3

:: عابر رغبات ::

   
 

التاريخ : 12/05/2010

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 773

 


  

 

              كيف تعبرُ، أنت، الرّغباتِ، رغباتِك؟ وما المعنى؟ وحتّامَ؟ وكيف؟ ولِمَ؟

              بَدءًا، ما العبورُ؟ وما الرّغبة؟ وهل يتلاقيان؟ أين؟ متى؟ كيف؟ لماذا؟ حتّامَ؟

              تَصخَبُ مثلُ هذه الأسئلة فيك، تضِجّ، منك تفيض، تستمرّ... وأنتَ؟ تحيا بِحارَ الأسئلة، بِحَيرتِها، قلقِها، تُصارعُ لُجَجَها. تَغرق فيها، هي تُغرِقك، وأنت تمانع ولا تمانع. ترفض ولا ترفض. تستسلم ولا تستسلم. تكاد تختنق؛ فيستفيق، فيك ومنك ولأجلك، سؤال، أسئلة. ينفتح، أمامك، أفقٌ لا جدار له، ولا مدى. أفقٌ مُلَوَّن، عديدٌ، لانهائيّ. ولا ترتاح! أتُريد أن ترتاح؟ ترى أنّ الرّاحةَ كسلٌ يَستنقعُ في ذاتك؛ أنّ الرّاحةَ بُطْءٌ بليد؛ أنّ الرّاحةَ تُوقِع في مَلَل الرّتابة. هذا كلُّه خيانة! لا تريد، أنت، أن تخون نفسَك، في أمنياتها والرّغائب. وإلاّ، فهل أنت أنت!؟ ولا تريد، أنت، أن تكون إلاّ أنت! ألحلم المتدفِّق أحلامًا، ألنّازف رغبات، ألمُستقصي آفاقًا.

              أن تعبرَ، هو أن تجتاز مكانًا، مسافة، فكرة، حلمًا... إلى آخَر. هكذا لا يكون العبور مادّيًّا فحسب. يكون فكريًّا، نفسيًّا، وهذا أهمّ وأجدى. أن "تعبر" إلى... يعني أن "تتحرّك" فلا تأسِن. أن "تتخطّى" فلا تجمُد. أن "تنطلق" فلا تهترىء. ألعبور خَلْقٌ جديد لحياة جديدة تتجدّد. دائمة التّجَدُّد. وهو فيك. في جوهرك. في كِيانك. تكوينك. جِبِلّتك. ألعبور هو أنت. وإلاّ، فأنت ناقص. أنت لا "ترغَب" في العبور فحسب، أنت كُوِّنتَ من لحم ودم وعصب وأحلام ورغبات. من دونها لا يمكن أن "تكون". لا يمكن لك "الوجود".

              و"الرّغبة"؟ أن تُتِمَّ عبورَك. أن تُكمِلَه. أن "تكونه"! أن ترغَب، هو أن تحقِّقَ كِيانك. أن لا تُنقِصَ من "تكوينك"، من "جِبِلًّتك". ألرّغبةُ هي الوجودُ، وُجودُك. والكِيانُ، كِيانُك. والحياةُ، حياتُك. رغبةٌ ولا وجود!؟ عبثيّة فوضويّة. رغبةٌ ولا كِيان!؟ عدميّة ممحوّة. رغبةٌ ولا حياة!؟ إستحالة الكينونة. ألرّغبة ليست كِيانًا مستقلاّ. ليست وجودًا في ذاته. ليست... وليست! أنت مَوطن الرّغبة. أنت مُكَوِّنُها. "شاحِنُها". مُطلِقُها. "ألمُتَلَذِّذُ" بها، و"المُتَلَذِّذةُ" به. لأنّها، من دونك، لا تتمّ، لا تكون، لا تتحقّق، لا "تنوجد"، لا تحيا.  لا... ولا...

              فالعبور والرّغبة، إنسانٌ وإنسانيّتُه. ألإنسانُ للعبور، للتَّجاوز. تَجاوز نفسِه والآخر. كلَّ آن. والرّغبةُ والعبور تَحَقُّقُ الإنسانيّة في الإنسان. ألرّغبةُ تُكمِلُ الفرد. تُطلِقُه. "تشحنُه" بالطّاقة، "طاقةِ" الخَلق الخَلاّقةِ والخَلاّق. إنسانٌ ولا رغبة؟ "شبحُ" إنسان. "ظلُّ" إنسان. إنسانٌ ولا رغبة؟ كِيانيّة مفقودة. لا إنسان. ألرّغبةُ "عِلّةُ" الإنسان، فهو "مَعلولُها". و"مِعوَلُها" في شكلٍ من الأشكال. "نور" الإنسان، من دونها، هو انطفاءٌ. إختناقٌ في "شَرْنَقة" العمر، ذَوَبانٌ في ملح الزّمان.

              كيف؟ هكذا تمّ الخَلقُ! لا كيفَ، لا لماذا، لا متى. حَتّامَ؟ إلى الأبد! فالإنسان مخلوق رغبةٍ، بل رغائب، لرغبةٍ رغائب. "في البدء كان الكلمة"! والكلمةُ، بذاتيّتها الجوهريّة، أليست الرّغبة الأصيلة، الحقّة، الأزليّة، الأبديّة، إذًا فالسّرمديّة!؟ لا إنسان من دون هذه "الكلمة"، من دون هذه "الرّغبة".

              أجمل ما في الكون، هذه الرّغائب! أبهى ما في الإنسان، هذه الرّغائب! أسمى ما في هذي الرّغائب، رغائبها! ألأكملُُ، الأتَمُّ، الأمثل: كَونُ هذي الرّغائب باقية لا إلى انطفاء. نورها، هادٍ ثمين نحو الأثمن. كلُّ أثمنٍ شوقٌ، فينا، دفين، يودُّ انطلاقًا لا محدودًا، إلى اللامحدود. حَتّامَ، بعد؟ حتّى النّهاية! أمِن نهاية؟ أخَلقَ الله الأزليُّ، الأبديُّ، السَّرمَديُّ، الإنسان على صورته كمثاله، ليُنهيَه ذات زمان؟ ألِصورة الله انتهاء؟ ألِمثاله انطفاء؟ وإذا عاقب اللهُ الإنسانَ بالزّوال، فمَن يُحِبُّ اللهُ؟ ومَن يُحِبُّ اللهَ؟ ألرّغبةُ باقيةٌ بقاءَ الحُبّ. لبقاء الحبّ! كلُّ حُبّ مِثال.

              ألعبور والرّغبة لا يَتَلاقيان، هما غيرُ منفصلَين. ما يتلاقى؟ كِيانان مُتَباعِدان، مستقلاّن. ألعبور والرّغبة وحدة. ألإنسان عبورٌ لعبور دائم. ألرّغبةُ رغبةٌ برغبةٍ جديدة. رغبةٌ بجديد. هي ذي الاستمراريّةُ الأخّاذةُُ، اللامحدودة.

              ألإنسانُ؟ عابرُ رغبات. ألرّغباتُ؟ عابرةُ إنسان. ولا تَوَقُّف! وفي هذا بعضُ مأسويّةٍ لذيذة. بعضُ لَذّةِ المأساة.     

                                   ألأربعاء 5/5/2010

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.