3

:: بعض ملامح العلمانية في الدولتين الأموية والعباسية ::

   
 

التاريخ : 11/12/2009

الكاتب : عطية مسُّوح   عدد القراءات : 1861

 


  

بعض ملامح العلمانية في الدولتين الأموية والعباسية

عطية مسُّوح

 

 

لا نقرأ الماضي من أجل الماضي.

ولا نقرؤه ليكون قدوة لنا، ولا لنبحث فيه عن حلول لمشكلاتنا المعاصرة. لو فعلنا ذلك لوقعنا في الماضوية، وكنا رجعيين.

نقرأ الماضي من أجل الحاضر، وحين نبحث عن ملامح علمانية في تاريخنا العربي الإسلامي وتراثنا الفكري، فلكي نصل إلى أن العلمانية يمكن أن تتحقق في واقعنا، وان تكون مقبولة من جماهير واسعة. فكما أن ملامحها ظهرت ومورست عملياً في العصور العربية الإسلامية القديمة دون أن تلحق الأذى بالدين والإيمان، بل كانت دافعاً لنهوض المجتمع وقوة الدولة ورضا المحكومين، كذلك اليوم، يمكن للعلمانية إن تكون طريقاً للنهوض والقوة والرضا، ووضعاً للمقاومة في إطار مجتمعي واسع يضمن لها المزيد من عوامل الاستمرارية والفاعلية.

ويزيد قناعتنا بضرورة العلمانية ما نسمعه كل يوم من آراء أو فتاوى تكفيرية، وما نلمسه من ممارسات تنسب نفسها إلى الدين، وهي تقوم على تفسيرات واجتهادات ومصالح لا علاقة لها بسماحة الدين، وبنزعة الرحمة والتواصل التي كرسها، ولا صلة لها بحرية الاعتقاد التي أكدتها آيات واضحة الدلالة وممارسات الأنبياء والصالحين والكثير من أولي الأمر في العصور السالفة.

ولعل أهم نقطة نرغب في أن يصل إليها بحثنا هذا، هي أن نزعة التعصب ورفض الآخر، في أي دين أو مذهب، ليست ملائمة لنهوض المجتمع وقوته، كما أنها لا تصلح لإدارة مجتمع متنوع وتعددي كالمجتمع العربي، ولا تتناسب مع إيقاعات عصرنا ومقولات الفكر السياسي الذي غدت فيه حرية الفرد نوعاً من المقدسات، والتساوي بين أبناء الأمة وفئاتها المتنوعة هدفاً وطموحاً، برغم كل ما نشهده من تطاول على حرية الشعوب واستباحة للكثير من حقوق الإنسان على أيدي الساسة الأميركيين والصهاينة وبعض الإدارات الأوروبية، والكثير من الحكام العرب.

وفي هذا المجال يمكن للمدقق أن يرى أن الدور السلبي للتكفيريين والمتعصبين الرافضين الآخر المختلف، لا يقل ضرراً عن دور أعداء الأمة الخارجيين، بل انه الجناح الآخر الذي يحلق به طائر العنف والرجعية المشؤوم. وقد يجد المدقق أن للإمبريالية والصهيونية والحكام المستبدين مصلحة في وجود القوى الظلامية التكفيرية التي تنشر في المجتمع الهشاشة والتمزق والضعف، وتجعله مجتمعاً قابلاً للاختراق من الخارج.

إن نظرة تاريخية شاملة قد تدفع إلى الاعتقاد بأن أي مجتمع، وفي أي عصر مضى، لم ينهض نهوضاً حقيقياً إلا بالنهج العلماني، وإذا كان مثال أوروبا في العصر الحديث واضحاً وحاضراً في الأذهان فان المثال العربي في عصور سالفة يؤكد صحة ما قلناه. فالدولة العربية الإسلامية في العهدين الأموي والعباسي، وقد حققت ما حققته من نهوض، وصارت في بعض المراحل مركز الإشعاع العالمي وأكبر قوة دولية، لم تكن دولة دينية بالمعنى الذي تدعو إليه بعض القوى في أيامنا، بل كانت دولة واقعية دنيوية بالمعنى الذي تتضمنه العلمانية الحديثة فيما تتضمن.

وإذا كانت العلمانية الحديثة هي بنت عصر النهضة الأوروبي وفكره السياسي بدءاً من القرن السادس عشر الى اليوم، فهذا لا ينفي أن ملامح علمانية متنوعة قد عرفت فيما قبل، وخاصة في المجتمعات الناهضة.

وقبل أن نعرض للقارئ بعض ملامح العلمانية التي مورست في الدولة العربية الإسلامية في العهدين الأموي والعباسي، لابدَّ من تأكيد فكرة ما تزال تحتاج إلى التأكيد، وهي أن العلمانية لا تعني الإلحاد، ولا الموقف السلبي من الدين والتدين، فالعلمانية تعني الاهتمام بالعالم، أي بالدنيا، أي بالواقع، تعني (دَنْيَوَة) الممارسة السياسية والإدارية في المجتمع، والفصل بين مجالي الحكم والإدارة، والدين والعبادة.

ولعل هذا الفصل لا يتناقض مع الدين حتى حين نقول إن الدين الإسلامي تطرق لبعض مسائل الحكم والإدارة. فكثير من الباحثين الدينيين يميزون بين أحكام تتعلق بالعبادة والإيمان وأحكام تتعلق بالحياة الدنيا، أي بالواقع. والواقع دؤوب في تطوره وتبدله، ولابدَّ من تبدل الأحكام مع تبدل الأزمان.

ولعل تأكيد الرسول العربي الكريم إن الناس أدرى بشؤون دنياهم، يفتح المجال للبحث باستمرار عن صيغ للعيش وإدارة شؤون المجتمع وفق الحاجة ومتطلبات الواقع المتبدل.

في الدولة الأموية

والذي سنركز عليه هنا، هو أن الممارسة السياسية كانت مستقلة عن الاعتبارات الدينية، استقلالاً يكبر أو يصغر وفق حاجة الحكم ومصالح الدولة كما يراها الحاكم.

صحيح أن العلمانية بمعناها الحديث لم تكن معروفة في ذلك الزمن، غير أن سير الخلفاء وممارستهم السياسية والإدارية تدل على أنها كانت منهج حكم لا مجرد مظاهر متفرقة، وان الرابطة الدينية كانت تراعى حين تخدم مصالح الحاكمين، بينما تتقدم عليها الروابط الأخرى من قبلية وعائلية وروابط الولاء الشخصي في كثير من الأحيان. وقد تكون بداية هذا النهج مع الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان، الذي جاءت ممارسته السياسية حصيلة لامتزاج مفاهيمه الدينية ورؤيته الواقعية. فإقليم الشام المتنوع دينياً ومذهبياً وعرقياً، والمتقدم ثقافياً، والمحتضِن للثقافة اليونانية والفكر السياسي اليوناني والروماني، لم يكن ليحكم كما تحكم الجزيرة العربية. لذلك نجد معاوية لا يقيم نظام حكمه على أساس الولاء الديني والاعتماد على المسلمين فقط، بل يقيمه على أساس الولاء السياسي، ويعتمد على غير المسلمين وخاصة النصارى الذين كانوا أكثر سكان إقليم الشام في زمن معاوية. أكدت ذلك مصادر عديدة وباحثون كثر، وقد جاء في (تاريخ العرب) لفيليب حتى وآخرين ما يلي:

"ولقد اعتمد معاوية في توطيد عرشه وتوسيع الفتوح الإسلامية على أهل الشام وسوادهم الأعظم يومئذ نصارى". (1)

ويؤكد أحمد أمين في كتابه (ضحى الإسلام) أن: "قصور الخلفاء الأمويين في دمشق كان فيها نصارى يتولون مناصب كبيرة. من ذلك إن يحيى الدمشقي - يوحنا - الذي كان نصرانياً شديد التمسك بنصرانيته، عمل هو وأبوه في قصر عبد الملك بن مروان".  (2)

أما ما يؤكد اهتمام الأمويين بمصالح الحكم واستتباب أمن النظام أكثر من اهتمامهم بالدين والشريعة، فهو تفكيرهم الدائم بأمور الدنيا والحياة. وإذا كان ثمة اختلاف أساسي بين السياسة والدين، انطلاقاً من أن السياسة هي فن الممكن كما يقولون، وإنها ذرائعية تتبدل وفق المصالح، بينما الدين مبدأ حياة ومجموعة قيم راسخة، فان الممارسة السياسية لمعظم الخلفاء الأمويين، كانت تنطلق من مصالح الحكم واعتباراته لا من مصالح الدين وقيمه. ولعل وصية معاوية إلى ابنه يزيد تدل على الكثير من ذلك. يقول د. حسن إبراهيم حسن في كتابه الكبير (تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي):

"لما مرض معاوية مرض الموت أوصى ابنه يزيد وصية تدل على سداد رأيه وخبرته بالأمور ومعرفته بالرجال. فقال له: انظر إلى أهل الحجاز فهم أصلك وعترتك، فمن أتاك منهم فأكرمه، ومن قعد عنك فتعاهده. وانظر إلى أهل العراق، فإن سألوك عزل عامل كل يوم فاعزله، فان عزل عامل واحد أهون من سلِّ مئة ألف سيف لا تدري على من تكون الدائرة. ثم انظر إلى أهل الشام فاجعلهم الشعار دون الدثار، فان رابك من عدوك ريب فارْمِه بهم. ثم اردد أهل الشام إلى بلدهم ولا يقيموا في غيره فيتأدبوا بغير أدبهم. لست أخاف عليك إلا ثلاثة: الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر. فأما الحسين بن علي فأرجو أن يكفيكه الله فانه قتل أباه وخذل أخاه، وأما ابن الزبير فانه خبٌ ضبّ (أي داهية) فان ظفرت به فقطعه إربً. وأما ابن عمر فانه رجل قد وقذه (أي غلبه) الورع، فخلّ بينه وبين آخرته يخلّ بينك وبين دنياك". (3)

ويقودنا تحليل هذه الوصية إلى الاستنتاجات التالية:

·       التمسك بقيم يفترض إن الإسلام قد أزالها من نفوس الناس، أو على الأقل من نفوس أولي الأمر (الخليفة)، وفي مقدمتها تقديم الانتماء القبلي على الانتماء الديني "أهل الحجاز هم أصلك وعترتك".

·       انتهاج الذرائعية السياسية، وقد عرف معاوية بأنه رائد في ممارستها، والحرص على اكتساب ود الناس من خلال ممارسة شعبوية بعيدة عن المبادئ (الموقف من أهل العراق ومن أهل الشام).

·       التعامل مع الخصوم حسب مقتضى الحال، وذلك في الموقف من الحسين وابن الزبير، دون حساب لانتماء الأول إلى البيت النبوي، ولكون الثاني من الصحابة.

·       ترك الدين للمتديِّن يفعل به ما يشاء، والانصراف إلى أمور الدنيا واستقرار الحكم (الموقف من عبد لله بن عمر).

وصية معاوية هذه أنموذج لفصل الدين عن الدولة والسياسة. لكن الموقف الأكثر جلاء هو موقف الخليفة الأموي القوي والمتابع الأمين لنهج معاوية في بناء الدولة عبد الملك بن مروان. فقد ذكرت مصادر تاريخية عديدة، منها (تاريخ الخلفاء) للسيوطي إن (الأمر- أي الخلافة - أفضى إلى عبد الملك والمصحف في حجره فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك). (4)

لم يخرج الخليفة القرآن من حياته الشخصية، ولا من حياة المجتمع، بل أخرجه من أمور السياسة وإدارة البلاد والتصرف حيال التنوع الكبير في الدولة المترامية الأطراف، وفي مرحلة معقدة لا يمكن أن تدار السياسة فيها اعتماداً على نصوص ثابتة مهما تكن مقدسة. أما في الممارسة العملية فقد سار عبد الملك على نهج معاوية معتمدا القوة حينا (قتل ابن الزبير وإرسال الحجاج إلى الحجاز وضرب الكعبة) (5) وإيقاظ الروابط القبلية لتوطيد حكمه أو لتفريق خصومه حينا آخر، وكسب ود النصارى والإفادة منهم في تصريف شؤون البلاد.

ومن هنا يجد الباحث إن القبائل العربية المسيحية في الشام كانت سنداً لبني أمية، الذين صاهروهم وأمنوا إليهم وأغدقوا عليهم الأموال.  (6)

ولم يكن الحكم الأموي في الأندلس بعيداً عن هذه الممارسة القائمة على فصل الشؤون الدينية عن الدنيوية، فقد "منح عبد الرحمن الثاني وغيره من الأمراء الأمويين أهل بلاد الأندلس الحرية لإقامة شعائرهم الدينية، وكثيراً ما حارب المسيحيون مع المسلمين جنباً إلى جنب، كما كانوا يعينون في أرقى المناصب الحربية والسياسية". (7)

إن مثل هذا السلوك تجاه غير المسلمين يتجاوز مبدأ التسامح الديني الذي يقر بحقهم في التدين وممارسة الشعائر، ويصل إلى إشراكهم في الحياة السياسية والاجتماعية بوصفهم مواطنين، برغم أن مفهوم المواطنة لم يكن معروفاً لدى العرب وغيرهم في ذلك الزمن.

كل ما ذكرناه جعل الكثير من الباحثين المعاصرين يستنتجون أن الدولة الأموية لم تكن دولة دينية، وأن الخلافة كانت موقعاً سياسياً أكثر مما كانت موقعاً دينياً، وهذا مثلاً ما ذهب إليه الباحث د. سليمان حريتاني بقوله عن العصرين الأموي والعباسي: "لذلك نستطيع أن نقول بكل اطمئنان إن الخلافة التي نعتت بالإسلامية ما هي إلا خلافة عربية قرشية إسلاموية". (7)

في العصر العباسي

وإذا انتقلنا إلى العصر العباسي، فسوف نجد الصورة ذاتها، بل سنلحظ تطور مظاهر العلمانية وتناميها. فقد خرج سلوك معظم الخلفاء عن كل المقاييس الدينية، وصار قصر الخليفة في كثير من الأحيان مقراً للجواري والقيان، ومركزاً للغناء والعبث. وامتدت هذه الصورة إلى المجتمع كله فكانت الخمارات ودور اللهو والغناء تنتشر في العاصمة بغداد وغيرها من المدن والحواضر انتشاراً كبيراً، وانعكس ذلك انعكاساً ايجابياً على الشعر والغناء والفنون في ذلك العصر.

أما على الصعيد الفكري، فقد ظهرت حركات دينية متنوعة، وجد فيها المتزمتون كفراً وارتداداً وزندقة، ولكنها كانت تعمل وسط هامش واسع من الحرية، وتعبر عن نفسها في المساجد والمجالس المختلفة. كما ظهرت حركات فلسفية تأثرت بالثقافة غير الإسلامية كاليونانية والسريانية، بل وأكثر من ذلك، فقد ظهرت شخصيات ثقافية وعلمية مرموقة، ترفض الدين وتدعو بطرق مختلفة إلى أفكار لا دينية، ولم يكن السيف دائما هو الحكم أو الحجة أو البرهان، بل كان الفكر والحوار في كثير من الأحيان ناظماً للعلاقة بين التيارات المختلفة. وعلى سبيل المثال فقد ناقش الكثيرون أفكار أبي بكر الرازي، ويذكر حسين مروة في بحثه الكبير (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية) عدداً منهم، ويقول معلّقاً على بعض حواراتهم:

"ونلحظ في معظم مناقشات هؤلاء المؤلفين وصْفَهم أبا بكر الرازي بالملحد، كما نلحظ لهجة الانفعال والتشنج تسود أسلوب البعض في هذه المناقشات".(9)

ولم يكن الإلحاد نادراً أو غير منظور، وكان ينظر إليه على انه مظهر من مظاهر الزندقة التي كانت متعددة الأشكال والأسباب والألوان، وواسعة الانتشار في العصر العباسي. وعن أسبابها وأنواعها تحدث أحمد أمين حديثاً مستفيضاً وصل في نهايته إلى أن من هذه الأسباب: الشك، واعتماد العقل، والسير بهما إلى أقصى حدودهما:

"... وقوم دعاهم إلى الزندقة شك في الأديان، والقول بسلطان العقل، فهم لا يريدون أن يؤمنوا إلا بما يرون بأعينهم، ويحكِّمون العقل حتى فيما ليس للعقل فيه مجال، فنبذوا الأديان جملة ودعوا إلى الإلحاد". (10)

وتقصّى احمد أمين في دراسته تاريخ الفكر العربي الإسلامي كل أشكال التلاقح الفكري في العصر العباسي، ووجد في هذا التلاقح محركاً لتطور الفكر ونهوضه، فتمازج الأجناس البشرية ضمن الدائرة الإسلامية ولد تمازجاً فكرياً وعقلياً، أدى إلى تطور في الفكر الإسلامي ذاته، أي إن الفكر الإسلامي السائد في العصر العباسي لم يكن في الحقيقة فكراً إسلامياً أصولياً أو تقليدياً، أي ليس هو فكر الدين كما بدأ، ولا هو فكر الصحابة والتابعين، بل هو نتاج ذلك التلاقح الواسع بين ثقافات مختلفة. ولعل التطور الذي طرأ على الفكر الإسلامي في هذا المجال هو نتيجة طبيعية لجدل الفكر والواقع. فالواقع المتبدل لا بد أن يؤثر في الأفكار التي قد يظن بعضهم إنها ثابتة، وهو في الوقت ذاته نتيجة لجدل الفكر والفكر، فالفكر يتطور من خلال علاقة التأثر والتأثير مع الأفكار الأخرى، وهذا ما انتشر في العصر العباسي.

هذا التأثر والتأثير، وهذا التطور الذي يعكس تبدلات الواقع هو مزية الفكر الأولى، فالفكر الذي لا يتأثر بغيره لا يمكن أن يكون مؤثراً، والفكر الذي لا يعكس تبدلات الواقع يتحجّر ويكف عن الفعل ويخرج من الحياة.

ولعل ما حافظ على فاعلية الفكر الإسلامي هذه المرونة التي تحلّى بها في العصر العباسي، والتي وصفها أحمد أمين بقوله: "وكما كان هناك توليد بين الأجسام كان هناك توليد عقلي. فعقول الناس من الأمم المختلفة كان يتناوبها اللقاح. فالفارسي يحمل عقلاً فارسياً ثم يعتنق الإسلام ويتعلم العربية فينشأ مزيجٌ من العقلين تتولد منه أفكار جديدة ومعان جديدة. واليوناني النصراني أو الرومي النصراني أو العراقي اليهودي يخالط العربي المسلم ويتبادلان الرأي والقصص والفكرة، فينشأ من ذلك فكر جديد". (11)

ولعل من يتابع قراءة واقع الدولة في العصر العباسي بدقة، يجد أن الدين لم يكن أكثر من عنوان لتلك الدولة، أما الممارسة السياسة والحياة اليومية فكانتا متحررتين من القيود الدينية، يؤكد ذلك أمران:

الأول: قصور عدد كبير من الخلفاء، ومنهم خلفاء على درجة كبيرة من الأهمية التاريخية. فتلك القصور شهدت من ألوان الترف وصور اللهو ما لا يقبله الدين. وعلى سبيل المثال، فان مجلس الخليفة هارون الرشيد كان يضم المغنين والراقصات، وتدور فيه الخمرة بحرية، يتعاطاها الحاضرون ومنهم الخليفة ذاته. وقد صور المؤرخ المسعودي، صاحب (مروج الذهب) بعض جلسات اللهو في قصر الرشيد في أكثر من موضع من كتابه. ومما قاله: "وجمع الرشيد ذات يوم المغنين، فلم يبق أحد من الرؤساء إلا حضر، وكنت منهم، وحضر مسكين المدني، وهو مغن نابغ، فاقترح الرشيد، وقد عمل فيه النبيذ، صوتا...". (12)

ويذكر الباحث د. سليمان حريتاني في كتابه (الجواري والقيان) إن بعض الخلفاء كانوا يبالغون في اقتناء الجواري وفي المال الذي يدفعونه ثمناً لهن: "حتى أن بعضهم جمع في قصره آلاف الجواري ينفق عليهن ما يكفي للإنفاق على خمسين ألف مسلم، فلقد قيل إنه كان للرشيد ألفا جارية". (13)

الثاني: وجود تيار واسع يعيش حياة لهو وترف بعيداً عن الدين ودعواته وقيمه، عبر عنه الشعر والسرد الأدبي الشعبي الذي ظهر في تلك الحقبة أو صورها، دون أن تُمسَّ حريته. ومن أبرز رموز هذا التيار الشاعر أبو نواس الذي كان مقرباً من ثلاثة خلفاء عباسيين، والذي حمل شعره تنظيراً لحياة اللهو المجون، ورداً على دعوات المتدينين أو رجال الدين له ولأمثاله بالكف عن اللهو، كما في قصيدته:

دع عنك لـومي فان اللـّوم إغراء    وداوني   بالتي كـانت هي الـدَّاء

لقد قبل العصر العباسي من خلفائه إلى ولاته إلى سواد الناس فيه وجود تيارات فلسفية وأدبية متنوعة، ووجود زنادقة وملحدين ورقاق دين (رقيق الدين هو المؤمن الذي لا يمارس طقوسه ولا يتقيد بإحكامه). ولم يكن احد من هؤلاء يُمَسُّ بسوء إلا إذا شكّل تهديداً للسلطة أو تعارض سياسياً مع الخليفة أو الوالي.

وإذا كانت تلك المظاهر والملامح لا تكفي للقول بوجود علمانية حقيقية حسب مفهومنا الراهن عن العلمانية، في العصرين الأموي والعباسي، فان ما يمكن قوله هو أن العلمانية بمعناها الحديث ومحتوياتها الراهنة، هي بنت النظام الرأسمالي الأوربي الذي قام على فصل الدين عن الدولة والتعليم والسياسة، انطلاقاً من أن هذا الفصل يجعله قادراً على التغلب على الإقطاع الذي ساندته الكنيسة واندمجت فيه.

غير أن ما نبحث فيه هو أن بعض مظاهر العلمانية وُجدت في ذلك الزمن الذي شهد نهوضاً عربياً كبيراً، وان الكثير من الخلفاء فصلوا في ممارساتهم العملية بين الدين والدولة إلى الدرجة التي يتحملها المجتمع ومصلحة النظام السياسي الذي كان الرداء الديني يقويه ويعزز شرعيته بين الناس.

ولعل ما قلناه يوصل إلى النتيجة التي نود الوصول إليها، وهي أن العلمانية ليست غريبة عن تاريخنا، ولا هي مجرد فكر سياسي مستورد من الغرب، ولا هي دعوة إلى الإلحاد كما يصورها خصومها في مجتمعنا، بل هي وسيلة المجتمع إلى التقدم، وبالتالي يمكن لنا، بل يفيدنا، أن نطبق مبادئها العامة فنسير نحو تحقيق مبدأ المواطنة الذي يساوي بين أبناء الأمة على اختلاف أديانهم وأنسابهم ومعتقداتهم السياسية، فنؤسس بذلك لنهوض جديد لا يمكن تحقيقه، كما أثبتت التجارب، إلا بالفصل بين الدين الذي له مجاله والدولة التي لها مهماتها.

 

الهوامش

1-حتّي، جرجي، جبور: تاريخ العرب/ ج 1/ ص257 /ط3 /1961/ دار الكشاف /بيروت.

2- احمد أمين: ضحى الإسلام/ ج1/ ص 364/ الهيئة المصرية للكتاب 1977

3- د.حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام/ ج2/ ص233/ دار الجيل بيروت /ط 13/1991

4- جلال الدين السيوطي: تاريخ الخلفاء/ ط1/ المكتبة التجارية – القاهرة – 217 / بلا تاريخ

5-المصدر السابق /ص215/

6-د. إحسان النص: العصبية القبلية وأثرها في الشعر الأموي/ دار اليقظة العربية – بيروت /ص 243 وما بعدها/ بلا تاريخ

7- د. حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام /ج2 / ص194/

8- د. سليمان حريتاني: توظيف المحرم /ط 1/دار الحصاد دمشق 2000

9- د.حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية/ ج2/ دار الفارابي/ بيروت/ 1979

10- أحمد أمين:  ضحى الإسلام/ج1/ ص70

11-أحمد أمين:  ضحى الإسلام /ج1/ ص32

12- د. حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام/ ج2/ ص 241

13- د. سليمان حريتاني: الجواري والقيان / ط1/1977 / دار الحصاد –دمشق/ ص92

 *********************************************

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.