3

:: جورج مغامس في «كتاب الصورة» حَرَمني النّوم ::

   
 

التاريخ : 15/06/2010

الكاتب : جوزيف أبي ضاهر   عدد القراءات : 880

 


 

 

قالت الحكايات: القراءة ليلاً مِخَدّة، لا لخدٍّ ألصقت صِفَةً به، بل لرأسٍ وجسمٍ وفكرٍ، ولأحلامٍ، قد تكون في العتمة أكثر وضوحًا، منها في وضح نهار.

وحين لا تكون، تَختلُّ موازين. وَحَدثَ، والمسَبِّبُ كان، ما لَبس ثيابه بعد، ليخرج إلى النّاس كتابًا. أخذته في نسخةٍ أولى، طمعًا، حَرَمني لذّة النّوم، لأعطى لذة وصلِ مَغيبِ شمسٍ بشروقها.

***

وقال الكتاب: أنا الصورة. كلّ وجه كلمة، وكلّ كلمة شُبّاك درب، عين رقيب لا تنعس، ولا تَغضّ طرفًا، ولا تُهمل. وإذا حدّقت، كَشَفت وما سَتَرت، وخَبّرت وما بخلت، ورصفت التفاصيل بمهارة العارف أسرار التعاطي مع الصعب، فأدركت الشعر في أبهى البشارات.

وأما بلاغة الوصف، فليونة على رَهافةٍ، ومتانة بناءٍ تصاعدي، يخطف الأنفاس إلى فتنة، فلا يباس كلامٍ حشوٍ، ولا غرابة.

***

... ويوضح الكتاب، الممهور بحبر جورج مغامس، أنه والصورة هويّة لوجوه ظُن بها مهمّشة، تنهض من غبار إلى فراغ. وإذ بالقلم المرصود على الصياغة يحوّلها قامات، أعطيت نعمة البساطة، وأخذ هو، نعمة الإندفاع إليها، لا مشاكسةً لتصرفات، بل إعجابًا منه، بما اعتُبر نافرًا، أو فجًّا، وغير مألوف.

صادقهم، وفَرَض على قارئهم صداقتهم.

وَحَدَثَ ثانية، أُخذت إليهم، راقبتهم مثله، حادثتهم مثله، حارجتهم، حرّضتهم على مزيد، ولم ألقَ تجاوبًا. ما اهتمّ أحدهم بي، قدر ذرةٍ من اهتمامي بهم.

لم أتعب، ورحت مع مُطاردهم  إشباعًا لرغبة في عدم تغييب، أو ترك شاردةٍ تفلت منه.

طمّاع هو، صعّد حركة المشهد لتأجيج الكتابة، وصولاً إلى المُشتهى، بعده، لا حاجة إلى إبراز فضائل، أو إخفاء عيوب.

... وكان منهم، أكثر ظرفًا وسخرية على اختلاف في الموقع والواقع.

***

الوجوه المهمّشة، صيّرها قلم جورج مغامس، وجوه ضوء، فكلّ وجه عَلَم، وأعطاه من العلامات الفارقة ما يليق به في صَكّ ديمومة، لا تؤثر فيها ظروف ومناخات.

***

تتالت الصفحات الصور، حادةً، مرّات... ومرّات متأنّية صريحة إلى حدّ وشم الحدث وتركه بين العابثين بالحياة على غير انتباه.

في كلّ حرف إيحاء، يترجمه المتلقّي من تجارب ذاتية، متشابهة..؟ ربما.

أو يأخذ ذاكرة حيّة، تؤرّخ اللحظة، وتسمح بالتطلّع إلى خارج إطار الصورة، إسهابًا في رسم إضافات، ورغبة في ظلال، لا تَقي من وهجٍ، بل تريح، وتسمح بمراجعة وجوه مرّت، على غير دراية منّا، أو، لم يسعفها حظ البقاء، أن تمرّ في يوم من الأيام تحت شباك جورج مغامس، ليصنع لها هوّية ممهورة بالنبض، فلا تعود دوائر الفراغ والضَياع تقوى عليها، ولا رياح الخداع، التي يتقنها الوقت، في تحريكها، حبًّا بنكهة الرماد.

***

هذه الذاكرة الحيّة، شَمَلت مناخًا عامًا، بلدةً، مجتمعًا، ووصلت إلى مرحلةٍ في الزمن، لها عاداتها وتقاليدها، وحَكيها وناسها، وبَرَكتها، وخيرها المجموع في يدين اثنتين من زرع وحصاد، وخميرة، وأخذ وعطاء، وتبادل يتداخل في الإلفة والروح الإنسانيّة.

***

«كتاب الصورة» هو، أكثر من كتاب يَروي، وأكثر من صورٍ بالأسود والأبيض، تحدّد الوجوه والأسماء من دون أن تسجنهم. لهم حريّة أن يطلعوا منها، أو أن يغيبوا فيها. ونحن، نشاركهم هذه الحريّة، حين، في أعماقنا، ينده الحنين إلى صفاء في النفوس، وفي مرويّات أيام النقاء.

***

أفرك عينيّ بنَهَمٍ.

ـ ماذا بعد إيغاله في تعرية حضورهم، ليفصّل لهم ما لم يخطر ببال، أو خيال من كان أقرب منه، جسدًا، إليهم؟

لا أجد جوابًا؟

بلى، وحده نظر إليهم، ورآهم. غيره نظر، ومرّ، وغَبش بصره، وما رأى.

***

... ويلفتني الكتاب، وأنا أخرج منه لاهثُا، أن وراء الحُجُبِ شفافيّة فكرٍ أغنته تجارب هؤلاء «البسطاء»، فمنحهم بريق قلمٍ لا زوغ عيون، ولفت نظرٍ إلى أن الحياة العفويّة، الطبيعيّة البسيطة... حتى السذاجة، تكتنز فلسفة جاذبة، قلّ من أدركها كاملة، كما جورج مغامس.

***

وجوه تضحك، وجوه تسخر، وجوه تهذي، تتلوّن... لكنها لا تضع قناعًا، ولم تمشِ خلف ظلّها.

***

استقبلت الفجر، ولم أنتبه، أهو خرج من الكتاب... أم أن العتمة لم تأتِ في تلك العشيّة، وظلّ قنديل الوجوه مشعًا في عينيّ.

ــــــــــــــــــــــ

* «كتاب الصورة» هو الكتاب الثالث عشر في سلسلة مؤلفات جورج مغامس (116 صفحة من الحجم الوسط).

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.