3

:: لماذا أُحِبُّ؟ ::

   
 

التاريخ : 16/10/2009

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 1267

 


 

لماذا أُحِبُّ؟

إيلي مارون خليل

 

 

       لماذا أُحِبُّ!؟

              سؤالٌ ينقر في القلب، يعصف في الفكر، يُشَلِّع الكِيانَ كلَّه. ولكن: أمِن جواب؟

              فِعلا: أمِن جواب؟

       تكون تعيش... تُمضي حياتَك هانئًا، مستقرًّا، مطمئنًّا... قلبُك ساكنٌ، فكرُك وادعٌ، كِيانُك متماسِك... تفترضُ أنّك مالكٌ السّعادةَ من وجوهها جميعًا، وفجأةً، "تغدر" بك، كلِّك، امرأةٌ لا تعرفُ كيف أطلّت، ولا من أين، ولا لماذا... إمرأةٌ قد تكونُ رأيتَها. قد تكونُ تعرفُها. قد تكون حدّثتَها. قد تكون... التقَيتَها غيرَ مرّةٍ. بل، ربّما، عشرات، مئات المرّات. في طريق. في منزل. في لقاء. في مناسَبة. ولم تعنِ لك شيئًا. ولم تُثِر انتباهَك. ولا اهتمامَك. ولم تُحرِّض، فيك، ساكِنًا. ولم توحِ إليك. ولم تتشظَّ في وِجدانك. فكيف؟ ولماذا؟ وذات لحظةٍ تراها "تجلّتْ" أمامك، أو "تجلّت" أنثى أخرى، ف"يحترّ" دمُك، تتسارع نبضاتُ قلبِك، تتّسع شرايينُك، تُثار رؤاك... "تنتبه" إلى أنّك قد... أحببت! ويشتعل، فيك، الكِيانُ كلُّه.

 

       وأنتَ، قد تكون بنيتَ، في خيالك، صورةَ امرأةٍ "تريد" أن "تُحِبَّها". ورسمتَ لها، في خَيالِك، صورةً جسديّةً متكاملة: قامةً، شَعرًا، جبينًا، بشَرةً، عينَين، شفتَين، مِشيةً... وصورةً معنويّةً مستَحَبّة: ثقافةً، فَهمًا، نضجًا، رصانةً، لطافةً، حنانًا، عذوبةً... ولكن: أمِن الضّروريّ أن تُحِبَّ مَن "رسمْتَ"؟ أن تستلطفَ مَن "كَوَّنْتَ"؟ وتاليًا: أتجد، حتمًا، تلك الّتي "رسمْتَ"، و"كوّنْتَ"؟ وإن وجدتَها، فهل تشهق، دهشةً وفرحًا وانتصارًا: "هذه هي"! وتقفز معانقًا اللهَ والطّبيعةَ والكائناتِ والكونَ كلَّه؟ ألا يُمكِنُ أن تقول في نفسك: "كان فكري أن تكونَ غيرَ هذه"؟ كأن تبدو الّتي "ظهرتْ"، أمامك، أقلّ جمالاً ممّا "تصوّرتَ"، أقلَّ "جسدانيّةً" ممّا رغبتَ؟ أو أن تكونَ أقلَّ ثقافةً أو نضجًا أو... ف"المِثالُ" أسمى من "الواقع"، و"التَّصَوُّرُ" أرقى من "الإمكانيّة"، و"الوِجدانُ" أبهى من "التُّراب".

 

       يكونُ اطمئنانُك قلِقًا، وأنتَ مُسترخٍ تَوتُّرًا، في مكانٍ ما. كأنّك تتوقّعُ أن تُطِلَّ أنثى مُغايِرة. ألمُغايِرةُ "تنفُضُ" الغبارَ عن فكرك والوِجدان. تُزيل، عن كِيانك، الضّبابَ والرُّطوبة. تُفَجِّر، فيك كلِّك، مكامِنَ الأسرارِ وقمقمَ الطُّيوب. فتشعر بالنَّشوة الكبرى، تجعل ذاتَك تستعدُّ، تعقدُ النّيّةَ على التَّلَقُّف. وإذ "تتجلّى"، بهيّةً، نقيّةً، ملأى، "تتدوزنُ" أوتارُ نفسِك والجسد. تشتعل، فيك، الأسرار، تُشرِقُ، تنتفضُ، جديدًا كالفجر، ملتهبًا كالنّبضة، متدفِّقًا كأحلام المقهورين. فلا "تفارقُك"، و"تلتحم" بها. تعرف، هي، واقعَك، فتزيدك التهابًا. و... تعشقُ، أنت، التهابَك هذا، وسببَه.  

       يكون قلقُك مطمئنًّا، وأنتَ في غفلةٍ ما، تحلُم، واعيًا، رائقَ المزاج، مُلَوَّنَ الفكر، بعيدَ الصُّوَر، عميقَ الأبعاد، ف"تخرج"، من ذهنك، فكرةٌ تتجسَّدُها أنثى "تبتهلُ" إليها الوَداعةُ، أو أنثى تجسِّد فكرةً/حلمًا، ف"ينخضّ" كِيانُك، "يتبلبل" فكرُك، "يرتجُّ" ذِهنُك، ف"تضيع"، تتشتّت، تتناثر أجزاؤكَ، تَغيم رؤاك، وترتبك. تعرف، ولا تعرف. ترى، ولا ترى. تريد، ولا تريد. تتفجّر، فيك، عواصفُ التّغيير الحميم، وتتشظّى ذرّاتُك لا نهائيّةَ القرار. تعرف، هي، واقعَك، ف"تَحُضُّ" كِيانَك، "يُستَحَثُّ" جسدُك، "يتلمّظُ" خيالُك، ف"تعطش"، "تتشقّق" أجزاؤك، تعمُّ الفوضى رؤاك، وتتناثر.

*******

       لماذا أُحبُّ؟ أأستطيع أن أعرف!؟ لكنّي أحدِس: لتتمَّ إنسانيّتي! فالإنسانيّةُ تَناغُمُ الإنسان مع "الآخَر". تَأقلمُه معه: فِكَرًا ورؤى؛ تكاملُه معه: تَنَوُّعَ رغائب، وغِنى طموحات. إنسجامُه معه: خصوبةَ أحلامٍ، وعزمَ إرادات.

       وأحدِسُ: أُحبُّ لأُكمِلَ سيمفونيّةَ الوجود. كلٌّ، من الأنثى والرّجل، آلةُ موسيقى خرساء إن كانت وحيدة، وصمّاء؛ جامدة ومطفَأة. تأتلفُ مع أخرى؟ تتماسَكان وتسموان. تأتلف الآلاتُ بأجمعها؟ فالكونُ أنشودةُ حبٍّ بهيِّ الإيقاع، أنيقِ البوح. ولا نَشاز.

       وأَحدِسُ: لأرتقي! فالحبيبةُ رُقيٌّ يرتقي ويُرَقّي. ألحبيبةُ نورٌ يُشير ويُرشِد. فضيلةٌ طاهرةٌ تَصهرُ وتُطَهِّر. ألحبيبةُ "تحوكُك" على "نَولِها" الجديد: إنسانًا جديدًا، كائنًا مُسامِحًا، غافِرًا، رافعًا من الواقع البشع، أو العاديّ، إلى الأسمى، "الواقعِ" الجديدِ المِثاليّ.

       أحدِسُ، بعدُ. أُحبُّ لأكونَ أقربَ إلى الكمال. ألحبُّ أعجوبيُّ الدَّفْع. خارقُ الحزم. صَلبُ الإرادة. مشتعِلُ الرَّغبة. متجدِّدٌ يُجَدِّد.

       ألحبُّ، اسمُ الله على الأرض، وظلُّه. فحين يكون اسمُ اللهِ حاضرًا، في الأرض، تكون الأرضُ ظلَّ السّماء، وجنّتَها الفردوسيّة. إنّ اللهَ حبُّ كاملٌ، مطلَق. لا نُقصان في الكامل، ولا ركاكة في المطلَق. وتاليًا، فالعاشِقُ ذو قلبٍ فردوسيٍّ مطلَق. ذو قلبٍ ينهدُ، أبدًا، إلى الكمال الشّخصيّ، الثُّنائيِّ مع الحبيبة، والجَماعيِّ مع الإنسانيّة جَمعاء.

       والحبُّ لا يتّجه اتّجاهًا أحَاديًّا. إنّه في الاتّجاهات كلِّها، وفي الوقت عينِه. ألمرأةُ حبٌّ. ألرّجلُ حبٌّ. ألزّواجُ، الأبناءُ، الأهل، الأصدقاء، الزُّملاء... ألطّبيعةُ حبٌّ. ألشّجر، البحر، النّهر، الزّهر، العطرُ، التُّراب، الطّيور، الهواء، المطر، اللون، الفنّ... والعملُ حبٌّ، مهما كان. فالإنسانُ عاشقٌ معشوقٌ معًا. ولذا، متى تكامل الجميعُ، وانسجموا تمامًا، بدت البشريّةُ سيمفونيّةَ الرّجاء، أنشودةَ الخير، صفاءَ النَّقاء.

*******

       متى أحببتَ، حقًّا، فأنتَ اسمُ اللهِ وظلُّه. وإلاّ، فلِمَ أنتَ على صورته كمِثاله!؟

       إنّ الإنسانَ على صورة الله، ليشتاقَ واحدُهما إلى الآخر. يشتاقُ اللهُ إلى الإنسان، هو يُحبُّه، ويريد أن يرفعَه إليه. ويشتاقُ الإنسانُ إلى الله، يريد أن يرتفعَ إليه، ولا يكون ذلك، إلاّ بالحبِّ، "نعتِ اللهِ الأوّل"! و... يحسُن أن يكونَ نعتَ الإنسان الأوّل، في الوقت نفسِه.  

ألثّلاثاء 6/10/2009

                                                                                    

 

 

 
   
 

التعليقات : 7

.

25/10/2009

انا-ماريا ضو

الحب نعمة... هدية لا غنى عنها...

مقالة جسدّت الحب بكلّ معانيه...

 


.

19/10/2009

إيلي

أشكركَِ سيّدي(سيّدتيِ)amal n.) تنويهك بمقالاتي يُثبِتني في خطّي هذا: فكرًا وأسلوبًا. آمل أن أكون، دائمًا، على قدر الأمنيات.

 محبّتي

 


.

19/10/2009

إيلي

سيّدتي الفاضلة ميرفت، تحيّة طيّبة وبعد لا تأخُّر في المشاركة! ألمشاركة هي عمل نفسيّ، فكريّ، وجدانيّ، غنيّ، حميم... كلمتُك الطّيّبة حافز جديد... أرجو أن أستمرّ على قدر الطّموح...

... والإنسانُ محبّة!

 مع تحيّاتي

 


.

19/10/2009

ميرفت سرحان

ولو جاء تعليقي متأخراً  فيسرني أن أشارك.

المحبة هي أثمن شي في هذه الدنيا ولأن الله زرع فينا هذه الوردة البيضاء فعلينا نحن البشر على الدوام أن نحافظ على جمالية هذه الكلمة لما تحمله من معاني سامية. 

فما أجمل كلامك وما أجمل وضع كلمة الله وربطها بهذه الكلمات، فمثلما تفضلت السيدة سوزان ضو صايغ وقالت الله محبة فما أجمل ان ننطلق من هذه الكلمة .

ولك احترامي

 


.

19/10/2009

amal n

أعلن بوضوح: (جماليا) موقع حر، غني، يفتح الآفاق واسعة أمام القراء... أهنّئكم من كل قلبي. وأنوّه بعد بكتّابه وخصوصا الأستاذ إيلي مارون خليل، لا أعرفه إلاّ من مؤلّفاته وكتاباته هنا وفي بعض المجلات أو الجرائد أحيانا. موضوعه الأسبوع الماضي راق وموضوعه هذا إنسانيّ فيه ذوب ذات ووجدان.. أمّا أسلوب هذا الأديب  ففريد.


.

18/10/2009

إيلي

سيّدتي الأديبة سوزانّ! تحيّة محبّة! آمل أن يكون الإنسانُ، أيضا، بما هو صورةُ الله، محبّة... إذًا لانتفت البشاعة، بأشكالها وبمشكلاتها، من الكون... فضاء خيرًا، عدالة، سلامًا...

 علينا أن نزرع ما لدينا، والباقي رجاء!

 سلام...


.

17/10/2009

سوزان ضوّ صايغ

لا نُقصان في الكامل، ولا ركاكة في المطلَق

**

ولأن الله محبة، كان هذا البحث في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه للمحبّة ليعمّ السلام.

طرق الموضوع ومناقشته من هذا الباب كان خياراً راقياً لتسهيل فهم الحب والمحبّة، والصورة التي يرسمها كلّ منّهما لما ننتظره أو نتوقّعه من الآتي.

شكراً أستاذ إيلي على حجارتك الكريمة التي تضيفها مع كلّ مقالة إلى خزنة الموقع


 

   
 

.