3

:: الإنسان ـ الوطن ::

   
 

التاريخ : 03/06/2009

الكاتب : جوزف أبي ضاهر   عدد القراءات : 766

 


 

الإنسان ـ الوطن

جوزف أبي ضاهر

 

 

طال ليل الأرق، وما لاح في حدقة العين بصيص فجر. وقت شاحب، تعوّدنا مسحه بالصمت والتأمل، علّ مطر التمنّي ينزل رحمة على أرض سمّيناها "الوطن ـ الإنسان".

محزنة الحقيقة لأن فيها الكثير من اللون الأسود. والأصابع الموضوعة في الجرح المفتوح، وليس عليه، هي أصابع ملح. وأما الوجع النازف فعند الحالم بغدٍ أفضل.

***

منذ شهر تحديدًا، ومع الاعلان الرسمي عن موعد الاستحقاق الانتخابي، استعرت النار، وتجلى اللهب في الشطط الكلامي، وارتفعت الأصوات الدوغمائية الى حدّ الصراخ، والفجور، وانتشرت الخطابات الاتهامية، القمعية، التحريضية، وهي ليست أقل خطورة من السلاح. بل هي أوّل الغيث الى استعماله، وإذا استخدم، فَقَدَ الإنسان أدنى حقوقه، وتعرضت الحريّة للذل والهوان، وتحوّلت الساحات من مكان للتنوع البشري، الى مكان للتفرد ممثلاً بالجماعة الواحدة، والصوت الواحد، حيث ينهض التطرف، فينصب قوس حكمه، ويصدر القرار، ويسقط الحق إن وجد، ويضعف الاقناع إن سعى إليه ساع ليكون مقبولاً، وتصبح الكلمة رأس حربة، ولا يعود القول رأيًا، ولا الفعل تحقيقًا لرأي، وتسري مقولة: "كل ما لا نقوله هو الكذب، وكل ما لا نأمر بفعله غير مفيد".

***

... ويبدع "معظم" أهل السياسة، أمام الاستحقاق، في تعميم التكفير والتخوين والعمالة والخديعة وسرقة "المال العام" على كل المختلفين معهم في الرأي والموقف.

.. وإذا جُمعوا الى طاولة من أجل إطفاء الحريق قبل اشعاله، تصافحوا، وتندّروا، وجلسوا كتفًا الى كتف، أو وجهًا الى وجه... وقالوا الكلام "المشرّف".

... وحين يخرجون، يندهون التعمية والتمويه لتشويه صورة "الوطن ـ الإنسان"، ليظل الشعب منقسمًا على ذاته، مبتعدًا عن ذاته، ملتصقًا بثلاثة: الطائفة، القبيلة والزعيم المفدّى الذي يحسب أمامهم الحصص التي سينالها من أجل استمرارهم حيث هم، ومن أجل استمراره حيث هو... لذا عليهم بالطاعة العمياء.

***

يومان ونحن في قلب الاستحقاق. انه بداية لمرحلة، نأمل ألا تكون أتونًا لنار لا تطهّر ولا تخلف إلا رمادًا... فالحطب كثير، والشهوة الى السلطة تبرر السلوك الانتحاري.

***

يومان ونحن أما الاختبار، فإما أن يكون الاختيار نتيجة وعي فيتوقف الانهيار، ويخرجنا من عنق زجاجة السمّ الى رحابة الأمل بوطن، أو نخسر حضور الحياة فينا، ولن تستطيع كل أوطان العالم أن تعوضنا خسارة الحياة الحرة الكريمة.

***

يومان ونقول نعم، أو لا، وقرار الـ نعم والـ لا في يد المعرفة المحررة من النزوات، وهي تفرض مراجعة ما حصل، واستشراف ما قد يحصل إذا استمرت الحال على ما هي عليه.

إن التوازن بين "المتصارعين" من دون اتّزانهم هو مضيعة للوقت، ورهان على الريح، ومراوغة لسلوك ممرٍّ ضيق بين طرفي هوّة.

**

نحلم بالأفضل، نسعى الى الأفضل، لكن لا ننتظر أن نجد توافقًا بين مصالح "الأقطاب" لينهض الوطن ـ الإنسان من عتمة عبثية طال أمدها.

نريد وطنًا تحمي قوانينه الحرّيات، كلها، عامّة وخاصة. وتحمي السلام بالأمن، وتوفر الآمال بالاستقرار، وإحقاق الحق، وفسح المجال للثقافات والحضارات في التحاور، لا في الصراع، ولتفتح الأبواب للعقل والعلم والخير وجمال الحياة.

وحدها الدولة القويّة تحمي، وحده العدل أساس هذه الدولة، والوطن هو في الإنسان، هو الإنسان، وليس مكانه في الخطابات والقصائد والأغنيات وكتب الصغار، وأحلام الذين خرجوا من المشهد وصاروا غرباء عزّلاً، إلا من العقل.

العقلانية توفّر لأبنائها مناخًا يشرقون فيه شموسًا تنير، لا نارًا تحرق، فتتضح الطريق الى الديمقراطية، وهي ليست وقفًا على فئة، بل للكل، ومن أجل الكل، ليحسنوا التعامل بها كأفراد وجماعات من منطلق حرّ مستقلّ، غير مرتهن لنصوص ـ شعارات، تخضع الإنسان لها، والخاضع لرغبات المُخضع، يوسّع أقفاص الحديد لجماهير تصفّق، تهلّل، وتموت... ليعيش "الزعيم".

***

قد يولد العبد حرًّا، وقد يولد الحرّ عبدًا، وأما الإنسان ـ الوطن، فلا حياة له خارج الحرّية والكرامة والنور.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.