3

:: دفاعاً عن النَّثر في كتاب شعر ::

   
 

التاريخ : 30/12/2006

الكاتب : هنري زغيب   عدد القراءات : 1623

 


  

بحث في "النَّثر والشِّعر" قدَّم به الشاعر هنري زغيب ديوانه

"تقاسيمُ على إيقاع وجهك"

الصادر عن دار ديناميك للطباعة والنشر – بيروت 2005

 

 

وهل يحتاج النَّثر دفاعاً عنه؟

أليس النَّثر توأمَ الشِّعر الجميلَ، وما يُقال عن الشِّعر يُقال عنه أيضاً ؟

أليس ذانِ التّوأمان ولَدَي الأدب العالمي، يرفدهما سويَّةً بكلِّ أصالةٍ، وتبقى مسؤولية المُقارِبِ أن يكون (أو لا يكون) على مستوى الأمانة؟

ولا مرَّةً كان الإشكال في النَّثر أو في الشِّعر، بل في م، يقاربهما فيقصِّر عنهما ويدَّعي، أو يجلِّي فيهما فيُضيف.  

علامة هذين التَّوأمَين أنهما متشابها الجذور، شريكان في كلِّ صفة على مستوى الجذع، حتى إذا تفرَّعا أغصاناً وأفناناً، استقلاَّ شخصيةً وطابعاً وتقنيَّةً ونهجَ حياة.

وقد يستقلاَّن شكلاً، من دون أن يحدِّدَ الشَّكلُ النَّوع. فالنَّثرُ يبقى نثراً كيفما تنضَّد على المساحة البيضاء، والشِّعر يظلُّ شِعراً سواء اتَّخذ الشَّكل العمودي (صدرٌ وعجُز) أو انْهمل تفعيلةً دائريةً، أو انتثر أُفُقياً حُرَّ التَّمدُّد على الصَّفحة.

إذا أخذتُ مقطَعاً نثريَّاً، وكتبتُه متتالياً: "الوقتُ حان. كلُّ وقتٍ آخر فلينتظِرْ. إنه وقت الشِّعر. والعروس التي لا بَدْءَ إلاّ بها فلْتَتَحَنَّ، فلْتَتَزَيَّ، ولْتَغْفُوَ. ها فجْرُنا دنا، وستتَكَسَّرُ قشْرةُ اللَّيل"، يبقى نثريَّاً.

وإذا كتبتُه بشكلٍ فَنتَزيٍّ:

"الوقتُ حان.

كلُّ وقتٍ آخر فلينتظِرْ.

إنه وقت الشِّعر.

والعروس التي لا بَدْءَ إلاّ بها

فلْتَتَحَنَّ

فلْتَتَزَيَّ

ولْتَغْفُوَ.

ها فجْرُنا دنا،

وستتَكَسَّرُ قشْرةُ اللَّيل"

 

يبقى، كذلك، نصَّاً نثريَّاً. يبقى من النَّثر ولا يصبح شعراً.

وإذا أخذْتً بيتاً شِعريَّاً وكتبتُه كلاسيكيَّاً تقليديَّاً:

هُبَّ من نومِكَ الهَنيِّ وَلـُوعاً           حِبَّني حِبَّني .. وزِدْ بي وُلُوعا

 

أو:

هُبَّ من نَـومِكَ الهَنيِّ وَلـُوعاً        

حِبَّني حِبَّني .. وزِدْ بي وُلُوعا

أو:

هُبَّ من نومِكَ الهَنيِّ وَلوعاً    

حِبَّني حِبَّني .. وزِدْ بي وُلُوعا

 

يبقى بيتاً شِعريَّاً.

 وإذا كتبتُه بشكلٍ فَنتَزيٍّ:

هُبَّ من نومِكَ الهَنيِّ

وَلوعاً

حِبَّني

حِبَّني ..

وزِدْ بي وُلُوعا

 

يبقى كذلك بيتاً شِعريَّاً، ولا يصبح (كما يُسمَّى دُرْجَةً) "نثراً شِعريَّاً" ولا "شِعراً منثوراً" ولا "قصيدة نثر" ولا شعراً "حديثاً". يبقى من الشِّعر.

إذاً، ليس الموضوع شكلاً يعطي هويَّة النَّص. تقْنيَّة النَّصِّ هي التي تحدِّد هويَّتَه: شعراً أو نثراً. فلكلٍّ من هذين "التَّوأمَين" كما سمَّيتُهما، تقْنيَّتُه الخاصَّة التي يعرفها قارىء الشِّعر المتنوِّرُ المتمرِّسُ العارف (هنا يتساوى القارىء العارف مع النَّاقد العارف). وإذا كان الناثر غير مُلِمٍّ بتقْنيَّة الشِّعر (وليس بالضَّرورة أن يكون كذلك) فالمفترَضُ فيه أن يُلِمَّ بتقْنيِّة التَّوأمَين معاً، هو الشَّاعر الشَّاعر، كاتباً شِعرَه أو "قارئاً" شِعرَ سِواه.

 

الشَّاعر "قارئاً" (= ناقداً)

الشاعر الشاعر (شِعراً كتب و/أو نثراً) قلَّما يأتي دُرْبَةً إلا ويُتقنها. كأنَّ له، إلى موهبته شاعراً، موهبة إتقان الدُّرَب، بعين الناقد الدّؤوب ومجهر البحَّاثة الطُّلَعَة، فإذا كلُّ نصٍّ يمرُّ على غرباله يخرج عارياً إلا من القمح: لرنَّة أفكاره على المنصَّة رنينُ الأصالة في معرض الجواهر، ولإيقاع كلماته في المتلقِّي (مستمعاً هذا أو قارئاً) توقيعُ الحقّ في قَولة الحقيقة. هكذا لا يتوقَّف معه الحَدَثُ عند مناسبة الحَدَث (التي قد يستخدمها حُجَّةً أو حافزاً) بل تصبح كلمتُه هي الحدث فتعيش لا مَحطَّةَ أدبٍ  بل سَفَراً إلى أدبٍ لا يؤطِّرها أفق. وهكذا تنتصر نصوصُه على عوابر المناسبات، باقيةً تصوصاً أدبيَّة تحجَّجتْ بمناسبة كانت ذات يوم، لتبقى مراجعَ أدبيَّةً ومذاهبَ نظريَّةً ومراجعَ تطبيقيَّةً يُعادإليها، لأنه يكون أنتج نظراً معمَّقاً، قطفَ منه نِظرةً عُمقيَّةً في الجمال واتِّباع الأصول، فإذا كلامُه (من مِجهره النَّقديّ) على الشِّعر أو النَّثر، إضاءةٌ على ما يَصدُر بعدَه من شِعرٍ ونثر، تكون قمحاً ذُخرويَّاً لا إلى زؤان.

إن "قارىءَ" القصيدةِ الجيدَ لا يقلُّ أهميةً عن كاتب القصيدة، و"قارىءَ" النَّصَّ النَّثري المتبصِّرَ لا يقلُّ إبداعاً عن كاتب النَّصّ. المتلقِّي شريكُ المبْدِع: ما قيمة عندليبٍ يعندِلُ في قعرِ وادٍ وليس مَن يسمع عنْدَلاتِه؟ وما قيمة أَرَجٍ يضوعُ مِن وردةٍ مُتَّكئةٍ على سياجٍ وليس مَن يمرُّ حدَّ السّياج فيشمُّ العبير؟.

العلاقة بين المبدع والمتلقِّي هي في توازٍ لا يقبل الخلَل. ويسمو التَّوازي إذا كان المتلقِّي ناقداً، فلا يكون نصُّه مرآة النَّصِّ المنقود بل كتابةً له أخرى تكشف منه الكوامن واللَّقيَّات. وربَّ ناقدٍ يثقِّف شعباً بنصٍّ أدبيٍّ جماليٍّ يتلقَّى نصَّ سواه ليعيدَه، بنصِّه هو، شكلاً آخر للإبداع: يقرأ نثراً فيقشِّرُ النَّثر نَصَّاً وسكباً وسبْكاً وتراكيب، ويقرأ الشِّعر فيشرِّح الشِّعرَ بمِبضعه الجرَّاح لتخرجَ القصيدة من بين يديه حاملةً هُويَّةً تجعلها على مدخل الشِّعر، أو في قلب الشِّعر، أو تجعلعا شعراً أكثر.

معيارُ مِجهره في النَّثر والشِّعر: التَّمسُّك بقيم الأصول ومقاييس الجمال، لا تَحَجُّراً فيها بل حِرْصاً عليها عِصمةً من سقوط. لا يُشيح عن الجديد حين هذا لؤلؤ فنٍّ عالٍ، بل يُشيح إذا كان زبدَ موجةٍ تحمل "موضة ("الحداثة قيمة لا موجة"، يرى رولان بارت).    

إنه إذاً يقرأ قصيدة الشعر بنتَ الأصول في الشِّعر، كما يقرأ نضيدة النَّثر بنتَ الأصول في النَّثر. فربَّ نضيدةٍ نثريَّةٍ عاليةٍ تساوي عشرات القصائد المنظومة عروضيَّاً ولا شعرَ فيها، وربَّ قصيدةٍ شعريَّة جيِّدةٍ تساوي عشراتِ نصوصٍ نثريَّة غير مشغولة فنيَّاً لا تساوي، مجموعةً، نضيدةَ نثرٍ عاليةً واحدة.

هكذا "القارىء" (= الناقد) يرى الشِّعر شِعراً، والنَّثر نثراً، فلا يخلط بينهما أيَّاً يكن شكل كتابتهما. يعرف أن النَّثر فنٌّ عظيم في ذاته والشِّعرَ فنٌّ عظيم في ذاته. وانَّثر العالي ليس يحتاج، لجعل مستواه أرفع شأناً، إلى استعارة مفردات من قاموس الشِّعر ("شعر منثور"، "نثر شعري"، "شعر حر"، "شعر حديث"، ...). النَّثر الفني الجمالي أرفع من النَّثر العادي، والشِّعر أرقى من النَّظم المحسوبِ شِعراً يتلطَّى وراء النَّظم صاحبُه، الذي قد يكون أستاذ عَروضٍ ناجحاً ولا يبدع طَوال حياته بيتَ شعرٍ واحداً.   

 

النَّاثر "قارئاً" (أنطون غطَّاس كرم نموذجاً)

الأنيق حتى دِقَّةِ الرَّهافة، الشَّفيف حتى رِقَّةِ الفراشةِ وزناً وحضوراً، والثَّقيف "قارئاً" وناقداً مُحاوراً ومنتدياً، لمَّاع جمالٍ، نموذجٌ – بأدبه العالي – لاحترام أهمية النَّثر فنَّاً عظيماً في ذاته، مكتفياً بذاته، راقياً وعالياً في ذاته، لا يستعين بتقرُّبه من مفردات قاموس الشِّعر لإعلاء شأنه أو تمرير ضعفٍ فيه ليس يستقيمُ إلا إذا استعار إضافاتٍ من فنِّ الشِّعر. وليس ينقذ من هذه الهرطقات النَّثريَّة المتحجِّجةِ بـ"الشِّعر الحديث" إلا فارسٌ من طراز أنطون غطَّاس كرم يتلمَّظ نثره بمتعة الخلق الإبداعي، يصوغه نسيجاً "سهلاً ممتنعاً" على أعلى مستوىً من النَّحت الجمالي والموسيقى الميلوديَّة ونقاوة لفظةٍ وعبارةٍ وتعبيرٍ لا تُعطى إلاّ لنخبة المبدعين (وهل كتاب "عبدالله" أقلُّ من مدرسة في الأدب؟).

أنطون غطَّاس كرم سيّد الجماليا في الأدب (الجماليا = "الإستيتيك"، غير الجمال). فهو جماليائيٌّ بامتياز، خيميائيٌّ يحوِّل الكلمة القاموسية إلى رنين ذهب، حتى إذا تجانَبَتْ كلماتُه مِرنانةً في عبارةٍ إبداعيَّة، شعَّت من الكلمات أنوارٌ سعيدةٌ تجعل النَّصَّ الأدبيَّ تُحفةً من صَوغٍ وعباراتٍ وتعابيرَ وتراكيبَ لا يتقنها إلا مَن كان مِن وزن أنطون غطَّاس كرم، الذي على إيقاع نبضه، يصقل الصَّائغ جواهره، ويهندسُ العطَّار مقادير الرَّحيق في تركيب العطر (هل إيقاعٌ أجملُ من ميلوديَّةِ أنطون قازان في نثره السَّهل الممتنع؟، وهل سلْخٌ من القلب أوجعُ من نثر فؤاد سليمان؟، وهل طيبُ أناقةٍ أبلغُ من نثر جورج غانم شاعراً؟).

مذهلٌ هذا الأنطون غطَّاس كرم في امتشاقه القلمَ ونحتِ نثرٍ به أصعبَ، أحياناً، من إبداع قصيدة موغلةٍ في جذور الكلاسيكية المتينة.

فالأدبُ (بشعره ونثره) فنٌّ. والفنُّ جمال. ولا يبلغ صَوغَ الجمال إلا قليلون أصفياءُ متنوّرون، تُسْلِسُ الصّعوبةُ أمرها إليهم ليقينها أنها على مَشافِر أقلامهم تصبح صعوبةً ذائقةً ذوَّاقةً ممتعةَ المذاق. وقياساً على قول أمين نخلة (هل "المفكّرة الرّيفية" نثرٌ عاديٌّ؟) إنَّ "الفنَّ يحيا بالصُّعوبة ويموت بالسُّهولة والاستسهال"، يكون أنطون غطَّاس كرم سيِّداً مِن أسيادِ نثرٍ قلائلَ يباهون بنثرهم العالي الرَّاقي الصَّعب عشراتِ القصائد وكتب الشِّعر، غيرَ شاعرين بأنَّ نثرَهم أدنى من الشِّعر. فلْنبْحث في ذاتنا عن ذاتٍ تقْنيَّةٍ جماليائيَّةٍ لصياغة نثرٍ فنِّيٍّ عالٍ طوبى لنا حين نُعطى أن نكتبَه إبداعاً بمسْحة نصائعَ مباركةٍ من زيتِ أنطون غطَّاس كرم.

 

الشَّاعر ناثراً

عن خليل رامز سركيس: "كان أبي، إذا قرأ قصيدة معجِبةً أو نثرةً رائعة طرب وقال: "ألله الله! لا شعر هذا ولا نثر. هذا قصر"). وعن المنفلوطي: "بدأت حياتي الأدبية بقَرض الشِّعر فجُلتُ فيه حيناً. وكأنَّ روحاً خفيَّةً طارتْ بي وأوحتْ إليَّ فنبذتُ الشِّعر مكاناً قصيَّاً وانقطعْتُ إلى صياغة النَّثر. وهكذا كنت شاعراً لا يكتب فِقرة، فأصبحتُ كاتباً لا ينظم شَطْرَة". ومع كبير إعجابي بنثر خليل رامز سركيس المشغول فنيَّاً بالنَّحت الجماليّ، وضئيل إعجابي بنثر المنفلوطي السرديّ التّقريريّ، يبقى شاهدي هنا: الفصلُ بين هذين الفنَّين العاليَين، من دون المزج بينهما بـ"شعر منثور" ولا بـ"نثر شعريّ"، ويبقى أن كلاًّ منهما فنٌّ عظيمٌ قائمٌ في ذاته، ويا طوبى لمَن يُعطى نعمة الإبداع في الفنَّين معاً.

الشَّاعر المتمكِّن يقول عن نثره: "هذا توأمُ شعريَ الجميلُ، فلْتُلْغَ مقولةُ (ابنُ سِتٍّ وابنُ جاريةٍ) بين الشِّعر والنَّثر". وبالـ"تمكُّن" هنا أقصد الشَّاعر الشَّاعر الذي يقول ما يريد قوله، من ضمْن الأصول والقواعد، كلاسيكيِّها (العمودي التَّقليدي) أو نيوكلاسيكيِّها (قصيدة التّفعيلة)، فتخرج من بين يديه القصيدةُ لابسةً حلَّتَها الأجمل، مضموناً قويَّاً شاعريَّاً عالياً يستقبله شكلٌ أنيقٌ بارعٌ. وحين هذا الشَّاعر الشَّاعر يكتب نثراً، يصوغ نثره بالدِّقَّة نفسِها والشُّغل نفسه والنَّحت نفسه الذي به يصوغ قصيدته قطعةً متماسكةً على جمال، فيجيء نصُّه أيضاً متماسكاً على جمال. والفنُّ العالي هو ابن الجمال.

على أن هذه القاعدة ليست بعامَّة: ليس معطى لكلِّ شاعر متمكِّن أن يكتب نثرَه بالتَّمكُّن ذاته، ولا لكلِّ ناثرٍ كبيرٍ أن يبدعَ في الشِّعر إبداعَه في النَّثر.

وفي الشِّعر العربي شعراء مُجيدون، حين خرجوا من حالة "القصيدة" كتبوا نثراً عاديَّاً تقريباً، لا لمعة فيه، وناثرون مجيدون قاربوا الشِّعر فظلُّوا نثريُّون في قصائدَ لهم لم ترتفع لمْعةً واحدةً عن النظم.

علامة الشَّاعر الشَّاعر أن يُنسيكَ النَّظمَ في قصيدته، وعلامة النَّاثر المبدع أن يهدْهِدَكَ نثرُه برعشةِ الصِّياغة. من هنا هيبة الإبداع التي تفرضها القصيدة (في الشِّعر) والنَّضيدة (في التَّثر). ومن هنا ندرةُ مَن يتمتَّعون بنعمة أن تفتُنَكَ قصيدتُهم الشِّعريَّة بقدْر ما تفتُنَكَ نضيدتُهم النِّثريَّة.

الشَّاعر الشَّاعر مفتونٌ بالكلمة، توجعُه الكلمة، تؤرِّقه الكلمة. يحترم بها شِعرَه ونثرَه. لا يساومُ على شاعريَّته في نثره، ولا يعتبر أنَّه، شاعراً يتفوَّق على ذاته ناثراً. ومَن يطمح أن يصوغ نثرَه صياغتَه شعرَه (بدقَّة الجواهريِّ الصَّناعَ ودقَّة تركيب الضَّوع في جَونة العطَّار) عليه أن يكون فارسَ لغة. ومَن كان فارسَها أطاعتْه اللغةُ لقصيدته ونضيدته معاً، ليقينها أنه سيُطلِعُ منها شاعراً أو ناثراً، تُحفةً فنيَّة مشغولةً بمخاض ولادةٍ يتطلَّبه كلُّ نصٍّ إبداعيّ.

اللّغة، قلت؟ .. ولكن اللغة كلماتٌ، والكلماتُ حروف.

 

في الكلمة وحروفها

من معايشتي الكلمة يومياً، أشعر أن لها تنفُّساً وفُسْحةَ حركةٍ وطبعاً ومزاجاً ونبْضاً ودورةً دمويَّة، وكلَّ ما يؤمِّن لها الحياة الرَّغيدة وحقوق التَّصرُّف والسُّلوك.

هذا التَّعامل مع الحروف، بهذه الرِّقَّة والدِّقَّة والشَّفافية والخيال، من ضرورات الأديب، شاعراً أم ناثراً. وحُسنُ التَّعامل مع الحروف، بل "معرفة" التَّعامل معها، يزيد الإبداع إبداعاً لأنها هي – لا أمَّاتُها الكلمات – الأداة الأولى للكتابة.

ذات يوم كتب بول فاليري (وهو مَن هو في الأدب العالي شعراً ونثراً): "أبحث عن كلمة وعينة لعبارتي"، وراح يسرد لهذه الكلمة المنشودة ستَّةَ شروط كي تستقيم في المكان الذي يريدها له. والمبدع في الأدب، شعراً ونثراً، ليس مَن يضع الكلمة المناسبة في المكان المناسب (هذه بسيطة)، بل مَن يضع في المكان المناسب "الكلمة" التي لا يمكن وضع إلاّها. وهنا اللَّمعةُ التي تميِّز ناثراً عن ناثر وشاعراً عن شاعر.

و"الكلمة" هنا ليست الشهقة الواحدة التي تنساب كما هي على القلم أو الورق. أبداً، الكلمة كرةٌ أرضيَّة كاملة، والحروف قارَّاتها. وكما لا يمكن القارَّة الواحدة أن تختزل الكرةَ كلَّها، ولا حتى قارّتان، وكما لا كرة أرضية متكاملة بدون كلِّ قارَّة كاملة على حدة، كذلك الكلمة لا تَخْتَصِر لوحدها وفي ذاتها كلَّ حروفها، ولا يمكن الحرف الواحد أن يختزل الكلمة. وكما كلُّ قارَّة مستقلَّة بذاتها في الكرة الأرضية، كذلك كلُّ حرفٍ مسْتقِلٍّ بذاته في الكلمة الواحدة. وقبل أن نتأنَّى في تَجاوُر كلمتين، علينا أن نحسُبَ – ضمن الكلمة الواحدة – حساب تجاورِ الحروف واحدها مع الآخر. فربَّ حرفين إذا تجاورا تنافرا، أو غنَّيا وأطْربا، أو ظَلاَّ باردَين بدون أداء نابض. وعلى الكاتب فوراً أن يستبدلهما بحرفَين آخرين أو أن يستبدل الواحد منهما بآخر كي يخدم التجاورُ موسيقى الكلمة ككلّ، فيخدم تجاورُ الكلمات موسيقى الجملة ككل.

بلى: هذه "الشُّروط" (وأخرى سواها) ضرورية لأدوات الكاتب، وإتمامُها هو ما يميِّز كاتباً عن آخر. فمَن وعاها عمل بموجبها، ومَن لم يعِها بقي على سطح التَّعبير دون جماليا عمقه وجمال دلالاته. كلُّ حرفٍ زهرةٌ والكلمة باقة زهر. ولا يحق لأديب أن يدهسَ حرفاً أو يهملَ حرفاً أو يستعمل حرفاً بدون قصدٍ أو انتباه، وإلا كانت الحروف (وأمَّاتها كلماته) مجرَّد وسيلة لبلوغ المعنى، فيما الحروف (والكلمات التي تتشكل منها) غاية للأديب في ذاتها، كغاية المعنىز والأدب العالي، شعرُه والنَّثر، هو الذي يدركُ فارسُه أن الغاية هي: حروف الكلمة ومدلولها معاً. وبهذه الغاية المزدوجة يبلغ الوسيلة التي ليس لها إلا هدفٌ واحد: إمتاع القارىء.

 

توأميَّة القصيدة والنَّضيدة (خليل رامز سركيس وجوزيف صايغ نموذجاً)

أمامي المجموعة الكاملة لاثنين مِن كبارنا، نثراً: خليل رامز سركيس، وشعراً: جوزيف صايغ.

خليل رامز سركيس يؤكِّد على "وعي القلم توأمَي الشِّعر والنَّثر معاً في حسْم قول". هذا إذاً كبيرٌ في النَّثر يساويه بالشِّعر، دفاعاً – من جهة الشِّعر – عن عظمة النَّثر الذي لا يقلُّ هيبةً وصعوبةً وجمالاً عن الشِّعر (هل سعيد عقل في "لبنان إن حكى" و"كتاب الورد" و"كأسٌ لِخمْر" أقلُّ إبداعاً منه في "قدموس" و"رندلى" و"دلزى" و"نحتٌ في الضَّوء" و"شرر"؟).

وكتابات جوزيف صايغ فيها نصائعُ قصائدَ تتكوكبُ بينها نصائعُ نثريَّةٌ لا تقلُّ نحتاً "صائغياً" عن أخواتها القصائد (هل من السَّهل بلوغ قمَّة "آن كولين" في النَّثر الجمالي العالي؟). ولأن جوزيف صايغ ناثر متمكِّن بقدْر ما هو شاعرٌ متمكِّن، لا يجنح إلى أيٍّ من تسميات قاموس الشِّعر يُلصِقُها بكتاباته النَّثرية الصَّقيلة هي الأخرى كهيافته الشعرية الصَّقيلة.

هكذا: لآن خليل رامز سركيس قمَّةٌ في النثر العالي، لا يضيره أنه لم يقارب الشعر. ولأن جوزيف صايغ قمَّةٌ في الشِّعر العالي، لا يجد حاجةً (كي يرفع من شأن نثره) أن يدنيه من قاموس التَّسميات الشِّعرية. ففي كتاباته الكاملة البهاء، شعراً ونثراً، غبطة الوقوف المنسحر أمام جمالٍ منحوتٍ صرْحاً فنيَّاً عالياً واضح المعالم والشَّخصية المستقلَّة بين شعره ونثره، بعضها نثرٌ "في مقام الشِّعر" – كما يحدِّد هو نفسه – ولكنها نثرٌ وليست شعراً.

وهكذا نحن، مع جوزيف صايغ، أمام شاعر كلاسيكيٍّ كبير يمتلك أدواتِه الشِّعرية بامتياز فارسٍ يعرف كيف يروِّض أحصنة البحر والوزن والقافية والرَّويِّ في تجديدٍ عصريٍّ "حديث" من ضمن الأصول، كما نحن، مع خليل رامز سركيس، أمام ناثر كلاسيكيٍّ كبير يمتلك أدواتِه النَّثرية بامتياز فارسٍ يعرف كيف يروِّض أحصنة التَّراكيب البيانية فيربأ بها عن السَّرد التَّقريري ليرتفع بها إلى أسمى النَّثر الجمالي العالي.

الكلمة معطاةٌ لكل قلم. وتمايزها يكون مع مَن يؤطِّرها في لعبة تركيبٍ جمالية غير معطاة إلا للمُبدعين.

الكلمة، الكلمة! إنها الـ"ألفا" والـ"أوميغا". فلْننْحتُها بإزميلٍ لائق، شِعراً نظمناها قصيدةً، أم نثراً نسجناها نضيدة. إن الصُّورة الإبداعية، حيثما تكون، تضيع تائهةً إن لم تكن في إطار هويَّةٍ ذات جذور مؤصَّلة واضحة.

فلنحترم هذه الهويَّة.

 

في مديح الشِّعر

أن نكون في حضرة الشِّعر، يعني أننا مستخلَصون لنستحقَّ الدُّخولَ إلى حَرَمٍ مقدَّسٍ له هيبتُه وطقوسُه، ومختارون يستحقُّون إليه الدُّخول، فليس كلُّ داخلٍ مستحقّاً، زارعاً جاء شاعراً، أو حاصداً جاء قارئاً أو على نقد.

الشِّعر عملٌ فنِّيٌّ صعبٌ لا يأتي من هوايةٍ أو هوى التَّباهي بلقب "شاعر". إنه، ككلِّ فنٍّ عظيم، إبداعٌ فاخرٌ من النُّخبة الخاصَّة موجَّهٌ للعامَّة. والإبداع ابن الصُّعوبة، ابن الأصول الصَّارمة (حصيلة تجربة الأجيال) والقواعد الصَّعبة والأسس العميقة التي تتأصَّل في جذور طقوسها حتى تُطْلِعَ قصيدةً تتذهَّب في شمس البساطة، تماماً كحبَّة القمح: تنزل صوب الجذور حتى تطلَعَ مُختمِرةً ناضجةً تتذهَّب في الشَّمس سنبلةً يخالها الطّفيليُّون بسيطة، وهي لا بسيطٌ فيها سوى الشكل، أما المضمون فاختمارٌ بالقواعد والأصول. القصيدة برقٌ وميضٌ يترك فيكَ رعداً كثيراً. الشِّعر اختزالٌ في التقاط هُنيهة البرق. والشَّاعر الشَّاعر مَن يعرف كيف يُشعل لحظة برقٍ قليلةً ويترك فيك لحظاتِ رعدٍ طويلة.

وهنا عظمة الكلاسيكيَّةِ، عابرة العصور إلى نهاية العصور. وفيها يقول شاعرنا جورج غريِّب: " الكلاسيكيَّة عصا سحريَّةٌ في يد قائد أوركسترا، ريشةٌ مُترَفةٌ بين أنامل رسَّامٍ، وترٌ يوجعه الصَّريرُ تحت نقَرات عوَّاد، لعبةٌ يمارس العِشقَ معها مفتونٌ لا يرحمَ! وإنما بهذه الكلاسيكيَّة تُشادُ الرَّوائع".

للشِّعر رئتان: الموهية والتَّقنية، متلازمان مضموناً وشكلاً، وثالوثٌ رئيسٌ: التَّناغم والتَّناسق والإيقاع، متلازمٌ وكينونة الإنسان في طبيعةٍ قائمةٍ أصلاً على التَّناغم والتَّناسق والإيقاع.

الطَّبيعة، نعم. ولا نُشيْحَنَّ عنها باسم الحداثة والتَّجديد. الشَّمس قديمةٌ لا تتجدَّد، ومع ذلك ليس مَن يقول إنها صارتْ موضةً عتيقةً أمام اكتشاف الكهرباء. والمناقبيَّة لا تهرم، والأخلاق لا تشيخ. وهكذا الأصول في الشِّعر: لا يجوز اغتصابُها باسم الرَّفض، واغتصاب تراثِها باسم الحداثة، واغتصاب ثوابتِها باسم العصْرَنةِ والثَّورة والتَّغيير. لا يُثار على دُرْبَةٍ وراءها خبرة. إن اتِّباعَ الأصول والإبداعَ مِن داخلها، يولِّدان الجمال ويكونان معيار المبدع الحقيقي. وهو ما ألمحَ إليه، في مطلَع القرن الحادي عشر، الحكيم الصُّوفي أبو الحيَّان التَّوحيدي الذي كان على رحابةٍ في تشجيعه التَّجديد والتَّحديث، إنما وفق ما سمَّاه "مذهب الاقتعاد". قيل له: "وَما الاقتعاد؟" قال: "ألا تخرجوا على الأصول، وأن تجدِّدوا كيفما شئتُم، إنما مِن ضمْن القاعدة".      

وكما ليس التَّجديدُ "الحداثويُّ" في الخروج المجَّانيِّ على نُغَيْمة الإيقاع، كذلك ليس النَّظم وزناً وبحراً وقافية هو الشِّعر. القصيدة الكلاسيكية (والنّيوكلاسيكية) عمارةٌ شعريَّةٌ تقوم، ككلِّ عمارة متينة، على هندسةٍ دقيقةٍ وتقْنيةٍ دقيقةٍ يشرف عقل تقنيٌّ على اشتغالها الدَّقيق حتى تنضَجَ القصيدةُ مثلما ينضَجُ، قُبلةً بعد قُبلةٍ، قرصُ العسل.

إذاً، لا تنثير القصيدة هو الحداثة، ولا تقفيةُ الكلام موزوناً هو الشِّعر. التَّجديد ليس التَّغيير المُرتجَل اللَّقيط. الوردة تجدَّد مِن داخل العطر، والكناريُّ مِن داخل كرَّاته، وغروب الشَّمس مِن داخل ألوانه. فلا يرتكبنَّ أحدٌ إثمَ النَّثريَّة باسْم الشِّعر، أو إثمَ الشِّعريَّة باسْم النَّثر. لكلِّ كتابة أُبُوَّتُها وبُنُوَّتُها ونظامها. الشِّعر فنٌّ عظيمٌ والنَّثر فنٌّ عظيمٌ. وإذا للنَّثر قواعدُه وأصولُه التي بها يفاخر ولها يتعصَّب وعنا يدافع، فالشِّعر عقْدٌ منظومٌ بتقْنيةٍ صعبةٍ وعجيبةٍ. مِن هنا أنَّ الوزن فخٌ خطيرٌ، يقع في المُتلطِّي خلفه ليدَّعي شِعراً، ويهرب منه المُقصِّر عنه فيدَّعي أنه يكتب "الشِّعر الحديث".   

الشِّعر الشِّعر وحده الباقي منذ أول العصور، ويبقى إلى آخِر الزَّمان. تهبُّ عليه العواصف، تعلو عليه الموجات، تحاصره الموضات والدُّرْجات والفُرجات، وهو يبقى سائراً بأبَّهة الجبل، راسخاً في جذوره المبارَكة ككُبرى شجرة السّنديان.

 

في مديح الشَّاعر الشَّاعر

الشَّاعرُ الشَّاعر نأتيه في خشْعة التَّهيُّب، خشْيةَ خدْش الألق الرَّهيف على شِقِّ الغلالة. معه، نذوق كيف تكون الرَّهافة عنوانَ الأدب، وكيف نقرأ في الرَّهافة والأناقة فجراً من البهاء، في أدبٍ، يتنخَّل الكلماتِ، يصقلها بإزميل مِن نور، لا يستقيم إلا متى التقى الضَّوء بالضَّوء في مقلع الأصالة، فنَلِجُ إلى حَرَم النَّص، شعريِّه ونثريِّه، قياساً ونموذجاً ومتانةَ سياق.

علامة الشَّاعر الشَّاعر أن يُنَصِّعَ اللغة، فنصُّه نظيفٌ مِن أيِّ غبار ثرثار، لأنه يتعامل مع الكلمة صوَّاغَ لؤلؤٍ ومؤنِقَ طيبٍ، يهندِسُ نصَّه بالفُردات النَّادرات، ولَقيَّاتٍ تباغِتُ من جمال، فيأتي عالياً نثرُه كما عالياً شعرُه يكون.

علامتُه، الشَّاعرُ الشَّاعر، أنه يعتنق الجودة لا الكثْرة. لا موضةَ تغريه ولا موجةَ تغويه، ولو عاش وسْط جوٍّ تهيج عليه مَوجةٌ ينساق في علْواتها وزَبَدها كثيرون مِن جيله وروَّاد أتراب.

من هذا الجوّ، نَموذجاً: في النِّصف الآخر من خمسينات القرن الماضي، تكوْكَبتْ شلَّةُ لبنانيِّين شبابٍ طامحين إلى التَّجديد، إلى التَّغيير، قياساً على موجةٍ بلَغتْهم من الشِّعر الأميركي (تعنْونتْ هناك بـ"الشِّعر الحديث")، فأعجبَهم أن يغامروا فيأسِّسوا في لبنان أيضاً "موجة الشِّعر الحديث"، تجربةً كان من أبرز أهدافهم فيها أن يتنطَّحوا للكلاسيكيِّين. ومثلما نماذجُهم الأميركيُّون داسوا على كلِّ قاعدةٍ وكلِّ وزنٍ وكلِّ قافية (وللشِّعر الأميركي هويَّةٌ مغايرةٌ عن خصائص شِعرنا)، بدأ شبابنا اللبنانيُّون يومها بالتَّحرُّرِ تدريجيَّاً من كلِّ قاعدةٍ عرضيَّة، فالثَّورةِ على كلِّ شكلٍ كلاسيكيّ، فالتَّفَلُّتِ من كلِّ تَفعيلة (سمَّوها بـ"العتيقة"، على اعتبار أنهم "جُدُدٌ حديثون، أو "حداثيُّون" فتخلَّى معظمُهم عن كتاباتٍ له كلاسيكيَّة (سبقت مغامرتهم الجديدة) وجعلوا – مرحليَّاً ولفترة – يعتمدون التَّفعيلة المُدوَّرة (آخذين بتجربة بدر شاكر السيَّاب ونازك الملائكة فعبد الوهَّاب البياتي في العراق)، ثم تحرَّروا كليَّاً من أي شكل كلاسيكيٍّ (بحراً وتفعيلةً مدوَّرة)، فانفلتَ المعيارُ إلى نثرٍ لم يشأؤوا أن يتركوه بلا هويَّة فسمُّوه "قصيدة النَّثر".

وكان في لبنان مَن عايش تلك الموجة صديقاً لأولئك "الثَّائرين المجدِّدين". زامَلَهم تجديداً ولم يزاملهم موجةً جعلت من بعض نصوصهم قفزةً في مجهولٍ ما زال يتناسل حتى اليوم مجهولاتٍ واسعةً على اسْم "التَّجديد"، وينتجُ هَذَراً مجانيَّاً مسطَّحاً باسْم الشِّعر أو باسْم النَّثر، لا شُغْلَ فيه نظماً ولا نحْتَ فيه نثراً، وليس سوى كلامٍ مُرسَلٍ، منه اللَّفظيُّ المجَّانيُّ ومنه الصُّوَريُّ البرَّانيّ، وليس منه في الحالتين بَدْعٌ جماليٌّ. والفنُّ، في جوهره، صناعة الجمال.

الشَّاعرُ الشَّاعر يُجدِّدُ مِن قلب الأصول لا من خارجها. يصدر تجديده عن جذْعٍ مباشَر، طالعٍ مِن جذور سلالة الإرث الشِّعري. وبـ"الإرث" أعني "الأُصول" التي سنَّها الروّاد عن خبرةٍ وتَجربةٍ وطول اكتساب. ومع وعْيِنا التام بألاّ نتحنّط ضريرياً في التمسُّك بأصولٍ كانت في زمانها لازمةً وباتت اليوم خارج العصر، نعي كذلك أنّ الْخروجَ الأرعنَ على الأُصول يؤدّي الى نتاجٍ طِرْحٍ لقيطٍ وهجينٍ لم يستكملْ فترة الْحَمْل الطبيعية. فكيف يكون مَمنوعاً أيُّ خروجٍ عن الأُصول في الطب والعلْم والهندسة والقانون، ويكون مسموحاً في الأدب؟ هناك، الرقم سيّدٌ لا يقبل الْجدَل. وهنا، الذوقُ اصطلاحٌ قد يقبل الْجدَل. ومثلما الرقم يَضبُط فيَحسُم، كذلك للذوق معيارٌ يضبط فيَحزُم، آتٍ في أصوله من منطق الرقم. وكلُّ ما لا ينضبط في معيار، ينفلت الى فوضى. فلنعتمدِ منطقَ الرقمِ الصارمِ حزماً ضابطاً معيارَ الذوق، للبقاء في نعمى الأُصول.

من هذا "الحزم": الشِّعْرُ غيرُ النَّظْم، بل الشِّعْرُ أَسْوَأُهُ النَّظْم، وأبلغُه ما خلا من التذكير بالنَّظْم. النَّظْمُ ياطرُ القصيدة، يَختفي عميقاً عميقاً في قعر القعر فلا يَظهر حتى تظهرَ القصيدةُ على وجه الْحالةِ ثابتةً بَهيَّةً في جَمالٍ منظور بفضل الياطر غير الْمنظور.

والنثرُ غيرُ السرْد، بل النثرُ أسْوَأُهُ السرْد التقريري، وأبلغُهُ ما خلا من السرْد. السرْدُ أرضيّةٌ يقف النثر عليها لينطلقَ منها في فضاءاتٍ تتدرَّج من: الْمباشر الْمسطح، الى الأدب الْمشغول، الى النثر الْجمالي الفني، في جماليا قلائدَ غيرِ "منظومةٍ قصائدَ" لتكون عِقْدَ شعر، وأنّما هي "منثورةٌ نضائدَ" في ذوقٍ نثريٍّ تركيبِيٍّ هو في ذاته فنٌّ فخمٌ أنيق.

للنثر درَجاتٌ، كما للشعرِ درجات. وأعلى درجاتِ النثر لا تَجعلُه شِعراً، بل نثراً فنياً عالياً راقياً صعباً لا يؤْتى لأيِّ ناثر، وأدنى درجاتِ الشِّعْر لا تَجعلُه نثراً بل نظْماً بارداً باهتاً لا شاعرية فيه. إنّ استعارة كلمة "شعر" أو كلمة "قصيدة" لنص نثري، إهانةٌ للنثر كما لو انّ النثرَ قاصر عن الإبداع إلا إذا قيس بِمقياس الشعر، وإهانةٌ للشعر الذي لن يقبل في حَرَمِهِ نصاً نثرياً مهما تأنَّق إبداعاً في نثريته.

ويا طُوبى لِمن يصقل شعره ونثره، فيعطى، في شعره ونثره، نعمة الإبداع في كلٍّ من القمّتين.

هكذا، لا تكون قمةُ الشِّعْر أعلى، ولا قمةُ النثر أعلى. بل تتساويان في الإبداع والأُصول. كلتاهما قمةٌ في ذاتها، تصعُب على من يَنشُدُ بلوغَها، ويشرِّفُه بلوغُها.

وهكذا يهنأُ الشاعر الشاعر على تينك القمتين، وينحَتُ على كلتيهما أنضر الدوالِيِّ من شعر ونثر. وإذ أقول "يَنحت"، أَقصُدُها تَماماً، لأُشدِّد على أنه لا يكتفي باستعمال الكلمة الْمناسبة في الْمكان الْمناسب، بل هو أكثرُ تشدُّداً: يتنخّلُ للمكان الْمناسب كلمةً لا يُمكن أن تكون إلاّ هي، لا بديلَ عنها أجملَ منها لهذا الْمكان. وهذا هو النحتُ، نثراً وشِعراً، بإزميل الْجمال. فالأدبُ (شعراً ونثراً) ليس مضموناً أنيقاً دون أناقةِ شكل، بل هو حينَ الشِّعْر: آنَقُ بَثٍّ لآنقِ مضمون، وهو حيث النثر: آنَقُ سبْكٍ لسكبٍ بَهِيّ. والشاعر الشاعر مَن يقشِّر الكلماتِ حتى لُبِّها الأَوّل، حتى عناصرِها الأُولى، فيرُدُّها الى شهقتها البكر، ويستردُّها حبلى بِخُصوبةٍ من بَتولية جاهزةٍ لكل اقتبال، واعياً أنّ الشاعر معمرجيُّ جمال، وأنّ القصيدةَ عمارةٌ الى فوقُ حيث الضياء، وليست مِشيةً الى بُعْدٍ أفقي سويٍّ فيه كلُّ مَحكيٍّ ومكتوبٍ ومستهلَكٍ ومكرَّرٍ في كليشيهات عتيقةٍ بليدة.

الشاعرُ الشاعر من لا يتبنّى الشكلَ الْجامدَ أجوفَ من التماع، ويرفضُ التحنُّطَ في مألوفِ كلامٍ مستهْلَكٍ وقوالبَ جاهزةٍ كلماتٍ وتعابيرَ وتراكيب. من هنا أنّه لا "يَكتب" قصيدته بل "يُعَمِّرها"، بل ينحتها، بل يَحُوكها، بل ينسُجها خيطاً خيطاً بِنَولٍ دقيقٍ بارع، فيكونُ في اللحظة نفسِها: الْمبدعَ الْموهوبَ والحِرَفِيَّ الصَّناع. وهذا ما شدَّد عليه بول فاليري بقوله: "الشاعرُ الْموهوب يَختارُ اللفظة الْمناسبة لإحداث الرِّعشة النفسيَّة وإحياءِ العاطفة الشِّعْرية"، وهو ما نقضَه الياس أبو شبكة (في مقدمة "أفاعي الفردوس") باعتباره أنّ "الشاعر الْموهوب لا طاقةَ له على اختيار اللفظة، ففي شعوره الزاخر ما يصرفه عن هذه الأُلْهية. وعندي أنّ القصيدةَ تنْزل مرتديةً ثوبها الكامل". وفي هذا "التسَرُّع" من أبو شبكة (وهو الْمجَدِّدُ الكبير والْموهوب الكبير) ما يُضَلِّلُ اللامبدعين، ويُعَرِّضُهم لِمُغامَرة السهولة والاستسهال، في ما يناقض تَماماً أصولَ الإبداع الشِّعْري. فالشاعرُ الشاعر من لا يقدِّم لِمُتلقّيه الوردةَ كما هي عن أمّها، بل ينقّيها من شيخوخةِ طلْعٍ، ويهذِّب بتْلاتِها من ذبولِ شفاهٍ، ليقدِّمها الى اليد الْممدودة وردةً تليقُ بصدر الْحبيبة أو شعرها، شَمّاً وتزييناً وأَناقةَ أَرَج.

الشاعرُ الشاعرُ مَن "يعمِّر" القصيدة فيزيد الزنبقَ تَعَنُّقاً ونصاعةً، وليس كاتبَ نظمٍ وتفاعيلَ تتوكَّأُ على العمود الشِّعْري شكْلاً وصَكَّ براءةٍ وشهادةَ حسنِ سلوك، أو تتوسَّلُ إلقاءً منبَرياً طنّاناً مسرحياً يرفَعُهُ عند قافيةٍ يُلْقيها عند نهاية البيت بنبرةٍ عالية فيستحثُّ تصفيقاً غريزياً تستدعيه أكُفٌّ في القاعة تبدَأُ فَتَجُرُّ وراءها الأَكُفَّ تلقاءاً حماسياً أو مسايرَةً تَهذيبية لا علاقةَ لها بِمستوى القصيدة.

ومَن يَتباهَون بسهولةٍ لديهم في أنْ يكتبوا قصيدةً كاملةً دفعةً واحدةً (منظومةً مفعَّلَةً مقَفّاةً)، هُم نظّامون ثرثارون وَزَّانون لا شِعرَ لديهم ولا شاعرية، لا موهبةَ ولا حتى صنعة. قد يصلحون أن يكونوا أَساتذةَ عروضٍ في صفٍّ مدرسي، لكنهم لن يكتبوا في حياتهم بيتَ شعرٍ واحداً. إنّ براعةَ التَقْفية التفعيلية غيرُ براعة التِقْنية الشِّعْرية تراكيبَ واشتقاقاتٍ وتطويعَ صورةٍ لِمعنى مبتَكَرٍ في مبنى مبتكَر. ولا هو الشعر في شقع أبياتٍ واحدها فوق الآخَر عمودياً في صدْرٍ وعَجُز، أو شقع أسطر متناثرة في تفعيلة مدوّرة.

في ديْمومةِ النصّ شِعراً ونثراً

لا نعمةَ أجمل من نَسرٍ يُولَدُ في أرض التقليد وينطلق منها الى فضاء التجديد من ضمن الجذور، متألّقَ النصَّين كلما دار الْحديث عن الأدب العالي، وساحِرَ نَحْتٍ يُطلع من الكلمات نَسَماً يَلفح بالنضارة وجهَ الشِّعْر وجبينَ النثر.

النصُّ هو الشاهدُ الحيّ، وحضورُ صاحبه الناصعُ، في عصره وبين أترابه، خيرُ نصاعةٍ لخير شهادة، فيا نعْم الشاهدُ، ويا نعْم الشهادة. والنص الباقي على الأيام هو ابنُ الحياة بِجديدها الْمتجدِّد في جِدّ الأصالة، المنحوتُ بإزميل الأصالة، وزائلٌ كلُّ نَصٍّ لا يتمَرّى بِهذه الأصالة.

اللهمّ إني بَلَّغْتُ: كلُّ نصٍّ (شِعراً أو نثراً) طالعٍ من أصداف اللؤلؤ في بُحيرات الصفاء والنقاء، نصٌّ باقٍ الى الغد الطويل، لا زبدَ يُغْريه فيَجْرُفُه، ولا موجةَ تُغْريه فتحملُه الى التحطُّمِ معها (فالتَّفَتُّتِ فالانْحلالِ) على الشاطئ، بل يظلُّ لؤلؤةً باقيةً في قلْب الصَّدَفَة، في قلْب الْمياه، في قلْب العُمق، إذاً في قلْب الْحياة. وكلُّ نَصٍّ يُخالف قوانين الْحياة، يَخرج من نور الذاكرة وينتهي منطفئاً في مَجاهل النسيان.

 

                                                                                                05/05/2005

 

 

إذا لم يتمكن الراغبون في اقتناء دواوين ومؤلفات الشاعر هنري زغيب
من الحصول عليها من المكتبات فإنه بإمكانهم طلبها عن طريقنا أو عن طريق
مواقع توزيع الكتب عبر الإنترنيت
أدب وفن
بيسان
نيل وفرات
 
للوصول إلى الروابط زوروا قسم كتاب
جماليات الإبداع الرحباني في الصفحة الرئيسة من الموقع

 

اقرأ قصيدة هنري زغيب "الشاعر والكلمات"

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.