3

:: أحزان الخليجية السمراء - قبس 54 ::

   
 

التاريخ : 22/04/2008

الكاتب : هنري زغيب   عدد القراءات : 1030

 


 

قبس من لبنان

- 54 -

أحزان الخليجية السمراء

هنري زغيب

 

 

كان الحزنُ كثيراً في عينَيها القليلتَين، وهي تُصغي إلينا نتحدّث عن لبنان، وما فيه، ومَن فيه. طال إصغاؤُها الصامت الحزين. حاولتُ أن أُقشِّر لديها هذا الصمت، فإذا بأحزان شتّى تأرجُ من عينَيها، وراحت تُحدِّثنا عن لبنانها عندنا، لبنان الذي نراه – نَحن أبناءَه - ينْزلق من بين أصابعنا كالزئبق الرجراج، ونتابع انْهمال حُبوب الرمل من أكُفِّنا، ونَحن نعلِّق خلاصنا على ساعة الرّمل، ونَحسب أنّنا نُراهن على الأمل مرّة، وعلى الرجاء مرات، وعلى المستقبل الآتي الى أجيالنا الجديدة مُعَلِّلينَهم بأيّامٍ أفضلَ من هذه التي نُورثهم إياها.

وفاضت أحزان الخليجيّة السمراء: "لبنانُكم لبنانُكم فاحرسوه. هل تعرفون أيّة لؤلؤةٍ هي بلادُكم؟ في لبنانِكم أَتَجوّل نَهاراً بدون إرهاب الرقباء، وليلاً بدون رُعْب العسس. في لبنانكم أسير لوحدي على شاطئ البحر، وأتَمتَّعُ لوحدي بسُهول الثلج في الجبل العالي، وأجلس لوحدي في مقهى هادئ. في لبنانكم لا أَضع على شَعري حجاباً، ولا على وجهي نقاباً، ولا على كتفيَّ احتجاباً. في لبنانكم لا أُخفي غير الشاي في كوب الشاي، ولا غير الوقت المراقَب في ساعة الرقابة. في لبنانكم أمشي وصديقاً لي في الشارع أو في مُجمَّعات التسوُّق الكبرى أو في السيارة، ولا حَرَج، ولا قلق، ولا فكرة سوداء ولا خطيئة شَكّ أو ظَنّ أو اتّهام. في لبنانكم أشعر أنني امرأة تتنفَّس هواء الحرية تَماماً كما يتنفَّسُها الرّجال والزَّهر وشعاعُ الشمس وشالُ القمر. في لبنانكم أُشاهد مسرحيةً هنا، وفيلماً سينمائياً هناك، وأحضر أمسيةً موسيقى كلاسيكيةٍ هنالك، وأُشارك في ندوةٍ أو في نقاش على منبر، وأَنا في القاعة أرفع يدي وأُناقش هذا أو ذاك، ولا يَحجُبُني عن الذين ما يفصل الذين عن اللواتي. في لبنانكم أَتنشّق الحرية وأَعيش الحرية وأَختزن الحرية في بالي ووجداني وضميري، ولا أَشعر أنني أعيش في "غيتو" من الرخاء المشروط، ولا في سجن كبير تزيِّنه جميع وسائل الراحة. في لبنانكم أحترم حريتي فيحترمُها بِي الآخرون، وأَزداد حرصاً على هيبتي فيزداد الآخرون احتراماً لأُنوثتي الفكرية والثقافية كما الجسدية والمظهرية، فلا خوفَ من ذئبٍ هنا، أو ثعلبٍ هناك، أو غُولٍ هنالك. في لبنانكم نَختزل أوروبا وأميركا ولا حاجة بنا للسَّفَر الى باريس أو لندن أو نيويورك، فلبنانكم أقرب إلينا، وما فيه يعوّض لنا نكهة وجمالاً عن كل "هناك" في الغرب".

وفاضت أحزانُ الخليجيّة السمراء حتى تنهَّدت في حزن كثير: "ولكن... هل هذا اللُبنانُكم اليوم، باقٍ كما كان لبنانَنا في بلادكم؟ كيف نَجرؤُ على التجوُّل فيه، كما من قبل، وهو صار الى ما بات عليه من خطر وقلق ولااستقرار؟ وهؤلاء السياسيون الذين يقودون بلادَكم الرائعة الفريدة الى حيثُ انْحدرَت اليوم، هل يفكِّرون أَبعدَ من أُنُوف أَنانيّتهم ومصالِحهم الشخصية وفواتير استزلاماتِهم وارتِهاناتِهم؟ وهل يُدركون أيَّ لبنان يَخسرون هم، ويَجعلون أهاليه يَخسرون، ويُرغمون زوّار لبنان وسيّاح لبنان وعشاق لبنان أن يَخسروا؟ سياسيوكم هؤلاء، هل يشعرون بأنّ شبابكم أصبحوا في خليجنا، ويَفرغ منهم، يوماً بعد يومٍ، لبنانُكم الغالي"؟

وفاضت أحزانُ الخليجيّة السمراء بعد: "كيف للفردوس الجميل أن يَحرسه خونة الفردوس؟ وكيف للبستان الْمُزَهِّر الرائع أن يتولاّه ساحقو الزَّهر وأعداءُ الأرج"؟

وظلَّت أحزانُ الخليجيّة السمراء تفيضُ تفيضُ تفيضُ حتى الصمت... الى أن أَشْرقَت دموعٌ كثيرةٌ من عينَيها القليلَتَين، وشَرَقَتْ صامتةً، لا بدمعها النقيِّ الصادق، بل... بِـنُـبْـلِها الخليجيّ الأسمر.

وتعود غابي تسألُني إن كنتُ أصدّق أن هؤلاء يقرأُونني، فأُجيبُها، باندفاع المؤمن الواثق، اني أعرفهم لا يقرأونني ولا يسمعونني، واذا قرأُوا لا يأْبَهون، واذا سَمعوا لا يتأثّرون. أعرف أنَّهم ليسوا هم أصحابَ قرارهم، بل هُم دمُى من قشٍّ أو قماش، يُحرّكهم جهاز "ريموت كونترول" من هنا أو من هناك أو من هنالك.

لا. ما هَمّي هؤلاء، قرأُوا أو لم يقرأُوا. هَمّي أنا شعبي. قلَقي شعبي. وجَعي شعبي. وكتاباتي جميعُها موجَّهَةٌ الى شعبي. شعبي كي يتّعظ. شعبي كي يغضَب. شعبي كي يثُور. شعبي كي يعي أنه هو الذي يغيّرُ المعادلة فلا يعود قطيعاً في زريبة هذا السياسي أو ذاك، ولا حبوباً في مسبحة هذا السياسي أو ذاك، ولا حطَباً في موقدة هذا السياسي أو ذاك.

هَمّي شعبي حتى يتَّحدَ فيقول «لا» لمعظم هذا الطقم السياسي، ولجميع مُتَناهشيه الذين يتنازعونه الى هنا أو الى هناك، يتدافعون على حُكْمٍ أو وزارةٍ أو نيابةٍ أو زعامة شعبي كي يفهم انه هو الحُكْم، وهو الوزارة، وهو النيابة، وهو هو الزعامة، وأنّ السياسيين من دونه عاطلون عن العمل، عُراةٌ من كلّ قيمة وكلّ مكانة وكلّ صوت وكلّ معادلة.

هَمّي شعبي كي لا يلومَ الدُّوَل ولا «المجتمع الدولي» ولا «مجلس الأمن» ولا «الأمم المتحدة» ولا «الدول الكبرى» ولا «الدول الحليفة» ولا «الدول الصديقة» ولا «الدول الشقيقة»، بل كي يلومَ أهل البيت وقادة البيت وساسة البيت الذين ارتضَوا أن يكونوا مستسلمين أو مستزلمين أو مسلّمين رقابَهم لـ «المجتمع الدولي» أو لـ «مجلس الأمن» أو لـ «الأمم المتحدة» أو لـ «الدول الكبرى» أو لـ «الدول الحليفة» أو لـ «الدول الصديقة» أو لـ «الدول الشقيقة».

هَمّي شعبي الذي غرّروه كي ينتخبَهم فانتخبَهم، وها هم اليوم يُخاطبون غرائزه الدينية والمذهبية والطائفية والمناطقية والعائلية والعشائرية والاصطفافية، كي يظلُّوا هم على رأْس القطيع: خطباء حماسيين، أو مواقفيين كيديين.

هَمّي شعبي أن يعي (أو أحبُّ أن أظنَّ وأقتنعَ بأنه يعي) كيف يَخلع عنه إرث الاستسلام والاستزلام، وإرث الانقياد الأعمى والانصياع الأغبَى، وارث تنكيس الرأس أمام «البك» والقائد والسيّد والزعيم وصاحب المعالي والسعادة والسيادة والفخامة.

شعبي كي يفهم أنّ كرسي الحكْم هو يَحملُه، وهو يُسقطُه، فيَسقُط عنها جميعُ الذين عليه ولا يعودون يقومون، فيقوم الوطن عند ذلك سليماً معافى طالعاً من حُفرة سياسييه الى قمم أبنائه الجدد.
الى هؤلاء أكتب، يا عزيزتي غابي، ولا بُدّ لنقطة الماء من أن تحفرَ جدار القلعة، ولا بُدّ لنقطة الحبر من أن تَخترقَ الورق الى الضمائر، ولا بُدّ لنقطة الدم من أن تتناسلَ نَهراً من الغضب يُطيح جميعَ الذين ساسُوا وطني (وطني الذي هو أبي وابني معاً) فجعلوهُ نَهراً من الدموع والدماء، ومواكبَ نسوةٍ متَّشحاتٍ بالسواد، وعلى رؤوسهنّ المهزومة طرحاتُ الحداد.

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.