3

:: الطبيعة لا تجد من تراسله! - بركان أيسلندا ::

   
 

التاريخ : 25/04/2010

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1167

 


  

 

 

لا تجد الطبيعة من تراسله، ومع ذلك فإنها تواصل كتابة رسائلها بيد الزلازل المهتزة، وبماء الكتل الجليدية التي تغرق الغابات، وبحرارة عالية فوق سطح الأرض والمحيطات، وهاهي تكتب الآن بغبار البراكين، من جزيرة صغيرة نائية هي أيسلندا، تقع أقصى شمال غرب أوروبا، ولا يتجاوز تعداد سكانها نصف المليون. تكتب الطبيعة هذه المرة بثورة بركانية، وتنقل رسالتها للعالم على سحابة رمادية قد تمر فوق بلادنا. وقد عزلت السحابة أوروبا عن العالم، وبينت للبشرية أن مصيرها وعقلها مهدد وأعزل، وأن في الطبيعة قوى أضخم قد تطيح في لحظة واحدة بكل نظام خلقه العقل البشري. أوروبا – أعلى نقطة في التطور – معزولة وعاجزة أغلقت مطاراتها في بريطانيا والنرويج والدانمارك وألمانيا وبلجيكا، لأن سحابة البركان الرمادية تحمل الفوسفور سريع الاشتعال الذي إذا اختلط بوقود الطائرات رفع درجة حرارة المحركات وعطلها، كما أن السحابة مثقلة بشحنة هائلة من كهرباء ساكنة تتجمع على هيكل الطائرات وتشل نظم الاتصال فيها. الطبيعة تحذر من أنها ليست مستقرة، وحالتها الراهنة ليست أبدية، ويعلم الإنسان أنه لا مفر من حلول وقت لا يعود فيه دفء الشمس المتناقص كافياً لإستمرار الحياة ولا كافياً لإذابة الجليد الزاحف من القطبين، هناك، حيث سيختفي تدريجياً آخر أثر لمجرد الحياة العضوية، ولا مفر من وقت تمسي فيه الأرض كرة متجمدة خامدة كالقمر، تدور في فلك مظلم يضيق حول الشمس لتسقط في النهاية فوق الشمس.

يعلم الإنسان أن الأجرام السماوية ستتهاوى فوق بعضها البعض ذات يوم، وأن الطبيعة ستبيد أرفع مخلوقاتها أي العقل المفكر. لكن الإنسان لا يعلم ما إن كانت ستعيد إنتاج ذلك العقل في مكان وزمان آخرين أم لا، وما إذا كان ركام مجموعتنا الشمسية سيتحول مرة أخرى، في المستقبل البعيد، إلي مادة خام لمنظومات شمسية جديدة أم لا. يستطيع الإنسان أن يتحكم وأن يطور ما يعرفه وما هو قائم أمامه، لكن الإنسان يتحرك ليس لحماية تلك الظاهرة النادرة المسماة الحياة، بل يتحرك ضدها وضد الطبيعة التي تكتب له من دون كلل الرسالة تلو الرسالة لتحذره، وتنبهه، تكتب له من أيسلندا التي يعتمد اقتصادها أساساً على الطبيعة والأسماك، تكتب له ببركان من مركز الأرض، هناك حيث دارت في ذلك المركز في أيسلندا أحداث رواية "رحلة إلي مركز الأرض" لجول فيرن! تكتب له بماء الكتل الجليدية، وبلهب البراكين، وبقلاقل الزلازل، لكنه لا يسمع ولا يقرأ، وبدلاً من أن يخترع ويفكر ويجد حلولاً، فإنه يبذل قصارى جهده ليضاعف بالكوارث الاجتماعية خطورة الكوارث الطبيعية.

تكتب الطبيعة للإنسان بسحابة بركان واحد، وتحتفظ لنفسها بمادة رسائل جديدة داخل نحو خمسمائة بركان نشيط وأربعمائة بركان آخر خامد في العالم. لكن الإنسان الذي لا يقرأ ما تحمله السحب، يواصل إبادة البشر، وإتلاف الطبيعة، بحروبه التي أهلك فيها 15 مليون نسمة مابين القرن 17 و19، وبحربين كبيرتين في القرن العشرين أهلك فيهما ستين مليون إنسان، بينما أهلكت أمريكا وحدها بمئتي حرب خلال مئتي عام ستين مليون نسمة! وعلاوة على الحروب تستمر البشرية في توسيع ثقب الأوزن، ونشر الاحتباس الحراري بتلويث الجو، وخلق كوارث مثل كارثة تشيرنوبل عام 1984، وكارثة مصنع الكيماويات بمدينة تولوز الفرنسية في 2001، وكارثة المصنع البتروكيماوي في جيلين بالصين عام 2005، ومراكمة الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل.

لا يدري الإنسان متى أو أين قد تتاح للكون الفسيح فرصة لظهور الحياة مرة أخرى وظهور "العقل المفكر"، وبدلاً من أن يؤجل الإنسان لحظة غروب الطبيعة فإنه يعجّل بها، بسبب الطمع والجشع الذي تقوم عليه النظم الاجتماعية التي تنادي بأن الربح أهم من أي شيء، من الحياة، ومن الطبيعة، ومن الوجود، ومن تكريس العلم لقضايا البيئة. نعم، ليس للطبيعة من تراسله.  

 

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.