3

:: أبو شبكة بين "يومه" واليوم - في ذكراه الثالثة والستين ::

   
 

التاريخ : 27/01/2010

الكاتب : هنري زغيب   عدد القراءات : 1395

 


  

في ذكراه الثالثة والستين:

أبو شبكة بين "يومه" واليوم

هنري زغيب

 

 

 

 

العاشقُ الذي شَهَرَ حبّه شمساً حين العشاق (في وضعه الاجتماعي) يلتمسون خبيئة الظل،

الشاعرُ الذي طبَعَ شعره بِحياته حتّى باتت قصائده فصول بيوغرافياه،

غاب في ربيع العمر (43 عاماً)، ليترك بعده شعره، كما حُبَّه، حَياً لا إلى ذبول.

الياس أبو شبكة، ماذا يبقى منه اليوم؟

الكلاسيكيون يجدون فيه علَماً من أعلامهم. المجدِّدون يَجدون معه طليعة التجديد. "الحداثيون" يحبون نضارته ولا يرفضون كلاسيكيته.

هكذا تبقى اليوم "أفاعي الفردوس" علامة مضيئة في الشّعر المعاصر، وتبقى قصائد "نداء القلب" و"إلى الأبد" أغنيات حبّ تنام حدَّ مخدة العشاق.

***

إن لم يكن أبو شبكة مُجدِّداً تماماً في الشكل والمضمون، فهو كان مجدداً في حياته. كانت حياته قصيدته المعيوشة التي بقيت (وستبقى) سمفونيا غير منتهية. لم يكن الشعر تعبيراً عن حبّه. كان الحب تعبيراً عن حياته.

الياس أبو شبكة لم يكن رجلاً قَدَرَهُ الشّعر. كان صرخة الحب في صوت شاعر. و"أشعَرُ" ما فيه أنه "جَرُؤ". تَحدّى مُجتمعه الضيّق وطقوس "التابو" في ذاك المجتمع المحافظ المغْلق. مشى عكس التيار. تَبِعَ قلبه العاشق ولم يتبع عقل المجتمع الآسن.

متأخراً جاءه الحب سنة 1940 (بعدما كان جناحاه انضَوَيا في قضبان "السعادة الزوجية" سنة 1931). كسر القضبان وأطلق جناحيه. لا يُمكن حبْسُ النسر في قفصٍ مهما وَسِعَت مساحة القفص. للنسر الفضاءُ الذي يبلغ الشمس. الأقفاص للزرازير والوطاويط الخائفة تتلطّى خلف الخبث والزيف والرياء والتكاذُب الاجتماعي المقنّع. وحده الشاعر يبلغ الشمس ولا يكون إيكار. قد يكون فَرَاشاً حول قنديل، لكنه لن يكون إيكار.

***

مع احتراق رسائل أبو شبكة العاطفية، رمّدت حياته الخاصة، هو الذي عاشها على حُرقة جمرٍ لهيفة. لا يليقُ بالعاشق الرومنطيقي إلاّ العيش احتراقاً إلى الحبيبة.

مع احتراق الرسائل انطفأ بُعْدٌ أساسي في كتابة بيوغرافيا أبو شبكة الذي يَسهُلُ بلوغ شعره بفهم ما خلف كل قصيدة، كل بيت، كل كلمة، لأن كل حرف من شعره مسلوخ من حياته.

بفقدانها، تلك الرسائل، نفتقد خفايا منه كثيرة كانت وراء "أفاعي الفردوس".

ونفتقد السرّ الحقيقي لإحراقه نصفَ "غلواء" الأصلية بادرةَ قربان منه على مذبح حبه الكبير.

ونفتقد لَحظاتٍ لاهبةً ولِدَت بعد مَخاضها قصائدُ "نداء القلب" و"إلى الأبد".

نفتقد ما كان وراءها من قصص بينه وبين "ليلاه":

قصة الختيار الذي كان يحمل الرسائل منه إليها ومنها إليه،

قصة امرأة من "الزوق" حاولت استمالتَه إليها والتقليل من أهمية ليلى فصدّها بعُنف،

قصة اتصالاته الهاتفية العاصفة بليلى (وهي لدى بيت أهلها في الشيّاح) من مكتبه في المفوضية الفرنسية العليا (بيروت) هامساً في حديثه (وباكياً أحياناً) حتى ليكاد يَدخل في سماعة الهاتف،

قصة اتصالاته الهاتفية بها من غرفة صديقه جورج غريب في معهد عينطوره،

قصة وقوفه الليليّ تحت المطر بين المقابر المطلّة على شرفة بيتها في الزوق، لا يهدأ له بال حتى ينطفئ الضوء في بيتها فيفهم أن الزوّار انصرفوا وعندها يذهب إلى بيته كي ينام،

قصة شجرة اللوز الكثيفة التي كانت أمام منزل صديقه جورج عودة الذي قطعها كرمى له كي يتسنى لصديقه الشاعر أن يَخرج إلى شرفة بيت عودة المطلة على شرفة بيت ليلى فيراها وتراه وتفهم أنه عاد من عمله في بيروت،

قصة التنهيدة الخاصة بصوته وراء ميكروفون الإذاعة "إشارةً" منه إليها لمعرفته أنها عند جهاز الراديو في بيتها تصغي إليه،

قصة القبلة الأولى (في أول عهدهما معاً) كادت أن تحصل لكنها "لم تكتمل"، قرب "عين الزوق" (اليوم تحت القصر البلدي مباشرةً) فظهرت في مطلع قصيدته "أيا قبلةً مرّت على ضفتي فمي" (من "نداء القلب")،

قصة ذاك اللقاء الطويل على ضوء القمر عند منزلِ صديقةٍ مشتركة في الزوق، تركَتْهُما لوحدهما وانصرفَت وحين عادت إليهما بعد أكثر من ساعة وجدَتْهما كليهما في حالة بكاء شديد،

قصة مَجيئها (ليلى) إلى بيته في حضور أمه وشقيقته اللتين تتعبان من سهر فتدخلان الى النوم ويبقى هو معها في حضور خادمتها التي هي الأخرى لا تلبث أن تتعب فتنام، ومن هنا قوله في "الى الأبد": "واسهري، فالعجوز نامت على المقعد سهرانةً عليها السلامُ"،

قصة إيماءته إليها بيده من صندوق شاحنة كان يستقلُّها في عجلتون إلى عمله في بيروت، وكان يصرّ على النزول في الشاحنة فقط لأنها تمر قرب بيت ليلى الصيفي،

قصة مَجيئها (ليلى) خلال أيامه الأخيرة في المستشفى، متحجِّبة خلف شالٍ ونظارتين سوداوين، بعدما تتّصل بأولغا (زوجته) كي تَأْمَنَ أنْ ليس في غرفته أحدٌ من أهالي الزوق،

قصة ارتدائها فستاناً أسود واحداً طوال خمس سنوات متتالية حداداً عليه، ما دفع توفيق يوسف عواد إلى كتابة قصيدته "ذات الوشاح الأسود" (صدرت في كتابه "حصاد العمر")،

قصة "مصادفات" (لم تكن أبداً "مصادفات") في لقاءاتهما على طرقات الزوق أو لدى أصدقاء مشتركين،

قصة لقاءاتهما في ضاحية نائية من عجلتون يعلو فيها الوزال ستاراً يفصلهما عن رواد الصيف (من هنا ما جاء في قصيدته "الى الأبد": "وغابنا ما أنبت الوزّالْ... إلاّ ليُخفينا عن أعين العذالْ")،

قصة ذاك الغصن، خلال إحدى جلساتهما معاً في غابة عجلتون، قطفَتْه هي ووضعَتْه على رأسه إكليلَ وفاء وعهداً على الإخلاص لحبه مدى الحياة، ومن تلك الجلسة بالذات كان عنوان مَجموعته "إلى الأبد"،

قصة إصراره على العودة يومياً إلى الزوق ليلاً من بيروت، ولو تأخّر به الليل ولو توفّر له أن ينام في بيروت، لأنه يطمح أن يرى ليلاه في الزوق صبيحة اليوم التالي قبل نزوله الى عمله في بيروت،

قصة المقاطع الخمسة (في "إلى الأبد") كان كتبها إلى المغنّية "شادية" (قبل ليلى)، لكنه أوردها في الكتاب كي لا يجدها أحد بعده وينسبها الى امرأة على زمان ليلى،

ونفتقد باحتراقها، تلك الرسائل،  قصصاً كثيرة تحكى اليوم، وقصصاً أخرى تحكى لاحقاً، وقصصاً (أخبرتْنيها ليلى) لن أحكيها أبداً، فأبو شبكة أحبَّ الحياة متحدّياً ظروفها الاجتماعية التقليدية حين عرف حبّه الكبير فعاشها بفرح من نسي شقاء الماضي وجاء إلى حبه بقلب جديد.

قصة حبّه ليلى كانت في "الزمن الممنوع"، لكنها لم تكن في "الزمن المستور". كان حبُّه حديثَ أهالي الزوق وأصدقائه وحتى قرائه. مع ذلك كانت له شجاعة التحدي: تَحدّي "التابو" الذي يُحاصِرُ مُجتمعاً يُغلقه الخبث ولا ينفتح على مَن تغمرهم نعمة الحب.

هكذا كان الياس. وهكذا كان حُبّ الياس ("لم أعرف أحداً، ولم أقرأ عن أحد، عرف كيف يُحبّ كما أحبّني الياس بذاك الولع المجنون"، كانت تقول لي ليلى).

جَهَر بلَيْلِه وليْلاه وليَالاه:

ليلُه كان مضاءً بنور حبها الذي ملأ نهاراته ولياليه،

ليلاه كانت عروس قصائده، لَم يُخْفِ اسمها ولا انتحل لها اسماً "مُموَّهاً"، بل بقي يسميها في شعره ليلى،

ليالاه كانت تترنّح في قصائده بين "يا ليل" و"يا ليل" فيمتزج في كتابته اسم "الليل" واسم "ليلى" مرَخَّماً ويهنأ قلبه العاشق.

***

عن أنطون قازان أنّ "الياس أبو شبكة ولد مرتين: مرة عام 1903، وأخرى حين صدر "أفاعي الفردوس" عام 1938". أُخالف أنطون في غيابه، وأرى أن ولادة أبو شبكة الثانية كانت عام 1940 يوم عرَف حبّه الكبير مع ليلى التي ستمنحُه ولادة "نداء القلب" و"إلى الأبد"، مَجموعتين من أعذب شعرنا في النصف الأول من القرن العشرين.

منحَها الحياةَ فمَنَحَتْهُ الشّعر.

قالت له: "إغفِر لي ماضياً كنتُ فيه طفلةً مدلّلةً غريبةً عن المرأة التي صِرتُها اليوم بفضلك فارتقيتُ إلى فهم الحياة عميقاً، عبر حقيقةٍ ما كان لي بلوغها لولاك".

وقال لها: "أنا الشاعر الجهنميُّ الرؤى، جعلتِ مني شاعراً حنوناً صافياً هادئاً، فأنا مدين لك سبع مرات".

مِن الثائر على النساء اللواتي سمّاهنّ "أفاعي الفردوس" إلى الحنون الهادئ الصافي في "نداء القلب" و"الى الأبد".

هي هذه، في هيولاها، ولادةُ الشاعر الحقيقية: في الحبّ الذي يأتي متأخراً ليمحو كلّ ما قبله ويبقى إلى آخر العمر، في الحبيبة التي تَخترق الحجُب لتجيب نداء القلب، وفي الزمن الذي يَجرؤ، يكسر القضبان ويَجرؤ، فيخفُت نقيق المجتمع في المستنقعات الآسنة، ويقوى صوت الشاعر فيستديْم جيلاً بعد جيل: قصائدُه خبزٌ للجائعين إلى الحب، وماءٌ للعطاش إلى الحياة.

هكذا جرؤ الياس أبو شبكة. وبهذا يبقى اليوم شاعراً متفرّداً، وتبقى لشعره نكهةٌ خاصة لا تعادلُها إلاّ لحظةُ الحب الممنوع تنبض في قلب امرأة عاشقة.

***

مقالات كثيرةٌ صدرَت عنه وتحقيقات، كتب ودراسات، آراء ومُحاضرات، مسرحٌ وندوات، أفكار وأطروحات، تكهُّنٌ وتنظيرات، حتّى لكأنه شعراء تجمهروا في شاعر.

كلما خلناه اتخذ مكانه على رفّ الكتب وهدأ، نجده لا يزال بيننا يشقع معنا الكتب ولا يهدأ.

حين التقيتُ غلواء للمرة الأُولى (1974) حاورتُها استنطاقاً وذكريات. انتهى ذاك اللقاء الأول، ومعه انتهت الذكريات جميعاً، ولم تعد لقاءاتي التالية بها سوى تكرار.

وحين التقيتُ ليلى للمرة الأُولى (1975) حاورتُها استنطاقاً وذكريات، ولم ينته اللقاء الأول ولا انتهت الذكريات. كانت لديها، في كلّ لقاءٍ جديد، ضوءٌ جديد تسديه إلَيّ، ولم تنته أضواؤها حتى انتهى الضوء في عينيها وسكت قلبها الى الأبد (سنة 2001). طوبى لشاعر يسكن ذكريات حبيبته، لأنه يسكن الـ"ما بعد" حياً فيه أكثر من الـ"ما كان".

في 27 كانون الثاني 1947 حمل الياس أبو شبكة حقائبه وغادر. قبل نحو عامين ولادتي. وإذا به الشاعر الذي طبعني، شعراً وسيرة حب، ولا أزال، في كل ما أكتب عنه أو أخطب، أشعر أنني أفيه بعضَ دَينه عليّ، أن يكون وفائي بقصّةٍ عنه روَتْها لي جدتي ذات ليلة من ليالي طفولتي، غيَّرت مَجرى حياتي وحوّلتْني إلى حِرفة الأدب.

ويكون أنه كاتب غزير الإنتاج. ومَخاضه في النثر لا يختلف عن مَخاضه في الشّعر: كلاهما مَحفوف بالألم والشغف ومتعة الخلق. كأنما علامتهم، هؤلاء الشعراء الكبار، أن يصوغوا نثرهم بنُسْغ الشّعر فيظلَّ النثر عندهم نثراً فنياً، ويظلّ شعرهم شعراً، ولا يقال إن هذا النثر ارتقى إلى مستوى الشّعر، لأن هذه إهانة للنثر كما لو ان النثر ليس فناً عظيماً بذاته، ولا يقال إن هذا الشّعر منثور، لأن الشّعر والنثر فنان فاخران، ويا لنعمة من تَمنحه الحياة حظّ أن يُبدع في كليهما.

ويوشّح نثرَهُ حسّ نابض بالسخرية، في براعة كاريكاتورية لاذعة، تدحض ما قاله عنه بطرس البستاني: "لم يكن ابتسامه أو ضحكه يخلوان من مرارة. ولا أذكر أنني رأيته مرة واحدة يضحك ملء فيه، ضحكة غبطة وارتياح". فالذين عرفوا أبو شبكة جيداً، يروون أنه كان ساخراً، مُمتلئاً حياةً ومرحاً وفكاهة، في "نتعاتٍ" باسمة أو ضاحكة تنمُّ عن تَملُّك بالحبكة الساخرة من جذورها الراسخة.

والناثر الصحافيّ فيه لم يؤثّر على الشاعر. وإذا كان صحيحاً أن "الصحافة تقضم أصابع الشاعر"، فأبو شبكة، رغم غزارته المذهلة في الكتابات الصحافية، أنقذ أصابعه من القضم والقرض والحريق، فظلّ للشعر عنده مكان الزمن السيد، كأنما لقصيدته فعل الفجر الذي يطلّ حين تأزف لحظتُه مهما تكثّفت حجب الليل وطال بزوغ الصباح.

لافتة تلك الغزارة لديه. فلو أحصينا عدد مقالاته قياساً على حياته القصيرة، لشعرنا كأنه لم يتوقّف يوماً واحداً عن الكتابة. وهذه ظاهرة لا يؤتاها كثيرون. عند غياب عاصي الرحباني (21 حزيران 1986) اتصلتُ بمحمد عبدالوهاب أسأله شهادة في عاصي فأجابني: "عاصي كان أكثر مني إنتاجاً، مع أنني حين بدأت، كان لا يزال طفلاً. عاصي لم يكن يتوقّف عن التلحين. كان يلحّن وهو يأكل، يلحّن وهو يقود سيارته، يلحّن وهو يتحدّث معنا ويدخّن، يلحّن وهو يمشي، يلحّن وهو يصغي، كأنّ فيه طاحونة تلحين لا تتوقّف".

هذا القول ينطبق تماماً على الياس أبو شبكة. وأذكر، بين كثير ما قالته لي غلواء في لقائي الأول بها، أنه لم يكن يغادر طاولة الكتابة ليلاً أو نهاراً: يكتب حين يعود من بيروت بعد الظهر، يكتب في السهرة، يكتب في الليل، يكتب في الزوق، يكتب في ميروبا، يكتب في حراجل، أتركه يكتب لأروح إلى زيارة في الزوق وأعود فأَراه لا يزال يكتب".

مقالاته تميزت بثقافة واسعة. لم يكن يكتفي بأن يكتبَ متابعةً لحدث، أو رأياً في حادثة أو كتاب، أو تعليقاً على موضوع في مقاله (ومقاله بناءٌ فني كامل) بل ينسج له معلومات واستشهادات وخلفيات تجعل التغطية غنية بما يعادلها من شحنات ثقافية حولها، وما يغْني القارئ حتى لا يعود اهتمامه بموضوع الموضوع بل بما يقطفه من ثقافة لقراءة المقال.

***

وتتجلّى لديه نزعة واضحة (وكم معه حق!) الى "الأدب الحيّ". فالـ"أنا" عند أبو شبكة (ويا ألف عافاه) ملازمةٌ "الآخر". لا "آخَر" في كتاباته من دون "أنا"هُ محوراً وانطلاقاً ومآلاً. وليسمح لنا الأخ بليز باسكال الذي كتب في لحظة تواضع أن الـ"أنا مكروهة". ليس من أدب حيّ إلاّ و"أنا" الأديب هي فيه الضوء، وما عداها ظلال حولها وخيالات. وليست مصادفةً أن تكون أكثر الكتب مبيعاً وطلباً في العالم هي كتب السِّيَر: الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) أو الغيرية (البيوغرافيا)، لأن القارئ يحب أن يشعر بالكاتب ماثلاً أمامه لا متستِّراً خلف ضمير الغائب أو المخاطب. ولعلّ الضمير الوجداني، في ذاته، لا يكون ضميراً إلاّ حين يكون ضميرَ المتكلّم.

بهذا يؤرّخ أبو شبكة صفحة مشرقةً في أدبنا: صفحة المذكرات أو اليوميات أو السيرة الذاتية، صفحة حية لأدب حيّ، كأنما أفضل مَن كَتَبَ عن أبو شبكة ويكتب وسيكتب: كاتب واحد اسمه الياس أبو شبكة، شِعرُه سيرةُ حياته، ونثرُه سيرةُ حياته، لأنه جعل حياته استشهاداً حياً معيوشاً لما أراد أن يقوله في نثره والشعر.

كاتب واحد اسمه الياس أبو شبكة. واحد بصورة المتعدد. اسمُ جمعٍ بلفظة المفرد. شعراء وأدباء اسمهم الياس أبو شبكة، مزيج من قيس ليلى وحذاقة الجاحظ، من موليير اللاذع ولامرتين الحالم، من هوغو العبقري وبودلير الشقيّ.

ماذا يبقى اليوم من الياس أبو شبكة؟

يبقى ذاك الذي غاب قبل 63 سنة، وظنّناه اتخذ مكانه على رفّ الكتب وهدأ، فإذا به لا يزال بيننا، دائماً بيننا، يشقع معنا الكتب، نتعب نحن وهو ولا يهدأ.

وهذه علامة الخالدين.

 

هنري زغيب

email@henrizoghaib.com

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.