3

:: الثقافة "جرثومة" الحكم العربي - قبس 76 ::

   
 

التاريخ : 23/09/2008

الكاتب : هنري زغيب   عدد القراءات : 1101

 


 

قبس من لبنان

- 76 -

الثقافة "جرثومة" الحكم العربي

هنري زغيب

 

بعدما غرِقَت أوروبا قروناً طويلة في اقتتالات دينية ومذهبية وسياسية وأمنية، خرجت منها جميعها بقناعة إبقاء الدين في حيثما تَحتصنه مغاني الإيمان (معابد ومساجد وكنائس ومراكز دينية ومذهبية)، وإبقاء السياسة في حيثُما تحتضنها مؤسسات الدولة المدنية، وهو ما سرى بأنه "فصل الدين عن الدولة"، وآلت أوروبا الى العلمنة العقلانية التي لم تُلْغ ملمحاً واحداً من الدين ولا عنصراً واحداً من رجال الدين، بل حافظت على رهبة الدين وهيبته وعظمته ورسالته وطقوسه، داعية رجال السياسة الى الاشتغال في السياسة دون الدين، ورجال الدين الى الاهتمام بشؤونهم الدينية دون السياسة.

بعدما وضُح هذا الفصل بينهما، من دون طغيان أحد العنصرين على الآخر، انصرفت أوروبا الى الثقافة والأعمال الثقافية والأنشطة الثقافية، مُدخلة إياها في صلب الحياة اليومية، منذ طفولة الأولاد، لينشأ الجيل الأُوروبي الجديد على معالم الثقافة، قارئَ كتب، أو مشاهداً مسرحيات، أو مُعتاداً على حضور الأمسيات الموسيقية والأوبرالية والغنائية الكلاسيكية أو الشعبية، أو دارس العزف على آلات موسيقية، وتالياً ابن هذا الجو الموسيقي مُشاهدةً أو عزفاً أو تثقُّفاً مستداماً.

بمعنى آخر: بات للمواطن الأوروبي حق في الثقافة والتثقُّف، يطالب به، ويسعى إليه، بإلحاح أن توفره له الدولة واجباً عليها، وحقاً له، وبداهة يومية لا حياة للمواطن (الأوروبي) بدونها. من هنا، في أوروبا، انتشار المراكز الثقافية والمسارح ودور الأوبرا والكونشرتوات ووسائل الثقافة والتثقيف من كل نوع، ومن هنا ابتعاد المواطنين الأوروبيين (الشباب خصوصاً، والمواطنين في شكل عام، مع لحظ استثناءات لا بدّ منها) عن أيّ تشنُّج سياسي أو اصطفاف فئوي أو تَمَتْرُس حزبي أو طائفي أو مذهبي في وجه فريق آخر، من الوطن نفسه، حزبي أو طائفي أو مذهبي.

ومن الأفلام التي تعرضها شاشات التلفزيون الأوروبية، وفي طليعتها مَحطة "ميتْزو" (لا تبثُّ إلاّ أشرطة أوبرا وكونشرتوات كلاسيكية وما يتصل بها كلّها موسيقياً) يتّضح مدى إقبال الجمهور الأوروبي على هذه الأمسيات والحفلات الموسيقية الراقية العالية العظيمة (بعضها في الهواء الطلق على مساحات واسعة، وبعضه في صالات كبرى مَهيبة)، وهو إقبال كثيف جداً (يسرُّ كثيراً كم فيه من أعداد الجيل الجديد) لا نجده في الدول العربية إلاّ في المناسبات السياسية التي "تنهمر" فيها الجماهير العربية الكثيفة الى الشوارع لـ"تعييش" زعيم سياسي أو للسير في مظاهرات ومسيرات ببغاوية قطعانية تبدأ بتهييصات "بالروح، بالدم، نفديك يا..."، وقد تنتهي بمناوشات مع فريق آخر أو مع رجال الشرطة، فيسقط جرحى وربما ضحايا، ويواصل المجتمع العربي (خصوصاً في الشارع) مسيرته نحو الجهل والتجهيل والجهالة.

ويغنم الزعماء السياسيون العرب، يغنمون كثيراً، من هذه القطعانية الببّغاوية الزبائنية في "الشعوب العربية" كي يبقوا هم على رأس مَجموعات "أغنامية" يسوقونها كيفما وحيثما وعندما وقبلما وبعدما، يُلْقمونها شعارات صدئة تتبناها الجماهير وتعلكها وتلوكها، مبتعدةً أكثر فأكثر عن كل ملمح ثقافة وتثقف وتنوير يجعلها تستيقظ على هول الفراغ الذي تعيش فيه فتنقلب عندها على الذين "فوق". لذا من صالح الحكّام العرب (في معظمهم) إبعادُ "جرثومة" الثقافة عن شعوبهم، و"جرثومة" التثقُّف عن أجيالهم الجديدة، و"جرثومة" التثقيف عن مفاصل الدولة، كي تبقى الشعوب قطعاناً تسير ولا تحاسب.

وحدها الثقافة التنويرية توقظ الشعب على المحاسبة.

فمتى تنهض من "أغناميتك الببغاويَّة"، أيها الوطن العربي ؟؟؟

.odyssee@cyberia.net.lb

يصدر هذا المقال في موقع "جماليا" بالتزامن مع صدوره في صحيفة "القبس" الكويتية يوم الثلاثاء 23/9/2008

 

 
   
 

التعليقات : 1

.

29/09/2008

alfaineeq@yahoo.com

ظافر مقدادي/ هيوستن

الأستاذ الرائع هنري

أحسنت وأصبت وأوجزت.. ولكن:

أولاً: لامستَ يا عزيزي جوهر (فصل الدين عن الدولة) ولم تشتغل بالشكل الفج التقليدي للمفهوم، فمن قال أن الغرب فصل الدين عن الدولة بمعنى القطع والطلاق؟ أوافقك الرأي بأن الفصل هنا يعني الاحتواء والهضم والتجاوز الى مرحلة أعلى تليق بمراحل التطور الاجتماعية والثقافية الغربية. أنا أعيش في أمريكا منذ سنوات، ولا أرى الدولة مفصولة عن الدين بالمعنى الفج، وإنما الدين محبوك في نسيج الدولة بما هي مؤسسة اجتماعية سياسية اقتصادية ثقافية. هذا هو الاستيعاب والهضم والتجاوز، وهو ما نحتاجه في العالم العربي.

ثانياً: الدولة في الغرب مسؤولة عن تثقيف شعوبها، وهذا واضح من حجم المؤسسات الثقافية فيها وحجم الميزانيات. والدين له حصة من هذه البرامج التثقيفية، فهو جوهر ثقافة الغرب، وأقصد هنا الدين المسيحي لجهة ما هو محتوى في النسيج الثقافي العام. في بلاد العرب الحالة تختلف جوهرياً، حيث الدين وما عدا الدين جبهتان على نقيض، تتصارعان، ولم تستطع مؤسسة الدولة ومؤسسة المجتمع هضم الدين واستيعابه وتجاوزه الى مرحلة أعلى، وذلك لعدة أسباب، منها ما يخصّ مؤسسة الدولة نفسها، ومنها ما يخصّ مؤسسة المجتمع في غالبيتها المتدينة.

ثالثاً: مؤسسة الدولة غير معنية ببرنامج الاستيعاب والتجاوز لأنه يهدّد بقاءها في السلطة، وهنا أراك مصيباً عندما تحدثت عن خوف الدولة من تثقيف المجتمع. دعونا نكن صادقين مع تاريخنا، ونأخذه من أمهات مصادرنا الاسلامية، فماذا نرى؟ لم تقم مؤسسة من مؤسسات الدولة الاسلامية على اختلافها إلا على أكتاف فقهاء يدورون في فلكها، ومن لم يفعل كان مصيره محزناً للغاية، هل نحتاج الى تذكير بمصير الإمام مالك او أبي حنيفة او الفقيه سفيان الثوري؟ لقد قبضت الدولة الإسلامية على مجتمعاتها عن طريق الفقهاء. وهل تختلف الليلة عن البارحة؟ يا ترى كيف تقبض الدولة العربية المعاصرة على شعوبها؟ أليس بالجهاز الديني التابع للدولة؟ وإن حاولتَ الاصلاح فأول من ينقضُّ عليك مؤسسة الدين.

رابعاً: وهنا سأختلف معك قليلاً لو سمحت لي. هل صحيح أن الشعوب العربية والمجتمع العربي متعطش للثقافة والتثقيف؟ ربما تكون هناك نسبة ما ولكنها يسيرة، فالغالبية تفهم التثقيف بطريقة أخرى، تفهمه على أساسين، الأول بالطلاق مع الماضي تماماً، والثاني بالارتماء في أحضان الماضي تماماً أيضاً. والتثقيف هنا ضارٌّ في الحالتين. وليست القضية في مؤسسة الدولة فقط، وإنما في المجتمع أيضاً، فماذا تقول عن جالية عربية في أمريكا ترفض التثقيف إن لم يكن اجتراراً للماضي؟ هل تمنعها مؤسسة الدولة؟ بالطبع لا، ولكنه عزم العطالة الفيزيائي، إذ أنه من الصعب التغلب على معتقداتها وإن كانت هذه المعتقدات من التثقيف الشعبي الفولكلوري وليست من الفقه نفسه. العرب لا يريدون، حتى في أمريكا، أي تصحيح لمعارفهم الشعبية الخاطئة، يريدون التمتع في وهم التاريخ والفقه.

شكرا أستاذ هنري، أثرتَ قضية من أهم أولويات نهوض الأمم.


 

   
 

.