3

:: زَبَدُ الأحلام ::

   
 

التاريخ : 29/06/2010

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 797

 


  

 

 

              أن يُقامَ لك احتفالٌ تكريميٌّ، شكلٌ من أشكال التّعزية. يُحزِنُ أكثرَ ممّا يُفرِح. يُيئس أكثر ممّا يُعَزّي. يَخنُق أكثر ممّا يوحي.

              إذًا، فما الاحتفالُ التّكريميُّ؟ إنّه اعترافُ المُكرِّمِ بأنّ دورَك، معه وإلى جانبه، ولو في مجالك، قد انتهى. فلا لزومَ لك، بعدُ، في "الخدمة". إنّه يتابع من "دونك". وغدًا يأتي مَن يتابع من "دونه". فيقام له "احتفالٌ تكريميٌّ". إحتفالُ "نهاية دور".

              إنّها الحياة. إنّها الأيّام. إنّه العمر. إنّه "غَدْرُ" الزّمنِ اللئيم!

              أن "يغدُرَ" الزّمنُ بكَ، هو أن يجعلَك "تُفاجَأ" بعمرك. بمرور عمرِك. بسرعة مروره. وبغباوتِك! كنتَ لاهيًا عن العمر، فلم "تنتبه". كنتَ مأخوذًا باللحظات. بفرح اللحظات. بالعمل. خصوصًا إذا ما كان عملُك هوايتَك. تشعر، وأنت مستغرقٌ، بنشوةٍ تُصَعِّدها، منك وفيك ولأجلك، حرارةُ إيمانك بما  به أنتَ تقوم. كيف لا، وأنت "اخترتَ"، واعيًا، ناضجًا، مسؤولا، حرًّا، "رسالتَك" لا "مهنتَك". تفهم، أنت، بعمقٍ جارح، أنّ "رسالتَك" تبني إنسانَين معًا، هما: أنتَ والآخر. هذا "الآخرُ"، قد يكون التّلميذ، كما يتبادر أوّلا. لكنّه قد يكون زميلا، أو ناظرًا، أو مديرًا محلّيًّا، أو مديرًا في وزارتك، أو أيَّ آخر خارج ثانويّتك، أو مديريّتك، أو مفتّشيّتك، أو وزارتك، أو... ولن أقول كيف. مَن "يتلمّسْ" ما أقول، "يتلمّس" الإجابة. فأنت "تربويّ" أصيل، نقيّ، شفيف. "عارفٌ" وصامت. صمتُكَ يوحي إلى مَن يفقه. مَن لا؟ ما الهمّ!؟ تتابع مسيرتَك، يحفِزُك وعيٌ لواجب، وضميرٌ يستشرف. وتمشي... 

              أن يُقام لك احتفالٌ تكريميٌّ، يعني اعترافًا متأخِّرًا، أو مهذَّبًا، بفضلٍ لك، أو ببعض فضل. ألَم "تُضَحِّ" طَوال عمرِك؟ ألَم "تسهر" الليالي، باحثًا عن جديد يُغْني، محَضِّرًا جديدًا يُفيد، مصَحِّحًا أغلاطًا لا تريدها تتكرّر؟ ألَم تكن "الشّمعةَ" الذّائبةَ إنارةً للغير؟ وقد يجحَد، هذا الغير، وذووه، ورفقاؤه، دورَك. وما هَمّ!؟ فالمعلِّمُ "إشارةُ" طريقٍ تُشير إلى المارّة، فيجتازون، متوجِّهينَ، كلٌّ في وُجهته، ويَصِلون. وتبقى في مكانك، أنت، "إشارة" لآتينَ جُدُدٍ. ومنهم مَن يرشُُق. ومنهم مَن يتّهِم. ومنهم مَن يُنكِر. وأنت... ثابتٌ، مبتسمٌ، مرتاح، راضٍ. "سيزيفُ" الأزمنة!

              أن يُقامَ لك احتفالٌ تكريميٌّ؟ هو أن تندمَ، بينك وبينك، على زمن تبدّد؛ على نشاطٍ تجمّد؛ على حلُمٍ ترمّد. هذا، إن أنتَ إنسانٌ تتلبّسُه الكآبةُ، يتأكّله الخوفُ، تنطفىء فيه الرّغائب. وإن أنتَ إنسانٌ عابرُ أحلامٍ وعزائم، أو زارعُ طموحاتٍ وإرادات، فاحتفالُكَ هذا، بابٌ جديدٌ إلى تحقيق ما يتألّقُ، فيك، من غنى نفسٍ، رؤًى بعيدةٍ، دَفْقِ تَمَنّيات.

              لذا، فأن يقامَ لك احتفالٌ تكريميٌّ، هو، أيضًا، أن يُعلِنَ علَنًا، زميلاتُك والزُّملاء، جديداتٍ وجددًا، قديماتٍ وقدماء، حُبَّك. وأن تفرحَ بحبِّهنَّ وبحبِّهم. هو أن يتواصل معك زميلاتُك  والزُّملاء، وأن تبقى أنت، معهنّ ومعهم، على تَواصُلٍ حميمٍ، جميل. فحياتُك معهنّ ومعهم، في جزء منها، مُهِمّ، لم تغِب عنهنّ وعنهم كما ولا عنك. فأنت تَراهنّ وتَراهم في كلّ وجه. تتذكّرُهنّ، تتذكّرُهم، تَحِنّ إليهنّ، إليهم، يطلَعن، يطلَعون، جميعًا، منك كما نفَسُك، يتدفّقن، يتدفّقون فيك كما دماؤك، يراودنك، يراودونك كما أحلامُك.

              هكذا، لا الحياةُ تنتهي، ولا الكآبةُ تبدأ. فالمقلَبُ الثّاني زراعةُ أحلامٍ جديدةٍ، حيّةٍ، تُشرِقُ فرحًا، تضِجُّ حنينًا، فقطافٌ ناضجٌ، تُظلِّلُه نِعمةُ المحبّةِ، تدفعه روحُ المسؤوليّةِ، تتفجّر فيه أصالةُ الحرّيّة!

              أيّتها الصّديقاتُ! أيّها الأصدقاء!

أَأشْكرُ لكنّ ولكم، بادرتَكنّ، بادرتَكمُ الطّيِّبةَ هذه؟ أهي ليست من نفوسكنّ

 ونفوسكم تَفيض، كالطّيب من زهر الحقول، كالنّور من الشّمس، كالنّبْض من القلب؛ وإلاّ فالجميعُ نقصانٌ حزينٌ، ما يوقِعُ في الخَيبة، وهي عنّا بعيدةٌ، بل غريبةٌ، لا تخطُرُ في البال.   

              ثانويّة زوق مكايل، ثانويّة إلياس أبو شبكة! مرر بك، بَذَلتُ، زرعتُ، انتظرتُ، وها أنا أقطِفُ محبّة نتبادلُها، ستبقى، ولا شكّ، مزهِّرة، مثمرة.

              أيّتها الصّديقات! أيّها الأصدقاء!

              تكرّمونني، الليلةَ؛ غدًا تُكرَّمون. هي الحياة. هو العمر. ألمُهِمّ؟ أن نحيا القِيَمَ والرّؤى، فلا  الحياةُ تغدِرُ بنا، ولا العمر. أُحِبُّكنّ. أُحِبُّكم!

 

                                  ألجمعة 11 حزيران 2010        

*/ألكلمة الّتي ألقيتُها ليلة كرّمتني ثانويّة الياس أبو شبكة الرّسميّة لاستقالتي بداية هذا العام الدّراسيّ.

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.