الدنيا إلى نقطة في الخريطة ضائعة؟

نحن على الطريق إليه.

هتَف واحد: "ها هو الدير"!

فارتعشتُ وسألت:

  - حيث جثمانُه؟

   - نعم حيث جثمانُه.

ثم قال:

  - أُنظر. أترى هذه القمة هناك؟ إنها المحبسة. فيها قضى شطراً من عمره بعدما أرسل إلى رئيسه يستأذنه في الذهاب.

  - الراهبُ جنديُّ السماء لا يترك موقعه إلاّ بأمر.

***

كنا على ارتفاعٍ وشعورٍ بارتفاع. فخُيِّل إليّ أننا في أكثر من جوار النجوم.

هذا نحن نحضر القداس في دير عنّايا. لم أُحِسّ يوماً أن لي أجنحة. في تلك الكنيسة، حيث طالما جثا على ركبتيه، شعرْتُ شعوراً جديداً.

عندنا، نحن الموارنة، عقيدةُ أنْ إذا دخل امرؤ كنيسة للمرة الأولى، طلب ثلاث طلبات فتُستجاب واحدةٌ على الأقل.

ما هي الطلبات الثلاث التي خصصتُ بها كنيسة عنايا؟ لست أذكر. انقضى على ذلك أشهر، أشهر طوال. لكنني واثق بأنها لم تكن من النوع الذي يعجّز قديساً ذا شهرة في الأعاجيب.

ودخل في روعي أنني اقترفتُ خطيئة لأنني لم أطلب شيئاً كالمستحيل.

هذا نحن نطلع وننزل في أروقة الدير، وقد أجريَت فيه تغييراتٌ جمّة جعلته مزيجاً من جديد وقديم.

ها هي الغرفة الحقيرة التي كانت غرفته. وضعوا فيها أشياء أشبه بأثاثها يوم هي له. وهل كان يمكنهم أن يتركوا لإيمان الزائرين الوافدين بالألوف قشةً من خشبة ويقولوا لهم: "هذا من أثاثه بالذات؟".

ها هي حجرة المراسلات. اتّصل بالدير أصحابُها من جميع البلدان. على الحائط خريطةٌ تفسّر ما في داخل الخزائن.

عنايا لبنان! يا لقلب العالم يشعّ على البعيد البعيد: على ملبورن في أوستراليا، على سنتياغو في التشيلي، على أوتاوا في كندا! أو يشع على ما هو أقرب: هنا، هنا، بعد الأبيض المتوسط، يشعّ على روما، على لُورد، على غلاسكو!

لأول مرةٍ صدّقت أنْ قد يكون لبنان، كما يقول بعض المؤرّخين، مكوّناً من لفظتين: "لب أيون"، أي: "قلب الله".

ها هي منخفضات القبر. متحف لمراحل حياة عجب. "حياةُ مِيتَةٍ ولا كالميتات". أين كان أول مرة، ثم حيث عُرض للناس، ثمّ أغطيَتُه المغمّسة بالدم، ثمّ القبر الجديد حيث يحتجب الآن بأمر من السلطة.

بعد تناوُلِنا طعام الغداء، قمنا إلى الطريق.

طريق ماذا؟ فلنمضِ. يكفي أن نعرف أنها الطريق إلى فوق.

  - في أي شهر ولد؟.

شغَلَني هذا السؤال، وأنا أؤثر أشهراً على أخرى: كانون القويّ، نوار الزهر، آب الحار.

لكن أحداً لم يشفِ غلتي. سأعود إلى السؤال يوماً.

على أنه لا بدّ أن يكون قد وُلد شهرَ وُلدت القداسة في الجبل. هكذا يتّخذ سؤالي طابعاً قومياً ويتعقّد.

اللبنانيون، على ما أعرف، أُعْطوا- لما سيكونون عليه من قوة إيمان- أن يستبقوا ألف شيءٍ رائعٍ من أشياء المسيحية الرائعة: قبل أن تتعرَّفَ الأرضُ إلى القيامة كان يجيءُ إلى الجبل كلَّ ألف عامٍ طائرٌ من الشرق يحترق فوق إحدى قممه ثمّ يقوم من رماده بعد ثلاثة أيام. قبل أن تَقْدُم إلى الأرض تلكَ سنُصبح أحدَ أعرق الشعوب في التعلّق بها، كان لنا بين أشخاص ميثولوجيتنا من ندعوها "ربَّتنا"، نتمرَّن مقدَّماً عند قدميها، على محبة الجميلة بين الجميلات، حارسةِ الجبل، أغنيةِ صبايانا، شرفِ أبطالنا الفرسان، نتهجأ اسمها منذ القدم تهجئةً لننطلق به اليوم كرجاً.

على الطريق نحن، على الطريق التي اجتازَها هو ذات يوم، بعدما لبث 16 سنة في الدير. نُصعِّد فيها على أثر خطواته، ومثله نترك الدير إلى ما هو أعظم.

تراه كان يسير عليها وحده؟ لا. كانت معه جوقةٌ من الفضائل: إماتات، أدعية، فروض شاقّة، فقر رهباني، تباعُد تدريجي عن العالم، غنىً روحي. وكان معه خصوصاً: المحبة.

على تلك الطريق تضاءل في ذاكرته أولُ عهده بالدرس، وشهادةُ أستاذه الأب نعمةالله بأنه أذكى تلامذته. وتضاءل كذلك اعتزازُه الطفولي بالتفوق. تضاءل كل ذلك إلاّ ثلاثة: الاقتداء بالمسيح، حدّة الاستجابة إلى أمر الطاعة، وكتابٌ كان يعرف يوم شدّه إلى قلبه أنه ملكَ أكثرَ من الكون.

بلى: هذه التي نسير عليها اليوم كانت كتاباً لا طريقاً. ويا لاعتزاز يملأ الصدور. كنا في سَيرنا جَلَبةً وسط صمت الجبال، وكان هو- وموكبه من الفضائل- جلبةً وسط صمت الكون.

* * *

يكون لِطاقة السيارة حدّ. نترجل ونمشي.

مثله هذه المرة.

ونكون فوق.

المحبسة التي سُمّيت باسم بطرس وبولس هي اليوم في العالم شهيرةٌ باسمه.

ما أجملَ أن يَغار من هذا الحقير من عندنا رسولان عرفا يسوع!

هذا نحنُ قرب المحبسة.

وهي فوق، فوقُ أكثر مما تتصور.

ركضتُ كمَن به شوقٌ إلى اكتشاف السماء في صندوق.

ركضتُ إلى الحجرة الصغيرة، وهي لا تزال مسودَّة من دخانِ نارٍ كان يُشعلها في ليالي الشتاء.

  - من هنا، قلتُ، من بين هذه الجدران الباهتة خرج نورٌ ملأ العالم.

وكانت فيروز مع خطيبتي. طلبْنا منها أن ترتِّل. وفي الحجرة الصغيرة حيث كلُّ شيء رهبانيٌّ شربلي ربّاني، مهدَّم بالسنين، عامر بالله، غنَّت فيروزُ العذراء.

أغمضتُ عينيّ أستمتع.

تراه سمعَها هو، وفعلَ مثلي؟

خُيِّل إليّ أن شخصاً آخر دخل الحجرة.

  - أنتَ؟ قلتُ له وعيناي لا تزالان مغمضتين.

لكنّ وقع الأقدام اقترب وتعالى همسٌ رفيق:

  - أنا ومعي مَن هي أعظم. غنَّيتُموها في بيتي فجاءت تصغي إلى الغناء. إنها شفيعتي: أرزةُ لبنان، عذراءُ العذارى، سلطانةُ السماء والأرض.

اقترب الصوتُ أكثر، وسمعتهُ يقول:

  - تَذَكَّّرْ.

وتذكّرتُ بغتةً أنني، يوم كنتُ في مستهلّ شأني بصناعة القلم، طلبتُ في كنيسةٍ زرتُها لأوّل مرّةٍ أن يكون لي وطنٌ ولا أعلى، وصوتٌ ولا أصفى، وجناحٌ أبيضُ، أبيضُ كالثلج، لن أُحِبَّ أحداً حبي إياه.

ثم قال الصوت:

  - زِدِ الآن، زدْ على طلبَتِك المثلَّثة فتُستجاب.

قلتُ:

  - لا أريد مَزيداً.

قال:

  - بلى تريد. لكنّك قليلُ الإيمان بقدرةِ مَن لا قدرةَ إلاّ به. سوف يكون لكَ ما تظنُّه كثيراً على الله. أنا أقول لك.

   عندئذٍ أدركتُ أنني كنتُ أُحدّث شربل.

   علامةُ هذا القديس من لبنان... أنه يَجْرُؤ.


 

 

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.