3

:: ألنّدم ::

   
 

التاريخ : 07/06/2010

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 796

 


 

 

 

              ... فما معنى أن تندم؟

              أن تندمَ، يعني اعترافك بأخطاء ما كانت واجبة. ما كانت لتقع، لو كنتَ أكثر حكمة. أعمق فكرة. أحسن حذرًا. أبعد رؤًى. أشمل نظرة. وقد وقعَتْ، لكونك أشَحْتَ عن الحكمة. سخّفت الفكر. تسرّعتَ. مسحت الرّؤى. ضيّقت النّظرة. أن تكون "اقترفتَ" ذلك، أيعني أنّك كنت الإنسان الواعي، العارف، النّاضِج، المسؤول؟

              ألواعي، ألا "يَغيب" وعيُه مرّة؟ ألعارف، ألا يمرّ بلحظة "جهل" مرّة؟ ألنّاضج، ألا "يَضيع" مرّة؟ والمسؤول، ألا "يعدم" مسؤوليّته مرّة؟ فالإنسان ليس نبيًّا! علمًا أنّ الأنبياء "يَغضبون" أحيانًا، فيصرخون، يصفعون، يعاقبون! والإنسان ليس قدّيسًا! والقدّيسون كانوا بشرًا يُخطئون! عملوا على ذواتهم، ركّزوا في القِيَم، تسامَوا ف"وصلوا"!

              أن تندم، يعني أنّك "وعيتَ" أخطاءك، خطاياك، سقطاتِك، "انتبهتَ" إلى كونها قد حادت بك عن تسامحك، أحيانًا، غفرانك، أحيانًا، صوابيّة آرائك، أحيانًا، محبّتك، أحيانًا، تضحيتك، مساعدتك، زهدك... وأنّك قد "انحدرتَ" عن "مثاليّتك" و"طوباويّتك" اللتين يراك عليهما الآخرون، أو تحسب ذاتك فيهما.

              أن تندم، يعني أن "تكسر" كبرياءك، عنجهيّتك، والغرور، وتعرفَ أنّك كائنٌ ترابيّ، تحاول أن "ترتقي"، وأنّ الارتقاء لا يتمّ بالتّعالي، ولا يكون إلاّ بالتّواضع. ألارتقاءُ هو أن تتخلّى عن "تشاوفك"، أن "تزهد" ب"البرّانيّ". كلّ بَرّانيّ زائل. كلّ زائل لا لزوم له، لا ضرورة. أللازمُ الضّروريّ، هو ما لا يمكن الاستغناء عنه، وإلاّ فالنّقصان النّفسيّ، الرّوحيّ، ما يبتعد بك عن التَّكامل، التَّفرُّع، التّشابُك، الانسجام، التّمايز اللازم، الخصب المُخصِب، ما يجعلك، مع السِّوى، سمفونيّةً كونيّة راقية، يفيء إليها الآخرون، فيها يفكّرون، يتأمّلون، بها يتشبّهون، فيتسامَون بالفرح، بالنّشوة، نابضين بالحبّ، وبه يأتلقون.  

              أن تعي "وجوب" النّدم، هو أن تعي أنّ حياتك الماضية، في "ظرف"، أو "ظروف"، منها، لم تكن "مثاليّة"، ما يعني أنّك ركّزت في ماضيك، أحلامًا وأفعالا، فِكَرًا وتصرّفات، ورأيت "نقصانَك" في حقلٍ ما، بوجه من الوجوه، ما أخّر، أو منع، تحقيقك أمرًا مضيئًا، أو "جرفك" في اتّجاه معاكس للخير، للحقّ، للجمال، وبقيّة القِيَم الّتي إليها تتوق، أو يجب أن...

              ندمُك، يعني أنّك شعرت ب"وَضاعتك"، ب"حقارتك"، ذات مرّةٍ، إذ تكون قد تخلّيت عمّا يرفعك، وتبنّيت ما يحطّ بك، ظنًّا منك بأنّ في ذلك "مصلحتك" و"صلاحك" أو، حتّى، "مصلحة" سواك أو "صلاحه". حين تندم، تتقرّب من "فكرة"، في بالك، تريد أن ترفع نفسك إليها، أن "تحياها"، أو "تحيا" بها، وأن "تنقلها" إلى الآخر. أيّ آخر يُكملك، معًا تعملان، كلّ في مجال، في اتّجاه، و"تلتقيان" على القِيَم عينها. تنتشيان. معكما، بكما، فيكما، تكتمل البشريّة وتنتشي.

              معنى ذلك أنّ الإنسانَ كائنُ النّدم، لأنّه كائنُ المحاسبة الذّاتيّة. حاسب نفسك بحزمٍ، ترقَ! إن ترقَ، ترقَ بك جماعتُك. حين ترتقي الجماعة، يعذوذب الكون. ألارتقاء حياتيّ، فكريّ، نفسيّ، عمليّ... معًا. هو الغاية، به يتحقّق الإشراق.

              مَن لا يندم، يعني أنّه، إمّا لم "يُخطىء"، فلم "ينحرف" عن هدف سام، ولم "يَحِد" عن درب مستقيم، ولم يعمل على "تأخير" سواه عن "هدفه"؛ إمّا لم "يحاسب" نفسه، بحزم وواقعيّة، فلم "ينتبه" إلى "نقصانه"؛ وإمّا لم "يتواضع"، ككائن إنسانيّ، فلم "يعترف" بخطأ ما ارتأى ذات مرّة، لسبب حسبَه صوابًا، ولم يتبيّن له "خطأ" ما ارتأى، لتكبّرٍ أو زهو أو أنانيّة أو عجرفة، أو تعالٍ...          

              وحين "يندم" المرء، أيعني ذلك، دومًا، أنّه "تاب" و"قصد"، بثبات، ألاّ يعود إلى "موضوع" ندمه، أو ما يُماثله؟

              نعم؟ هي "التّوبةُ" الحقيقيّة! تُعذِّبُ صاحبَها. تجعله دائم القلق. لا يستقرّ. لا يطمئنّ. هي النّدم/النّدامة الحقيقيّان! يجعلان مُمارِسَهما يتآكل، يتشلّع، يتناثر. هذان العذابُ/القلق، والتَّآكلُ/التّشلُّع، دليلُ ثَراءِ الرّوح! هي تحاول تتجاوز واقعَها، لتبنيَه شفيفًا مثل النّور، نبيلا مثل المحبّة، ضروريًّا مثل الملح.

              ألنّدم؟ إعترافٌ بالحركة. بالعمل. بالمسؤوليّة. بالحرّيّة. بالرّسوليّة. ألمتحرِّكُ قد يتسرّع. يريد "الوصول" الأسرع. العامل يريد "الوصول" الأسرع. ألمسؤول يريد "الوصول" الأسرع. ألرّسول يريد "الوصول" الأسرع. كلٌّ يريد "الوصول" الأسرع! في السّرعة قد يحصُل تَسَرُّع، ما يوقع في "الخطأ"، ما يستدعي "النّدمَ"، "التّوبة"، "المحاسَبة"، وقبل ذلك: "الإقرار". ما يجعل التّواضعَ ضرورة حتميّة، وأحيانًا حتّى الانسحاق. ألانسحاق لا الامّحاء.

              مَن لم يندم مرّة!؟ أفضل من ألاّ يندم!

              أجمل ما في النّدم؟ أنّك، بينك وبينك، في هنيهاتٍ حميميّات، تهمس لذاتك، بها، معها، فيها، همْسَ "النّدمِ" الجميل، مُتَرَنِّحًا بنسمات حنينٍ عميق!

              ... وما أدراك ما هو همْسُ هذا/ذلك "النّدم" الرّقيق، العذب، الحميم، الجميل!

 

ألاثنين/الثّلاثاء 23/3/2010

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.