3

:: وردة للمختلف ::

   
 

التاريخ : 20/09/2009

الكاتب : عطية مسوح   عدد القراءات : 1268

 


 

وردة للمختلف

بقلم: عطية مسوح

 

هذا عنوان كتاب للأديب والباحث المعروف محمد كامل الخطيب، ولم أجد عبارة أكثر من هذه العبارة تأكيداً للمرونة والتسامح والروح الحضارية والإنسانية في التعامل مع الآخر المختلف.

أن تقدم وردة لمن يختلف عنك، أو يناقضك في الرؤية والرأي، يعني أنك تقدّر إنسانيته وتجعله مساوياً لك في كل حق تريده لنفسك، كما يعني أنك مستعد للتعامل معه تعاملاً يقوم على الندية والتكافؤ، سلاحك في خلافك معه العقل والرأي والكلمة الطيبة.

نذكر هذا، بل نعيد ذكره، لأننا ما فتئنا نعلنه وندعو إليه، بسبب تعاظم موجة تكفير الآخر ورفضه واستباحة حقوقه التي ينبغي أن يتمتع بها لأنه إنسان أولاً، ولأنه يعيش في عصر صار الإقرار بحقوق الإنسان أهم ما يميز ثقافته وفكره ثانياً.

الموقف من الآخر المختلف هو مقياس إنسانية العلاقة بين البشر، على صعيد المؤسسة والوطن والعالم.

ففي أي حوار على أي صعيد كان، ثمة فرق بين أن تدخل الحوار حاملاً معك حججك القابلة للمناقشة وعقلك المنفتح، ووردة من روحك السمحة تقدمها للآخر الذي تحاوره، وبين أن تدخل الحوار من أجل تأكيد حقوقك ومواقفك الثابتة التي لا يأتيها الباطل، حاملاً خنجرك، وأنت مستعد لطعن من يحاورك ما لم تستطع أن تتغلب عليه بالحجة والبرهان.

وثمة فرق بين أن تخرج من الحوار دون حساب الربح والخسارة التقليدي، وأنت فرح لأنك والآخر، قطعتما خطوة باتجاه الحقيقة، وبين أن تخرج فرحاً لأنك سحقته أو ساخطاً لأنك لم تستطع إقناعه.

وثمة فرق أيضاً بين أن تخرج من الحوار وأنت مستعد لدخوله من جديد، وكل وقت، لأن الآخر في نظرك ليس بغيضاً أو كافراً أو مرتداً أو زنديقاً أو غير ذلك من الصفات التي يطلقها العقل المغلق المتخلف، بل هو شريكك في الحياة الإنسانية، ومختلف عنك في الرأي والموقف، وقد يكون نقيضك في المصالح والأهداف، لكن عليك أن تتواصل معه دون أن يلغي أحدكما الآخر قسراً.

وإذا كان تكفير الآخر المختلف، والتعامل معه بروح عدائية، سمة من سمات العقل المتخلف المحدود، ومؤشراً لتخلف المجتمع وانحطاطه، فإن ما نراه في مجتمعاتنا العربية من انتشار هذه النزعة انتشاراً متعاظماً، يدفع بنا إلى مزيد من القلق على مصير أمتنا العربية التي أضنتها الصراعات الداخلية وسار بها التزمت والنزوع الرجعي إلى الهشاشة والضعف، كما يدفع بنا إلى توقع المزيد من الانحدار والتخلف والبعد عن العصر.

لقد لعبت القوى الاستعمارية دوراً أساسياً في تمزيق العرب ومنعهم من استجماع القوى للنهوض والتحرر والتقدم، لكن هذا العامل الخارجي لم يكن ليستمر في تحقيق أهدافه، لولا العوامل الداخلية، وفي مقدمتها ضعف النزوع العقلاني، وغياب برامج النهوض التي يمكن أن تجمع حولها الغالبية العظمى من أبناء الأمة، على اختلاف رؤاهم السياسية وانتماءاتهم المذهبية، وغير المذهبية.
وفي هذا المجال، فإن نزعة التخوين والتكفير، وما يقترن بها غالباً من الدعوة إلى القتل أو الإلغاء أو التحجيم، هي العامل الداخلي الأهم في عملية تمزيق المجتمع وانحطاطه، وقد لا يكون هذا التعامل داخلياً صرفاً، فكثيراً ما تظهر أصابع الصهيونية والإمبريالية في تغذيته، بل في صنعه.

لنتصور مصير مجتمع تقوم العلاقة بين أطرافه السياسية والمذهبية وغيرها على التكفير والتخوين.

كل فئة فيه تحسب نفسها على صواب، وتظن غيرها على خطأ. المؤمن ـ أو من يظن نفسه مؤمناً ـ يدعو إلى إلغاء الكافر  ـ أو من يحسبه كافراً ـ في فعل تبادلي، إذ لا أحد يعتقد أنه على خطأ، وكل يحسب نفسه ركيزة العقيدة والإيمان والوطنية والفضائل.

نعم، السؤال مطروح بكل جدية: ما مصير مجتمع يفكر أبناؤه بهذه الطريقة؟ وما المنقذ من هذا المصير التمزيقي التصفوي؟

لا بديل لفكرة: وردة للمختلف، لا بديل لممارسة تقوم على الإقرار بالتنوع والحقوق المتساوية.

حقك أن تؤمن بما تراه صواباً، ديناً أم عقيدة أم قيماً، وحق غيرك ألا يؤمن بما أنت مؤمن به. وحقك وحق غيرك أن تمارس حياتك بحرية شرط ألا تلحق الأذى بأحد. التطابق مشكلة، والسعي إلى جعل المجتمع نمطاً واحداً هو قتل للإبداع ولا يحقق إلا المزيد من التخلف.

إن محاسبة الإنسان على أفكاره، وإيمانه أو عدم إيمانه، ليس من حقوق البشر وصلاحياتهم، سواء أكانوا حكاماً أم محكومين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ولا أحد من الناس يعرف حقيقة ما في النفوس.

الوردة للمختلف، لا الطعنة ولا الرصاصة. هذا طريق قوة المجتمع ونهوضه.

 

 

 
   
 

التعليقات : 2

.

21/09/2009

سوزان ضوّ صايغ

بل باقة ورد.

وكلّ وردة تزيّنها كلمة من مقالة ولا أصدق.

ما أجمل أن نقبل بالآخر بكل اختلافه،

إنها الخطوة الأولى نحو حلّ الكثير من الهرطقات التي تتمسّك بها المجتمعات،

وعلى مختلف الأصعدة


.

21/09/2009

لينا غريبة

شكرا لك سيدي الكريم و معلمي الأعظم 

وسأحرص دائما كما كنت أن أتعلم فلسفة الحياة منك


 

   
 

.