3

:: ألحنين حياتُك الثّانية! ::

   
 

التاريخ : 11/07/2010

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 740

 


 

      

 

تكون سادرًا، غافلا، مستغرقًا في لا شيء، في ما لا تَعرف، ولا يُعرَف، في ما لا ترى، ولا يُرى، غيرَ منتبهٍ إلى نفسك، ولا إلى سواك، ولا إلى أيّ أمر... فتشاهد صورة، أو امرأة، أو لوحةً، أو كتابًا، أو منظرًا، أو فكرةً، أو حلمًا... أو قد تسمع همسة، أو قصيدة، أو نغمًا... أو قد تشمّ عطرًا، أو تتلمّس ورقة، أو تتذوّق طعمًا، أو تشعر بنسمة مسائيّة، أو ليليّة، أو فَجريّة... فتقع في الحنين!

 والحنين يستدعي الحنين! فيستيقظ القلب، يستدعي الأحلام، تستدعي الأمنيات، تستدعي الذّكريات، تستدعي ماضيًا، يستدعي زمنًا، أشخاصًا، أحداثًا، تَمَنِّياتٍ، أعمالا... كنت تسوقُها أو تسوقك، تكتبها أو تكتبك... ومن بين الوجوه تُطِلُّ عليك وجوهٌ حبيبة، ومن بينها وجهٌ أحَبّ، يستدعيك وتستدعيه، تبتسم ويبتسم، تلتقي الأمنيات، تتلامس؛ الأيدي، فتغمر؛ الأحلام، فتحضن... يتوهّجُ، فيك، نفَسُك؛ يحترُّ نبْضُك؛ يُسرِعُ تَدَفُّقُ شرايينِك؛ فتنهدّ لاغيًا، لاعجةً، في ذاتك، إشراقاتُها؛ مُخَضَّبةً، في خيالك، رؤاه؛ فائرةً، في جسدك، رغائبُه... إلاّ أنّ الزّمنَ انقضى، لقد غدر بك! وما مثلُ غدْر الزّمن!

قد تحاولُ أن تجعلَ، من الحنين، حنينِك، حياةً ثانية! تكون "تكذب" على نفسك، كذبةً لذيذة تُحَبّ. ما انقضى، تحنُّ إليه، لا يعود. يقوى الحنين؟ "تحسب" أنّك تستعيد لحظات من عمر. "تحسب" أنّك تستعيد حياة. أقلّه على الصّعيد النّفسيّ. ما "ينفعك" هذا الصّعيد النّفسيّ!؟ وأنت تعرف، لكنّك تحاول أن تُعَزّي ذاتك، أن "تخدع" ذاتك. ولكن... أتنجح؟ إلى أيّ حَدّ؟ إلى أيّ مدى؟ ثمّ... ماذا!؟

تحنُّ إلى طفولتك؟ تستدعيها. "تحياها" نفسيًّا. أتشعر بما كنت به تشعر؟ أتشُمّ ما كنتَ تشمُّه؟ أتتذوّق ما كنت تتذوّقُه؟ أترى ما كنت تراه؟ أتسمع ما كنت تسمعُه؟ أأتلمّس ما كنتَ تتلمّسُه؟ أتحلُم بما كنت، به، تحلُم؟ أتلعب ألعابَك الّتي كنت تُحِبُّ وتلعب؟ أتملأ حذاءك ترابًا، ثمّ تنثره في الهواء، فيدخل ملابسَك وعينيك وأنفك والأذنين وتحت أصابعك؟ أتسمع تأنيب أهلك، أو شكاوى الجيران؟...

تحنّ إلى "الحبيبة"؟ تستدعيها، واهمًا، حالمًا، غارقًا في فراغك. أتحضر "الحبيبة"، كما تتمنّى، أم أنت تلهو باستحضارها، تعويضًا عن ندم، أو حنينًا إلى قناعة موقف، علّ النّدمَ يُنعش، علّ الحنين يُحيي!؟

تحنّ إلى مدرسة... إلى رفقاء ورفاق ورفيقات... تحنّ إلى أحداث حصلت، وإلى أخرى لم تحدث، كم كنت تتمنّى لو حدثت... تندم، اليوم، لإحجامك، تبتسم لمثاليّاتٍ كنت تتمسّك بها... أتندم، اليوم، حقّا؟ يختلط النّدم بالحنين، الواقع بالحلم، فلا تعود تعرف إن كنت تندم، أو أنت تحنّ! يختلط الأمر اختلاط الماء بالهواء...

تحنّ إلى الشّباب، السّهر، الأصدقاء، الصّديقات، الرّياضة... صحيح! يحنّ المرء إلى ما افْتَقدَ وكان يُحِبّ. ألشّباب، بمفهومك، فكر وطموح وإرادة وعزم. لكنّه، كذلك، مرحلة من العمر ولّت. ألسّهر؟ بات ضجيجًا، صراخًا، وغناء عويلا... ألأصدقاء؟ يبقى لك منهم اثنان ثلاثة. بعضهم هاجر. بعضهم ارتحل. بعضهم "غيّب" نفسَه. بعضهم "منشغل" بأمور "الدّين" أو "الدّنيا". بعضهم بأمور "المعيشة". صحيح. فزعماء الوطن "منهمِكون"، "منشغِلون" بأمور أهمّ. عليك أن تتدبّر حالك. وأنت واحد من هؤلاء! ألصّديقات؟ كما الأصدقاء! مع كونك دائم الحنين إلى بعضهنّ ممّن ترى أو لا ترى. فأنت "شغوف"! والرّياضة؟ حبُّك الأبديّ! لا تحنّ، بل تمارس... وبلذّة مَن يطمح إلى البطولات.

تحنّ إلى الجامعة. إلى بدئك مهنتك/رسالتك. إلى مشوارك الحياتيّ المليء. إلى أولادك الذّين "تقدّس". إلى زميلات وزملاء. إلى أعياد. مهرجانات. مطارح. بلدان. وإلى قريتك. إلى "وطى جوزك" الّتي باتت "وطى الكسّارات وخِيَم النّايلون" على الرّغم من... ومن...

هذا الحنين! هذا الحنين! يُعيدُك إلى ما أحببت وتُحبّ. فأنت، حين "تغيب" في حنينك، تعيش وتحيا مرّة ثانية ما عشتَه وأحببتَه. مرّة ثانية؟ بل ثالثة ورابعة وعاشرة... إلى ما لا نهاية طالما أنّك "حَيٌّ"، سليم، واعٍ... وحين "تستدعي" النّاس والأحداث والأمكنة و... وتحضر أمامك، تطلع، فيك ومنك، تلك الرّوائحُ والطّيوبُ، فتتنشّقُها، لا مرّة ثانية أو ثالثة أو... بل لمرّة أولى، بما في المرّة الأولى من شغَف ولَذّة وحبور وارتجاف لذيذ يوقعُك في الخَدَر الأحَبّ!

ألحنينُ... الحنينُ... حياتُك الثّانيةُ، الثّالثةُ، الرّابعةُ، المئةُ، الألفُ... حياتُك الوِجدانيّةُ الملأى، الخصبة، الموحيةُ، الأغنى... هي الّتي تُحَبّ تستمرّ... فهل!؟       

 

وطى الجوز/8 تمّوز 2010

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.