3

:: المجلس الأعلى للثقافة وكرة القدم ::

   
 

التاريخ : 23/08/2017

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 256

 


 

في عام 1968 صدرت عن دار الكاتب العربي- هيئة الكتاب- مجموعة محمد حافظ رجب الشهيرة "الكرة ورأس الرجل"، وأثارت في حينه ضجّة أدبية ونقدية، خاصة القصة الأولى منها التي سُمّيت المجموعة على اسمها. في القصة تتحول رأس الانسان إلى كرة قدم يلعبون بها. وقد كان ذلك التصور الكابوسي وليد نكسة 67 وكان أيضا احتجاجا على الأوضاع التي تتحول فيها الثقافة إلى لهو وتسلية مُهْدِرَةً كل القيم الفكرية. لم يكن محمد حافظ رجب، ولا غيره، يتخيل أن ما كان رؤيةً كابوسية سوف تصبح واقعًا يتحقق بعد نصف قرن على يدي المجلس الأعلى للثقافة ورئيسه د. حاتم ربيع الذي أعلن عن أن المجلس سيطلق مسابقة "الدوريى الثقافي المصري" على نفس طريقة دوري كرة القدم! ومن المقرر: "أن يكون التحكيم مشتركًا بين النقاد من جهة وتصويت الجمهور من جهة أخرى"!! واعلان المجلس عن مسابقة للقصة القصيرة على ذلك النحو أمر مذهل، فلم يسبق لأحد في تاريخ الثقافة أن سمع أن مسابقة أدبية تدار على طريقة دوري كرة القدم، وأنه لهذا السبب سمي المشروع "الدوري الثقافي"! ومن المؤسف والمؤلم أن نوضح للوزير وللمسؤولين الذين يختارهم الفروق بين ألعاب التسلية والثقافة وما تستدعيه تلك الفروق من مناهج مختلفة. ويتأكد الطابع التجاري لمشروع الدوري بإشراك الجماهير في التصويت والتحكيم إلكترونيا. أي جماهير تلك- ومعظمها ليس مؤهلا للحكم على الأدب- ستقرر مصير القصص الأفضل؟! وهل يمكن بهذه الطريقة اختيار العمل الأفضل؟ أم أن الأمر سيكون مثل برامج "من سيربح المليون"؟ على أي حال اختار المجلس أن ينتقل برؤوس البشر إلى الملاعب، حيث تتساوى الرأس وكرة القدم. في إطار المشروع ذاته يعلن حاتم ربيع أن المجلس سيقيم الدوري الثقافي بالاشتراك مع هيئة الكتاب ومع "بتانة للنشر" التي ساهمت على حدّ قوله بمبلغ كبير، هذا بينما تبلغ قيمة الجائزة الأولى خمسين ألف جنيه! فهل أصبح المجلس الأعلى فقيرا وتعسا هو ووزارة الثقافة إلى درجة أنه لا يستطيع توفير هذه المبالغ الهزيلة؟. 

الحق أن مشروع الدوري الثقافي لا يثير إلا الشعور العميق بالأسف لعدة أسباب، أولا أن تنحدر المؤسسات الثقافية إلى هذه النظرة التجارية الرخيصة التي ترى في الثقافة تسلية ولهوا، بينما يقتضي وصول الثقافة إلى الجماهير العريضة اجراءات أخرى منها على الأقل فتح المكتبات ومنافذ توزيع الكتب في المدن والقرى البعيدة عن العاصمة. 

الأمر الثاني الذي يدعو للأسف أنه لا الوزارة ولا المجلس بحاجة لمساهمة مالية من أي دار نشر خاصة، إلا إن كان ذلك جرْيا على سياسة خصخصة كل شيء بإشراك أطراف غير حكومية فيها، هذا ما يحدث حينما يعلنون عن بناء المدارس بشكل مشترك بين الحكومة والمستثمرين، وعن أن هناك مشروعا يعهدون بموجبه لشركة أجنبية بإدارة السكك الحديدية، وعن أن هناك مدارس وتعليما سيكون أشبه بالخاص لكن مدعوما. والواضح إذن أننا أمام خطوة أخرى على طريق خصخصة الثقافة بحيث ترفع الدولة يدها عن دعم الكتب والأدب والعلم. 

لقد أكد حلمي النمنم، وزير الثقافة، في 10 يوليو أن الثقافة ليست مسؤولية الوزارة وحدها ويجب أن تتضافر جهود جميع المؤسسات على ذلك الطريق. والنمنم محقّ، لكن عليه ألا ينسى أنه وحده- من دون أي تضافر – الذي يختار المسؤولين ويرسم السياسة الثقافية للوزارة. أما عن الدوري الثقافي المعلن على طريق دوري كرة القدم فإنني أقترح توزيع فانلات بلون موحد على الكتاب المشاركين وصفافير للنقاد الحكام، وبهذا تكتسب الثقافة طابعا جماهيريا. وطالما أن المجلس الأعلى للثقافة قد وسّع نشاطه وانتقل إلى كرة القدم فالأرجح أنه سيتقبل ملاحظاتي بروح رياضية! 

 

د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب مصري

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.