3

:: الفرص الضائعة ::

   
 

التاريخ : 04/09/2017

الكاتب : مازن كم الماز   عدد القراءات : 192

 


 

 

سقطت بغداد عام 1258 بمجزرة على يد المغول، كان ذلك حدثا "جللا" لم يتوقعه أحد، لا الخليفة العباسي (الذي اتضح أنه سيكون آخر الخلفاء العباسيين) ولا رعاياه أنفسهم.. كانت تلك لحظة مناسبة لمراجعة النفس.. فمع بغداد والخلافة سقطت الكثير من التوهيمات التي كان أجدادنا قد اعتقدوا أنها مطلقة الصحة ولا يأتيها الباطل لا من أمامها ولا من خلفها.. لكن سرعان ما جاء ابن تيمية ليؤكد لنا أن ما قاله السلف هو الحقيقة المطلقة بعينها وأن الفلسفة حرام وكفر وأن العلوم الواجبة هي دراسة ما أمر الله به وفهم ما نهانا عنه، واكتشف مؤرخونا ابنَ العلقمي واعتبروه المسؤول الوحيد عن "النكسة"، وجاء المماليك أخيرا "ليصدوا" الغزو المغولي ليصبحوا حكاما لأجدادنا مع نظرائهم العثمانيين وليستمر حكمهم حتى قدوم الجيوش الفرنسية والانكليزية عامي 1798 و 1916.. وعندما "ثار" "الضباط الأحرار" اكتشف آباؤنا بعد حين أنهم من سلالة المماليك نفسها.. وعندما هزم كبيرهم، عبد الناصر، خرج آباؤنا إلى الشوارع ليعيدوا إليه صولجان القيصر الذي مازال قائما حتى الآن.. سقطت بغداد مرة أخرى فعدنا وأكدنا لأنفسنا (أو هذا ما قاله لنا ابن تيمية المعاصر) أن ما كان عليه أسلافنا هو الحق وأنه علينا أن نموت دون ذلك.. مازالت محاكم التفتيش وكنائس بيع صكوك الغفران هي من يحكم عقولنا، ومازال المماليك هم من يحكمون أجسادنا.. سقط الاتحاد السوفييتي لنكتشف مع الربيع العربي أن كل اليسار المنظم، بمن فيه "هراطقته" التروتسكيون والماويون، مازال يدعونا إلى السير على نفس الطريق التي انتهت قبل عام 1991 بوقت طويل مع مجزرة بحارة كرونشتادت وتجويع وسجن وقتل الملايين ممن كان يفترض بالبلاشفة أن "يحرّروهم"، وأنهم مازالوا يردّدون نفس الكلام عن حتميات تاريخية واقتصادية صنعت وتصنع كل شيء بطريقة لا تختلف عن إرادة أي إله.. غير صحيح أن الغرب "متفوّق" علينا، العكس هو الصحيح.. وغير صحيح أنه يوجد شيء اسمه حقيقة مطلقة.. لأننا لا نستحمّ في مياه نفس النهر مرتين كما قال هيراقليطيس ونقل عنه ماركس!!.. وغير صحيح أن ما قاله أجدادنا، بعضهم بل بعض بعضهم البعض فقط، هو الصواب أو أنه الحقيقة الخاصة بنا دون سائر البشر.. وغير صحيح أيضا أننا بحاجة لمن يحرّرنا أو يقودنا أو يهدينا.. إن بغداد تسقط مرة تلو أخرى، لكن كلما سقط مملوك جاء بعده مملوك (مع الاعتذار لأمل دنقل وسبارتاكوس *).. وكلما سقط ابن تيمية جاء بعده آخر، أحيانا بذقن العريفي أو الخميني وأحيانا بذقن كارل ماركس...

*

فخلف كل قيصر يموت: قيصر جديد!

وخلف كل ثائر يموت: أحزان بلا جدوى..

/كلمات سبارتاكوس الأخيرة - أمل دنقل

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.