3

:: الأخوين رحباني والشاعر هنري زغيب ::

   
 

التاريخ : 22/02/2009

الكاتب : "جماليا" – بيروت - خاص   عدد القراءات : 1589

 


  

الأخوين رحباني والشاعر هنري زغيب

"جماليا" – بيروت - خاص

 

 

طريق النحل الطايِرْ        فوق الضَّوْ المكسور

بيصير يرسُم دوايِر         يكتُبْ عَ الهوا سْطور

من فوق القْصور   

أعلى مْنِ القصور

أعلى من قِبَبْ العالي عميكتُب سْطور...

 

       في سويعات صفاءٍ سجّلها لمنصور. يقول إنها ذكريات قديمة كانت تنساب من عينيه قبل صوته، وأحياناً من دموعه قبل كلماته (في تذكُّرِهِ محطّاتٍ عن عاصي).

جَمعها شاعرٌ من لبنان مؤمنٌ بتراث لبنان الرحباني، "لا لتكون كتاباً عن سيرة الأخوين رحباني بالمعنى البيوغرافي الأكاديمي، ولا نشراً لشعرهما وتراثهما الثريّ، بل تَحيّة للأخوين رحباني منّا، نحن الذين نشأوا على تراثِهما، وأحبّوا على كلماتهما، وحلموا بوطن جميل طالع من حلمهما.

هذا هو "طريق النّحل" للشاعر هنري زغيب.

 

       أمّا لماذا "طريق النحل"، كما يبرر زغيب، فَلِغايَتَيْن:

أ‌)      كون هذا العنوان، لإحدى القصائد الرحبانية، بين الأصدق في التعبير عنهما سيرة وإنتاجاً: بدأْب النحل على الجودة والتأنّي والدقّة والصبر والمثابرة، حتى ينضج، قبلةً بعد قبلةٍ، قرص العسل. وهكذا أعمال الأخوين رحباني نضجَت دُرْبَةً بعد دُرْبَةٍ، وجهداً متواصلاً لا إلى استراحة، حتّى تَكَوَّنَ هذا التراث الهائل الذي أعطى الشرق هويةً موسيقيةً جديدة.

ب‌)           لأن طريق النحل، من ناحية أخرى، هو الأعلى بين جميع الطرق، لا يتحّدد بمساحة أرضية، ولا بِخطوطٍ مرسومةٍ ذاتِ طولٍ وعرض، بل له الأفق الواسع، والجَلَدْ الذي لا يُكوكِبُ فيه سوى النجم الساطع. وهكذا تراث الأخوين رحباني: جَلَدٌ استثنائيٌّ لنتاج استثنائي، لَم يكن مُمكناً أن يتّسع له سوى طريق النحل، فكان عولمةً من لبنان قبل أن تكون العولمة!

 

 

ويضيف هنري زغيب موضحاً:

"... مِن المبدعين مَنْ لا تكون سيرتُهم على ارتباط وثيق بنتاجهم. مع الأخوين رحباني، الأمرُ مُختلِف. فسيرتُهما، تلك الآتية من الطفولة والباقية معهما منذ المطالع، ضالعةٌ في ثنايا أعمالهما".

..."أما قصيدتهما فذاتُ نسيج شعريّ متماسك، وهيكلية متينة، وهندسة دقيقة في التقطيع والأوزان والقوافي... وما نقوله عن شكل القصيدة الرحبانية نقوله عن المضمون كذلك، فهما كتبا القصيدة الغزليّة الرقيقة، والقصيدة الوجدانية العميقة، والقصيدة الوطنية الوثيقة، بالطواعية والسلاسة نفسهما في العامية كما في الفصحى. وجاء نتاجهما بِما يَخاله المتلّقي بسيطاً وسهلاً، فيما هو ابن النحت المضني المنهالِ على خشونة المادة الأولى. هذا ما غنمناه، نَحن المتلقّين، إرثاً شعرياً ثرياً سيبقى زاداً لنا من مدرسة خالدة أنتجت تراثاً لأجيال آتية كثيرة.

***

حسْبُ كتاب "طريق النحل"  أن يكون دعوةً إلى دخول العالم الرحباني ضوءاً على الطريق لِمن يرغب في اكتشاف الطريق إلى بستانٍ إبداعيٍّ ثريٍّ ما زال ردحٌ كثير منه في الظل، في انتظار أن ينكشف كلّه للناس، أمامهم، في متناولهم، كي يكون لهم أن يباهوا عالياًً بانتسابهم لا إلى لبنان اللبناني وحسب، بل - وبالمستوى الحضاري نفسه - إلى... لبنان الرحباني.

هكذا، بين دفّتي كتاب، جمعَ شاعرٌ من لبنان تراث الكبيرين عاصي ومنصور الرحباني، فكان الهديّة، وكان الوفاء، وكان التأريخ المكتوب لذكرياتٍ لا يَحفظها ولا يَحتفظ بِها إلاّ كبار النفوس.

ومضة قصيرة هي هذه، في ذكرى أربعين منصور، تَحيّة متواضعة إليه وإلى عاصي، كي نسترجعهما في كلماتهما على طريق النحل التي مشياه حتى خطوتِهما الأخيرة.

شكراً لِمَن جَمعَ وحفظَ عصارة العمر.

شكراً للشاعر هنري زغيب. وأطال الله بعمرِه كي يظلّ يُضيء على تراث لبنان العالي.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.