3

:: التّربيةُ عمـلٌ ابداعيّ ! ::

   
 

التاريخ : 28/05/2010

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 1023

 


 

 

 

 

وتربّى الولدَ: غذّاهُ وجعله يربو ـ هذّبه. "جاء في المنجد: "رَبا رَبْوًا ورُبُوّا الولدُ: نشأ؛ ويقال أيضًا: رَبَيْتُ وربِيتُ رَباءً وربِيًّا أي نشأتُ. رَبّى تربية.".

 

وعليه، فالتّربيةُ جسديّةٌ وخُلُقيّةٌ. مادّيّةٌ وروحيّة. حسّيّةٌ وفكريّة. فهي، إذ"ا، عمليّةُ تكوينٍ وخَلقٍ وإبداع، غايتُها الرّقيُّ بالفرد كما بالجماعة. مجتمعٌ ولا تربية؟ مجتمعٌ يابسٌ، ميّتٌ، فإلى انهيار أكيد.                          

والتّربيةُ إيمانٌ بالقيم، غَرْسٌ لها في النّفوس، وتبشير بها في كلّ زمانٍ ومكان. ألإيمانُ بالأمر، نصفُ الطّريقِ إليه، وبفرح. والغَرْسُ في النّفوس، انتقالٌ إليها بإرادة الوعي الجميل. والتّبشيرُ تَواصُلٌ مسؤولٌ مع الآخر. الفرحُ وعيُ الرّسالة، استعدادٌ للتّضحية بنُبْلٍ مُتَوَهّج. والأرادةُ انطلاقُ الوعْي بثباتٍ أخّاذ. والمسؤوليّةُ هي تَصَفّي الذّات، وانصبابُها من أجل السِّوى.

في هذا فَيْضٌ، وأيّ فَيْض!

فَيْضُ الّـله على الأصفياء الأنقياء المُفْرَغين من ذواتهم، وبالغير هم ممتلئون.    كيف؟

هؤلاء همُ الرّهبان والرّاهباتُ المؤمنون بالتّربية طريقًا الى الارتقاء بالذّات نحو مثالٍ يُرتَجى؛ العاملون في سبيل ذلك بمحبّةٍ وانفتاح. فأسّسوا المدارسَ ووجّهوا الأولادَ، وربّوهم وهذّبوهم وأطلقوهم مَشاعل هداية في مجتمعهم وبلدتهم ووطنهم، ومنهم مَن أصبح في عداد الخالدين: أدبا وفنّا وسياسةً وعلماً وقانوناً... وعلى كلّ صعيد.

أيّ رهبان؟ أيّ راهباتٍ؟ أيّ مدارس؟ وبالتّالي: أليس ل"العلمانيّين" دورٌ واضح الأهمّيّة في هذا المجال؟

الرّهبان، كان طليعتهم الأب بطرس مبارك، خرّيج مدرسة روما المارونيّة، ابن بلدة عينطورة، وقد أسّس فيها، عام 1728، مدرستها الشّهيرة، والّتي لا تزال، حتّى السّاعة، من أرقى مدارس لبنان في كلّ مجال. من ثمّ الرّهبان اليسوعيّون الّذين تولّوا شؤون هذه المدرسة منذ 1734 حتّى 1773، حين أقفلت وأعاد الآباء الّلعازاريّون افتتاحَها سنة 1834 ولا يزالون يديرونها.

     دور مدرسة عينطورة رياديّ في المنطقة ولبنان. منها انطلقت شعلة التّربية والتّعليم في كسروان، وقد خرّجت أعدادًا وفيرة، مميّزة: ثقافيّا، تربويّا، اقتصاديّا، علميّا، سياسيّا، قضائيّا، إعلاميّا، وطنيّا... وفي مجالات عديدة. وتأسّست، بفضل هذه المدرسة، نهضةٌ تربويّة رائدةٌ، هي الأخرى، انتقل صداها، سريعًا، الى زوق مكايل، حيث وافت الرّاهباتُ الّلعازاريّات وأسّسن مدرستَهنّ (1847)، ولا يزلن عاملات بجدّ ووعي ومسؤوليّة.

     لقد أنشأت الّلعازاريّات فتيات الزّوق وربّتهنّ وساعدتهنّ، فكبرن ناشطات، واعيات، ساعدن في تربية صالحة ساهمت في ارتقاء مجتمع الزّوق وتطويره.

     وفي سنة 1960 أسّست جمعيّة الرّاهبات الباسيليّات الحلبيّات، مدرسة الملاك  ميخائيل الثّانويّة، مساهِمةً، هي كذلك، في تربية الأولاد والنّاشئة، وتنشئتهنّ أبناء صالحين لمجتمع يزهو بهم.

     وعلى الصّعيد الخاصّ، فقد أنشأت جماعة من الأساتذة (سامي الهاشم، رياض حدّاد وسواهما)، في الرّبع الأخير من القرن الماضي، مدرسة "البيت الحديث"، والّتي أقفلت أبوابها منذ سنوات قليلة، وقد ساهمت، هي أيضا، مساهمة راقية في تربية جيل واعٍ ومسؤول.

     وفي سنة 1965، أسّس الأخوة صفير مدرسة البشارة: ابتدائيّة، تكميليّة وثانويّة.  وبعد سنوات أضافوا المعهد التّقنيّ، ولا تزال المدرسة تساعد في بناء أجيال مستقبليّة واعدة.

   أمّـا على الصّعيد الرّسميّ، فقد كانت هناك، مدرسة ابتدائيّة، من غرفة واحدة، عملت البلديّة، فور ترأسها المحامي الأستاذ نهاد نوفل، على توسيعها لتجمع أكبر عدد ممكن من التّلامذة، وهذا ما تمّ فعلاً، في العام 1966. ثمّ، وبنشاط من المجلس البلديّ،  تحوّل المبنى عينُه، الى ثانويّة بدوام مسائيّ. والّلافت أنّ هذه الثّانويّة أنشأت (1998) بمبادرة من مديرها آنذاك، (إيلي مارون خليل)، مجلّة تربويّة ثقافيّة (رؤى)، ولا تزال تصدرها، بإشراف مديرها الحاليّ (الأستاذ كميل حرب)، وتوزّعها، مجّانا، ما أضفى نشاطًا تربويّا إضافيّا، ومميَّزًا، في البلدة.

هذه المدارس، جميعُها، عملت على تثقيف التّلامذة، وتربيتهم: جسديّا وروحيّا، لينموا، "بالقامة والنّعمة"، فكانوا نَسَقًا لافتًا من الشّباب الواعي، ظهر تَجانُسُه في الجمعيّات والأندية والمجالس والحركات الكشفيّة وسواها، ما جعل من (زوق مكايل) بلدة نموذجيّة تُوّجت بجوائز عالميّة.

من دون أن ننسى النّشاطات التّربويّة  في  المدارس، بما أوجدت، في حَرَمها، من مختبرات ومكتبات ومسارح وأندية، وبما أقامت من محاضرات وندوات... أسهمت، كلُّها، في صقل الجسد والفكر معًـا. وبفضلها، يقطف، كلّ عام، أبناء "الزّوق" وساكنوها، نجاحًـا  لافتًـا لأبنائهم، وتَمَيُّزًا، في الامتحانات الرّسميّة.

ومن يقول إنّ التّربية لا تتحصّل إلاّ في المدارس؟ فها هم كهنة الرّعايا، في "الزّوق"، يساهمون، وبفاعليّة، في التّربية الدّينيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة، بما أسّسوا من حركات للشّبيبة، يشرفون عليها ويوجّهون. وكذلك الأندية، بما تنشر من روح رياضيّة سمْحة، وحركات كشفيّة متضامنة...

   وبعد،

  إنّ التّربيةَ تطال الذّوقَ وتُرْهِفُ الإحساس وتُنَقّي الشّعور وتصقل الكِيانَ كلَّه... لذلك يمكن الاعتبار أنّ المجلس البلديَّ، في (زوق مكايل)، ساهم، ويساهم دائمًـا، في تربية "الزّوقيّين" على الذَّوق ورهافة الإحساس والشّعور بالجَمال... كيف؟ من خلال المنشآت العامّة: أرصفةً، أشجارًا، حدائقَ، منحوتاتٍ، بيئةً نظيفة... ومن خلال ما يطمح الى تنفيذه... فكأنّما أنت تسير في مدينة "فاضلة". 

  بالتّربية نُوَحِّد العيلة، نُرَقّي البلدة، نسمو بالوطن... فيزهو الإنسان، مقتربًا من المثال!

 أليس هذا هو هدف التّربية الأبعد!؟                                                                                                                                                                                                                                                

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.