3

:: الكـروان... والـطـريـق إلـى يـافـا ::

   
 

التاريخ : 12/06/2010

الكاتب : سـهـيـل جـمـيـل حـاجّ   عدد القراءات : 1322

 


  

 

قرأت في كتاب مذكرات الموسيقار الكبير عبد الوهاب قصة تروي تفاصيل الحفلة الأولى التي غنّى فيها عبد الوهاب لعشاق فنه في مدينة حلب في سوريا، فعندما فُتحت ستارة المسرح أصيب المطرب الناشئ الواعد -آنذاك- بـِ "صدمة"، وذلك أنّ عدد الحاضرين لم يكن يتجاوز الثلاثين. وغنّى على مضض، وقد قرّر إلغاء الحفل الثاني المقرَّر بعد عدة أيام.

كان السبب لهذا الحضور أنّ هؤلاء هم "السمّيعة" في المدينة الشهيرة بالذوق الفنّيّ الرفيع، فإن أعجبهم الغناء خرجوا إلى الناس يشجّعونهم على الحضور والاستماع، وإلاّ فلا. طبعًا كانت الحفلة الثانية مكتظة بالحضور.

ونحن في عبلين في منتصف التسعينيّات، حين بادر "نادي المحبة" الى تنظيم الأُمسية الرحبانية الأولى "عبقٌ من روض الرحابنة"، استطعنا -بإمكاناتنا المادية والفنية الشحيحة- أن نسهر مع الصديق "أبو نزار" فضل سمعان، الذي تجْمعنا به عرى الصداقة وعشق عجيب لفن الرحابنة، برفقة نحو مئة من الأصدقاء من مختلف البلدات في قاعة مكتبة كلّيّة مار الياس، نستمع إلى ما يحكيه ونغني بصورة جماعيّة الأغاني التي أوردناها في الكراسة الخاصة، وحين انقطع التيار الكهربائي تابعنا الأمسية على ضوء الشموع، مما أضفى على الحدث رونقًا ورهبة وانسجامًا.

بعدئذٍ عاد الأصدقاء كلّ الى بلدته، وتتابعت أخبار عن تنظيم أمسيات مشابهة يحْييها الأخ أبو نزار. لكنني أود هنا أن أذكّر بأننا حين خططنا لهذه الأمسية، أمضينا وقتًا طويلاً نفكر في كل أغنية أثبتناها في الكراسة وفي مدى تطابقها مع ما سيقوله المحاضر الضيف. كان النقاش عميقًا ومضنيًا، إلاّ أنّه أزهر وأثمر...

وبعد عدة سنوات، قام نادي المحبة بتجربة ثانية "الرحابنة: الحلم والإيمان"، عرضناها في قاعة الأوديتوريوم في كلية مار الياس في عبلين، بمشاركة جوقة الكروان، حيث كان الصديق "أبو نزار" يتحدث عن الموضوع وتقوم الجوقة بغناء نماذج مختارة من أغاني الرحابنة، وكانت أمسية جميلة، انسجمت الكلمة مع الأغنية، وكان العمل متكاملاً.

كان الحضور في "إحكيلي" جيّدًا من الناحية العددية ومن الناحية النوعية. فـَ "السمّيعة" لفنّ الرحابنة كُثر، لا في عبلين فحسب، بل في العالم كلّه. أتيت يرافقني اثنان من أولادي، إذ إنني أريد أن أشجع الكروان وأن أعوّدهما على ارتياد مثل هذه الأمسيات، والأهم من كل ذلك أنني أعشق هذا الفن وأقدره، وأُجِلُّ مَن يقدره، إضافة إلى أنّ بعض أفراد الجوقة هم من طلابي والبعض الآخر أصدقاء وأحباء وأولاد بلد، أردت أن أكون معهم في هذا العمل في الجانب الآخر: المستمع والمتلقي، أصفّق لهم لأعبر عن حبي وأعجابي.

وفي "لوبي" القاعة التقيت بعدد من الأصدقاء وكذلك بأستاذي د. بطرس دلّة الذي علّمني في المرحلة الثانوية في السنوات 1972-1974. كنت سعيدًا جدًا باللقاء! ومرة أخرى انفعلت لأنّ الفن الرحباني هو السبب في لحظات السعادة هذه.

غصت القاعة في قرية الياجور (وهي ليست بلد الشيخ -كما ذكر عريف الحفل-؛ وكان الأجدر ألا يخطئ في هذا الشأن) بالحضور المحبّ والمشجع. وانتظرنا بفارغ الصبر لحظة البداية، فالموضوع كما نُشر في الإعلان عن "مدينة يافا، العجمي، البرتقال والماضي العابق بالمحبة.. وشيخ البحر اليافاوي يستعيد الذكريات" وربطها بأغاني الرحابنة!!

الفكرة جميلة تحمل ملامح التجديد وتبشر بنتاج أدبي فني جديد، يعيد الأصالة إلى الفن في زمن سيطرت فيه الأغاني الرخيصة على مسامع الناس. وهنا لا بد من السؤال: ألم يكن من التسرع أن نطلق التسميات مثل "أوبريت" وغيرها ونحن في أول الطريق؟! هل ظهر برج الساعة وحيّ العجمي في ديكور المسرح؟! أين البحر والاندروميدا؟! هل شرحت المشاهد المسرحية التي شاهدناها لأبنائي الصغار وللأطفال الآخرين عن يافا وأهميتها الثقافية والاقتصادية، عن تهجير أهلها، عن وضع السكان الحاليين وحالة الفقر والضياع، عن عائلاتها والشخصيات القيادية التي خرجت منها؟!

إنّ اختيار الأغاني كان ناجحًا وموفقًا جدًّا، والجوقة كما تعودناها تتقن الغناء، لكن البعض كان يفرط في إظهار اندماجه ، لدرجة أنّ تعابير الوجه كانت على نقيض المعاني، فمعاني البعد والغربة والشقاء لا يمكن أن نغنيها ونحن نرسم ابتسامة واسعة على الوجه، أو نرفع الحاجبين ونفتح حدقتي العينين! فإن كان هذا تعبيرًا عن المتعة، فإنّه في غير موضعه! لا ننسى أنّ قسمًا من الناس أو كلهم يتذكرون أحباءهم البعيدين أوالمبعَدين! ولأننا نعرف الأغنيات ونحفظها عن ظهر قلب، ولأننا نحترم الكلمة واللحن، كان الأجدر أن ينتبه المخرج لهذا الأمر.

وهمسة أخرى في موضوع الغناء: حبذا لو كان أيضًا بعض المقاطع بغناء فردي، أكثر مما تم تقديمه. صحيح أن الغناء للمجموعة، لكن التنويع ولو بقليل الكلمات يضفي لونًا وجمالاً، ويكفي جوقة الكروان فخرًا أن عددًا من أفرادها انطلقوا في عالم الفن محلّيًّا وعالميًّا، نتيجة للغناء الفرديّ لا الجماعيّ. هذا رأي لمستمع وليس لمتخصص!

أمّا المقاطع المسرحية، فإنني أعتقد -كما ذكرت سابقًا- أنّها تجربة جديدة جديرة بالاهتمام، وكان الأجدر لو قام المسؤولون بقراءة كتاب المحامي العبلّينيّ الأستاذ سمير فوزي الحاجّ "يافا بيّارة العطر والشعر" لتتعلم الكثير عنها وعن الإبداع الأدبي فيها وبها! ليت أعضاء الجوقة قرأوا تاريخ يافا -ولو بالقدر القليل-، ليعيشوا أجواء "الماضي لربط بالحاضر والآتي"؟! الموضوع كان بعيدًا جدًا عن العنوان وعن الأغاني!

 صحيح أن البداية كانت أغنية "أذكر يومًا كنت بيافا"، لكنّ المقاطع المسرحية ناقشت أمورًا بعيدة كل البعد عن العنوان، مثل حوار الأجيال (أو صراع الأجيال)، ذكريات لرجل عاصر يافا حين كانت يافا عاصمة للثقافة، للنضال والإبداع ، يافا التي سافر إليها خيرة شباب قريتنا حينذاك ليتعلموا في كليتها وأبدعوا!

لكن شخصية "أبو سمعان" بائع البرتقال ابن السبعين عامًا، لم تكن مقنعة؛ إذ كيف يروي مَن كان طفلاً صغيرًا أحداث الماضي وكأنّه شاهد على العصر؟! لماذا أراد المخرج أن يكون "أبو سمعان" بهذه الشخصية الفكاهية؟! ألم يحمل على ظهره الهموم والمآسي؟ ألم يفقد أخًا أو جارًا أو صديقًا حين سقطت يافا؟! هل كان الحوار مع تلك الصبية في مستوى الموضوع؟ وما هو المغزى من أن يذهب "أبو سمعان" إلى رجل لا يعرفه ليخطب ابنته لشابّ لا تعرفه الابنة؟! هل هذا ما نريده اليوم لأبنائنا وبناتنا؟!

 أما الحوار بين "ابو سمعان" وليلى، فهو مهمّ، لكنه ليس لهذه الامسية، وبالتأكيد ليس لهذا الموضوع والأغاني المقدَّمة. يمكن لهذا الحوار أن يدور في كل قرية فلسطينية اليوم.

أما الجمل والمعلومات والأوصاف، فلا تنطبق على يافا! نعم، البحر في يافا؛ لكنه كذلك في عكا وحيفا والطنطورة، في جنوب البلاد وفي كفر لام. أين الحنين إلى المدينة؟! ولماذا غُيِّبتْ قصص من فقدوا أحبّاءهم؟! أين أهل الدار اليوم؟!

إن الثقافة والتعلّم هي المصادر الأساسية والمهمة التي تغذي قدرة الفنان وتنمي إبداعه، لذا حين يقدم عملاً فنّيًّا ينبغي أن يفهم كل ما يدور في فلك الكلمات من معانٍ وصور وذكريات. وحين يمتلك الفنان هذه الأدوات والمهارات وفهم معاني الاشكال والرموز الكلامية والمادية، ينتج فنًّا راقيًا يعيش أحاسيس أفراد المجتمع ويصوّر آلامهم وسعادتهم.

إنني أثق بقدرة الأستاذ نبيه عوّاد على إنتاج فنّ يستحوذ انتباه واحترام الجمهور. وكما ذكرت سابقًا، فالعروض السابقة كانت بجودة عالية، تمنيناها لهذا العمل أيضًا. نحن بحاجة ماسّة اليوم إلى جوقة الكروان لتقوّي العلاقات بين أفراد المجتمع المحلي بإنتاج راقٍ يتطور ويرتقي بالمستوى الى الأعلى دائمًا. الخامات الصوتية متوافرة، والجمهور المتعطش لهذا النوع من الفنّ موجود وعلى أهبة الاستعداد للدعم، ولا أريد بهذا المقال إلاّ أن أجدد الدعم والثقة في جوقة الكروان، بأفرادها وقائدها، فإن قسوت قليلاً فذلك لأنني أتوخّى الأفضل.

 لأنّ عبلين تستحق أكثر...

                                                                            

عبلين في العاشر من حزيران 2010

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.