3

:: ألرّائحة... والاشتعال المبارَك! ::

   
 

التاريخ : 26/10/2010

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 1018

 


 

    ذات صِدفةٍ، تكون مستوحِدًا داخل ذاتِك. في غرفةٍ، تكونُ، أو في مكتب، أو في بيت، أو على شرفة، أو أمام نافذة... فتلفِت نظرَك، فجأة، ولا تعرف لماذا، ولا كيف، غيمةٌ حَييّة موحية؛ أو يتناهى إليك همسٌ مُوارِب؛ أو تشعر بنفَس حارٍّ على وجهك، أو في أذنٍ، لك، تنتظر نأمةً دافئة، أو تتصاعد منك نهدةٌ قصيّة، أو... فتنتثر فيك، في أجوائك، رائحةٌ تُشَظّي، في كِيانك كلِّه، ذكرياتٍ حنون، تعود بك إلى طفولة، أو حنين، أو حُبّ، أو حلم، أو دفء، أو... فتسترسِل ناسيًا نفسَك وكلَّ شيء، كلَّ شيء... فتشعر كأنّك تُحلِّق: خفيفًا، شفيفًا، متألِّقًا، مُشرِقًا، مُنتشِيًا... وتَهيم! 

      تكون، ذات صِدفةٍ، وحدك. تكون تمشي في طريق، أيِّ طريق. ترابيّ. رمليّ. مُعشوشِب. على جانبَيه أشجار أو لا. أزاهر أو لا. فَراشاتٌ أو لا. نبتاتٌ من أحجام، أنواع، أشكال، ألوان، أو لا... وأطفال: صبيان وبنات، في الواقع أو الظّنّ... فتنبُع، من داخلك الأعمق، من نفَسك الأدفأ، رائحةٌ هامسةٌ، ناعمةٌ أو صاخبة، هادئةٌ أو هادرة، شفيفةٌ أو كثيفة... فتعود بكَ إلى مَطارحَ أو أشخاص، حالات أو أحداث، ملامحَ أو أحاديث... فتنثني روحُك تتذكّر أو تحلُم، تَهيم أو تَفيض، فتطلُع منك كلِّك، المَطارحُ حيّةً، الحالاتُ نابضةً، الأحداثُ فوّارةً، الملامحُ صافيةً، الأحاديثُ خصبةً... ويطلُع الأشخاصُ هائمين... فتَهيم، أنت، عذوبةً، تحنانًا، تمتلىء بكلّ طيب، تحسُّ نفسَك محلِّقًا، منتشيًا، منك الحبُّ يفيضُ...          أو تكون تمشي، وحيدًا تمشي. تتأمّلُ أو لا. تفكّر أو لا. أو مع سِواك تمشي. تثرثرون أو تصمتون، تمرحون أو تكتئبون، تتلفّتون في كلّ اتّجاه، تشاهدون أو لا تشاهدون، مُنتبهين أو غافلين،  تخطِّطون أو تحلُمون... وفجأةً، تصل أنفَك رائحةٌ تُثيرُ، في روحك والحَواسّ، ما يَشي بالإثارة: جسدًا ونفسًا، روحًا وخيالا. وعلى كلّ صعيد. فتغرق في ما يُشبه الحلمَ المُتواصِل، ذاهلا عن كلّ أمر. يأخذك الخَدَرُ اللذيذ. تتفتّقُ حَواسُّك، تنبِض، فيك؛ بالدّفء المُثير تُشرِق. بالحُبّ العميم تنتشي. وتسمو، فيك الرّوحُ، بالجَمال تتألّق. بالخير تطفو.

    تنفُذُ، هذه الرّائحةُ المُمَيَّزةُ، المُمَيِّزة، إلى حواسِّك، قبل أنفِك، من بين عشرات الرَّوائح، مئاتها، والآلاف: أليفِها والغريب. شجيِّها والفَرِح. عذبِها والمُثير. فتنفُذُ، من حَواسِّك، رائحةُ المطارح والأزمنة، الأشخاص والذّكريات، وتَغيم رؤاك، بل تَشِفُّ، تَدفُق الصُّوَر، تتقاطع، تتمايز، تتكامل، تتنامى... تؤلِّف نفسَها، الصُّوَر! وأنت؟ تغتبط. تحملُك، الرّوائحُ، إلى حيث تتمنّى. وتنتثر، فيك، الأحلام!

      إنّ الرّائحةَ، الرّائحةَ الزّكيّةَ، صورةُ الأنف، تنفتح على كلّ جَمال. نافذةُ العين، تُطِلُّ على كلِّ خصب. بابُ الذَّوق، يُشْرَع على كلّ طَيِّب. إيقاعُ الأذن، يهتف بكلّ حميم. عذوبةُ اللمس، تُشعِر بكلّ نعومة. نسيمُ الرّوح، يُفضي إلى الفردوس. والرّائحةُ، الرّائحةُ الزّكيّةُ، صورةُ العين، تُطِلُّ على الذّكرى النّاعمة. ونافذةُُ الذَّوق، تؤدّي إلى الأناقة الألطف. وبابُ الأذن، يدفع إلى الأمل الأغنى. وإيقاعُ اللمسِ، يهمسُ بالإثارة الخَلاّقة. وعذوبةُ الرّوحِ، تُدخِلُ البهجةَ الكاملة. ونسيمُ الأنف، يُحيي المَطارحَ، الأشخاصَ، الأحداثَ، الألوانَ، الخيالَ، التّأثيرَ، الإيحاء... وتتكامل الدَّورةُ، تتنابضُ الحَواسُّ، إحداها في الأخرى، وجميعُها في الرّوح، فإذا أنت واحدٌ أحد، على صورة خالقِك. أهو لم يَشَأْك كذلك؟ لقد جعل حواسَّك، لا روحَك وحدها، تنهض بك من ترابيّتك، إلى مَداك الأسمى. وإلاّ، فكيف تَلفُّ حَواسُّك روحَك، وكيف تُقيمُ روحُك في "ترابك"، بلا انفصام؟ على خِصام!؟ إنّه الخِصامُ المنفتِحُ، الخِصامُ المؤالِف، الخِصامُ البنّاء. ألبِناءُ هو الهدفٌ الأرقى!

       إنّ الرّوائحَ قنديلُ الجسد، يُضيءُ أمامه، دروبَ الحّواسِّ، يُشِفُّها. ألحواسُّ الشّفيفةُ، مُتَصالِحةٌ مع حالِها، متآلِفةٌ، مُتناغِمة. تسمو وتُسمي. تنمو وتُنمي. فالجسدُ ائتلاقٌ صافٍ. وفوّارةُ الرّوحِ، هي، تُفجِّرها أمنياتٍ، تُوَسِّعُ المدى، تتخطّى المَدار. ألرّوحُ، هذه، تدفُقُ سعادةً، تُدفِقُ غبطةً، تُغرِقُ في النّشوة الواعيةِ، الذّاهلة، القريبة، القصيّة، الذّاتيّة، الجَماعيّة. فالكونُ وحدةٌ متناغمةُ الانسجام، والإنسانُ انبِلاجُ الضّياء!

      ... وأنفَذُ الرّوائح، أبعدُها أثرًا فيك. أعمقُها إيحاء. أخصبُها تأثيرًا. تلك هي عطرُ امرأةٍ، "امرأتِك"، تلك الّتي تغوص فيها، وفيك هي تغوص، تتناهبان الحَواسَّ، الرّوحَ، المدى، المدار، تُشرِقان فِتنةً مُنيرة، تُشرِفان بهيَّين، مُتبادِعَين، تتناجَيان بالحواسّ الألطف، والرّوح الأدفأ... ألا إنّ الرّائحةَ فِتنةُ الإثارة الجامحة، إثارةُ الفتنة الماحقة! ألا إنّ الرّائحةَ بابٌ، بابُكَ، إلى الاشتعال المبارَك!


ألجمعة 16/تمّوز/2010

 

 

 
   
 

التعليقات : 8

.

01-11-2010 12:0

إيلي


سيّدة ميرفت
أشكر لك ثقتك الغالية، ألرّائع يرى الآخرين رائعين
أرجو أن أبقي على ثقتك
بمحبّة


.

31-10-2010 05:1

ميرفت سرحان

تدخل بمقالاتك إلى الأعماق فنبحر معك بالثقافة والفائدة

فلا تبخل علينا من عطائك


.

30-10-2010 06:2

إيلي


سيّدتي
لكلّ أمر، في الحياة، أهمّيّته... شرط "الانتباه" إليه بكلّ ما أوتينا من "يقظة" فكر وحَواسّ،
محبّتي...


.

29-10-2010 03:5

Victoria


موضوع مقالتك، أستاذ إيلي، مميّز ولافت. ألقليل منّا ينتبه إلى الرائحة ودورها في الحياة.

شكرا

محبّتي


.

28-10-2010 10:5

إيلي


أمل!
أشكر لك مرافقتك مقالاتي منذ زمن... على أمل المتابعة.
ألقارئة الجيّدة، المثقَّفة، حافز، للكتابة، مهمّ.
بمحبّة.


.

28-10-2010 10:4

إيلي


سيّدة سوزانّ
أشكر لك التفاتتك اللطيفة، صاحب الشّعور الرّاقي يرقى و"يُرَقّي".
محبّتي.


.

27-10-2010 04:3

Amal N


مرّة جديدة أحيّي قلم هذا الأديب الشّاعر بإعجاب مقرون بأطيب التمنيات ليبقى معطاء بعمق وتميّز. بمحبّة

.

26-10-2010 08:4

سوزان

بغضّ النظر عن القيمة الأدبية العالية للنصّ، تتناهى وفرة الأضداد وكأنّها موسيقى تطرب لها الآذان.

أمّا الخاتمة... فيبدو النص بأكمله في خدمتها.

سَلِمَ يراعك.


 

   
 

.