3

:: أحمد الخميسي يكتب في الوحدة الوطنية - الباب المغلق بين الأقباط والمسلمين! ::

   
 

التاريخ : 03/02/2010

الكاتب : د. مجدي يوسف   عدد القراءات : 712

 


  

أحمد الخميسي يكتب في الوحدة الوطنية

الباب المغلق بين الأقباط والمسلمين!

بقلم: د. مجدي يوسف *

 

هذا هو عنوان واحد من أجمل ما قرأت في الوحدة الوطنية بأسلوب روائي آسر يجعل القارئ يأتي على فصوله في جلسة واحدة دون توقف. فكاتبه لا يتمتع فقط بروح وطنية عالية، وليس فقط بالتزام إنساني رفيع، وإنما هو في الوقت ذاته أديب مخضرم من أسرة شاعرة، وإن كان له بصمته المتفردة عن سائر أقربائه الكبار من الكتاب الشعراء. هو الدكتور أحمد الخميسي الذى لا يمهر كتاباته ولا عموده الأسبوعي في "أخبار الأدب" بلقبه العلمي، حتى يقرّب المسافة بينه بين قارئه، بينما ما يكتبه يبزّ أكثر ما يدونه أفضل الأكاديميين، ولكن بأسلوب جزل محبب ينساب إلى عقل وقلب القارئ بلا حواجز أو عبارات "مكلكعة".

 

 

وفى كتابه هذا الصادر في عام 2008 كان أحمد الخميسي يثير قضية كامنة كالنار من تحت الهشيم وكأنه يستشرف ما حدث في الأيام الأخيرة من مآسٍ تفتقر إلى أبسط مبادئ العقلانية بين بني عنصر واحد أحد للأمة، لا عنصرين: فكل من الأقباط والمسلمين من أبناء وبنات هذا الشعب هم من صلبه، فكلمة "قبطي" تعني "مصري". والإسلام الحق لا يبدأ بالرسالة المحمدية، وإنما هو استمرارية لكافة الرسالات السماوية من عهد نوح وابراهيم عليهما السلام حتى نبي الإسلام محمد بن عبد الله. ومن ثم فقراءة الإسلام على أنه يقصي ما عداه من رسالات سماوية هو ليس من الإسلام في شيء. لذلك فمظاهر التمييز بين المسلم وغير المسلم لا يتعارض فقط مع حقوق المواطنة، وإنما هو يتناقض أصلاً مع روح الإسلام الحق. فما معنى أن يكون الاختلاف الشكلي في الدين سبباً في عدم الحصول على وظيفة، أو تفضيل مسلم على غير مسلم في الترقية، أو أن يرفض طفل مسلم أن يلعب مع رفيق له قبطي في حضانة الأطفال، ناهيك عن سائر مراحل التعليم؟ أو أن ينظرإلى غير المسلم بشيء من الاستبعاد والتمييز؟ وما معنى أن تثور قرية بأكملها لأن أقباطاً أقاموا الصلاة في منزل؟! أو أن تنهب متاجر لأقباط وتحصد أرواحهم وهم خارجون من دار عبادتهم في يوم عيدهم لمجرد أنهم ينتمون لدين سماوي أتى الإسلام مكملاً له؟ وما علاقة هؤلاء أصلاً بجريمة يتهم فيها أحد الأقباط كي يُغتالوا في يوم عيدهم؟ وهب أن ذلك له علاقة بعادة الثأر في الصعيد، وهي التي تنحو لأخذ ذوي الرحم بجريرة من قد لا يعرفون صاحب الجريمة أصلاً، وإن انتموا شكلاً لملته، أو لقبيلته، أو طائفته الدينية، فهل يجوز أن تقف الدولة بكافة أجهزتها مكتوفة الأيدى أمام ظاهرة الثأر دون أن تعالجها من منابعها، وليس باتخاذ الإجراءات الإدارية بعد تفاقمها؟. وأين تكمن تلك المنابع إن لم يكن في السنوات الأولى من العمر، ابتداء من رياض الأطفال والمدرسة الابتدائية؟ بل قبل ذلك من خلال القصص التي ترويها الأمهات على فلذات أكبادهن حتى يداعب النوم أحلامهم؟ أما اللجوء للوسائل الأمنية، فهو آخر ما يؤدي لحل هذه المشكلة، أو لردع مرتكبيها، إن لم يصور لهم ولأترابهم أنهم "يحمون" دينهم من الآخر، بل أنهم مستعدون ل" الاستشهاد" من أجل ذلك؟!

إنما يكون الحل الحق للمشكلة على المدى المتوسط والبعيد بتنشئة الطفل على نحو مختلف، وأن تعطى كافة حقوق المواطنة بلا أية تمييز لكافة بنات وأبناء هذا الوطن الذي صار مطمعاً لفريقين يكمل أحدهما دور الآخر: للاستعمار الجديد بما تمثله مصالح هيمنته على منطقتنا من الحرص على تقطيع أواصر الوحدة الوطنية في أكبر بلد عربى، سعياً لتقزيمه، وتسهيلا لمحو دوره التاريخي، وبلقنة شعبه بدعاوى طائفية لا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد، هذا من ناحية، ثم استغلال هذا المخطط العدواني الخارجي من الناحية المقابلة للنزعة الساعية ل"تطهير" هذا البلد من غير المسلمين بشتى الوسائل المباشرة وغير المباشرة التي تستهدف اقتصار مصر على أبناء عقيدة واحدة في تصورهم، بينما لا يعي أصحاب هذه النزعة أن ذلك لا يختلف جذرياً وحسب مع الإسلام الذي يتصورون خطأ أنهم "حماته"، وإنما هو يتفق مع النزعة العنصرية ذاتها التي تنادي بها إسرائيل حين ترفع راية "الدولة اليهودية" في المنطقة، وأن ما يطمحون إليه هو أفضل ما يرميهم في أحضان أعداء شعوب المنطقة الوافدين عليها من ثقافات استعلائية استعمارية طامعة في نهب ما تبقى من ثروات هذه البلاد مع الحرص على إبادة شعوبها بأيديهم هم أنفسهم إن أمكن!

يبدأ كتاب أحمد الخميسي بقصة الغلاف: زوجان قبطيان لم يرزقا بولد يشعران بالأبوة الحانية إزاء طفلة توفى والدها البواب في دارهما، فيقومان باحتضانها في منزلهما. لكن الجيران يلمحون ويلمظون هنا وهناك أن الطفلة ستنشأ على دينهما، وفى النهاية يجبر الزوجان على التخلي عن الطفلة التي لا تفهم شيئاً مما يجري، وتذرف الدموع وهي تتشبث بباب منزلهما راجية إياهما أن يعيداها إلى "دارها"، ولكن صاحب الدار القبطي يرد عليها وهو يتمزق حزنا من وراء الباب المغلق: ما اقدرش، أنا باحبك زي بنتي تمام، لكن ما اقدرش صدقيني..

وفى فصل آخر من هذا الكتاب المؤثر يعرض الكاتب لرواية "أحزان بلدنا" للكاتب والمحامي القدير مكرم فهيم، والتي تتمحور أحداثها حول استشهاد المقدم نبيل يعقوب في المنيا وهو يفض اشتباكاً مسلحاً بين مسلمين وأقباط، حيث يبكي والد الشهيد متسائلاً: "هل الأقباط أقلية مستضعفة؟ هل هم جزء من نسيج الوطن؟ أم أن الحديث عن نسيج واحد لم يعد سوى محاولة لصرف الأنظار عن التعدد؟ من أين خرج التعصب والإرهاب وأصبح لرصاصه ذلك الدوي المسموع في مصر كلها في فبراير 1994 حينما أطلق الإرهابيون النار على المصلين في كنيسة أبو قرقاص وفى غيرها من قرى الصعيد؟" وحيث يتساءل مؤلف الرواية على لسان يعقوب نصر الله، أحد ضباط الثورة: من المسئول عن المناخ العام الذى يولد الإرهاب؟ ويجعل البعض يفتى صراحة بأن من صافح قبطياً فقد كفر؟ ومن المسئول عن اعتماد جامعاتنا المصرية كرسياً للغة الأرمينية، بينما ترفض تأسيس كرسيّ للغة القبطية التي هى من تراث المصريين جميعاً؟! ومن المسئول عن الخط الهمايوني الذي يمنع استصلاح الكنائس لدورة مياه إلا بإذن خاص؟". ويبين أحمد الخميسي أن مكرم فهيم لا يقدم صورة مثالية للأقباط في مقابل صورة سالبة لسواهم، فمن بين الأقباط متعصب يقتل أخته لأنها تزوجت مسلماً، ومن بينهم المحتال والأهوج الذي يلجأ للغرب ولأميركا على رأسها مطالباً ب" حقوقه من الخارج!"، فالقبطي في رواية مكرم فهيم "من نفس العجين الذى خرج منه الآخرون"، لأن القضية في النهاية ليست قضية دينية، وإنما هى اجتماعية، وسياسية اقتصادية. وأضيف بدوري أنها قضية تربوية ثقافية في المقام الأول تتعلق بتكوين الوعي الاجتماعي العام في هذا البلد. ومن ثم فصاحب رواية "أحزان بلدنا" ينتصر في نهايتها للتآخي، والعقل، والاستنارة. فحين تكلف الجماعة الإرهابية شاباً مسلماً من بينها باغتيال أحد الأقباط، ويستيقظ ضمير الشاب رافضاً التكليف، يصبح هو الآخر ضحية للرصاص. وهو ما صار يشكل ظاهرة أعيد إنتاجها في مأساة نجع حمادي، إذ أجبر بعض المعتدين على الخوض في عملية القتل العشوائي للأقباط في يوم عيدهم خوفاً على حياتهم هم أنفسهم من انتقام محرضيهم إن لم ينصاعوا لأوامرهم بتنفيذ الاعتداء.

وفى فصل مؤثر ثالث من بين فصول هذا الكتاب الذى لا تتعدى صفحاته ال145 من القطع الصغير حتى ليصلح للقراءة في المواصلات العامة، إذ ما أسهل أن يوضع في الجيب أو في حقيبة السيدات، يروي الكاتب قصة رحلة مشتركة بين المسلمين والأقباط نظمتها جمعية أهلية قبطية لزيارة المعالم التاريخية للمنيا ليشاهدوا تل العمارنة، ومقابر بنى حسن، وجبل الطور الذى يقع فيه دير السيدة العذراء التي احتمت به خلال عبورها بمصر ومعها السيد المسيح طفلا، وتونة الجبل الخ حيث كانت تجلس هدى طعيمة إلى جوار ميرفت عبد الناصر، وميلاد يعقوب، وجورج ميخائيل مع أخيهما أحمد الخميسي، الكل تجمعهم روح المحبة والتجاذب في رحلة تمثل "مستقبل بلدنا" كما يدعوها مؤلف هذا الكتاب في سردياته الممتعة المليئة بأحلام مستقبل مضيء لهذا البلد يخرج من أحشاء هذه الظلمة إن تعلمنا منها الدروس وسارعنا بعلاج دائها من جذوره الممتدة في الطفولة وفي التعليم العام والإعلام المرئى والمسموع.

وإني لأتساءل لم لا يطبع هذا الكتاب صغير الحجم عظيم النفع في "سلسلة الأسرة"، حيث أوجه النداء من هذا المنبر إلى اللجنة المشرفة على تلك السلسلة الشعبية وعلى رأسها الدكتور فوزي فهمي؟. ولم لا يقرر الدكتور أحمد زكي بدر، وزير التعليم الجديد، هذا الكتاب السردي الشيق على طلبة المدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد المتوسطة بالمثل؟ أليس في بث هذه الروح السمحة من خلال قصص هذا الكتاب التي تجمع بين التشويق والتأثير الإيجابي ما يمكن أن يعالج تلك الآفة الاجتماعية في مكمنها بدلاً من تجاهلها لتتفاقم حتى يضطر المجتمع للجوء للحلول الأمنية التي مهما كانت قاسية، فهى لن تفلح بأن تكون أبداً رادعة، لأن بذور تلك السلوكيات الإرهابية لا تكمن في سلوكيات فاعليها، وإنما في تنشئة أجيال بكاملها في الأسرة، والمدرسة، والمجتمع بوجه عام. من هنا فالمواجهة الفاعلة الحقة يجب أن تبدأ من الدار والمدرسة في السنوات الأولى من العمر بخاصة. ولعل عبقرية هذا الكتاب تتمثل في إحياء تراث بيرم التونسي ووريثه صلاح جاهين الذى كانت كتاباته ورسومه تخاطب جميع الأعمار من الأطفال حتى أكبر البالغين سناً؟ وإني لأتساءل لم لا تحول قصص هذا الكتاب إلى مسلسلات تلفزيونية تمثل علاجاً درامياً لهذه الظاهرة التي تهدد بأن تعصف بهذا البلد وبشعبه الذى لا يستحق بالتأكيد شيئاً من ذلك؟

 

* مستشار هيئة اليونسكو في شأن الحوار بين الثقافات

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.