3

:: محمود درويش.. شاعر لا يموت ::

   
 

التاريخ : 16/08/2017

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 944

 


 

في 9 أغسطس الحالي حلّت ذكرى رحيل محمود درويش التاسعة. لم يعش الشاعر العظيم طويلا فقد فارقنا بعد عملية قلب مفتوح ولم يتجاوز السابعة والستين. والسنوات التي أخفى الموت فيها شاعرنا كانت سنوات حضوره الأكبر، فقد تأكّد خلالها أن درويش كان ومازال أحد أعظم شعراء العربية وأكبرهم أثرا في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد اكتسب درويش مكانته العالية هذه ليس فقط بفضل إنجازاته في تطوير الشعر العربي، بل ولأن تلك الإنجازات الفنية ارتبطت بقضية تاريخية ضخمة هي قضية تحرّر الشعب الفلسطيني التي أمست عند درويش تعبيرا عن كل شعب محتل، وعن توق الإنسانية أينما كانت للحرية.

 

في مرحلته الشعرية الأولى، حين كان درويش داخل فلسطين، كتب "سجل أنا عربي"، و"بين ريتا وعيوني بندقية" واتّسم شعرثه بسطوة الخطاب النضالي. في تلك السنوات، وحتى 1970 تقريبا، عرفتْه الثقافة العربية شاعرا مقاتلا ملتزما إلى حد ما بالرؤية الماركسية. وانتقل درويش إلى مرحلة ثانية مع خروجه من فلسطين تلمّس فيها الحلم القومي العربي حتى عام 1983 عندما أجبر الحصارُ الاسرائيلي وحزبُ الكتائب الفلسطينيين على مغادرة بيروت. بعدها انتقل درويش إلى البحث عن شعبه داخل عالمه الذاتي، بعد أن كان يبحث عن ذاته داخل شعبه، ولهذا، حين كتب في مرحلته ما بعد بيروت: "اخرجوا من أرضنا.. من برّنا.. من بحرنا.. من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا" ! كانت قيثارته مازالت صدّاحة إنما تغْلب عليها علامات الحزن ويكاد الألمُ أن يهزمَ الأملَ في أوتارها.

شعراءُ قليلون في تاريخ الثقافة هم من استطاعوا أن يصبحوا رمزا عاما، مثل بابلو نيرودا، ومايكوفسكي، وناظم حكمت، ولوركا، وأيضا محمود درويش. وقد أصبحوا رموزا إنسانية عامّة بفضل ارتباطهم بقضايا كبرى، حتى عندما كان اليأس يصيب بعضهم كما حدث مع درويش، فانقضّت عليه أقلامٌ تهاجمه لمشاركته في حوار علني مع مثقفي "المابام" الإسرائيلي، وإقامة أمسية شعرية في حيفا عام 2007 بتصريح إسرائيلي وغير ذلك، مما اعتبر هؤلاء أنه يصب في مصلحة اتفاقية أوسلو. لكن كل مثقف شريف يستطيع أن يتفهّم مشاعر اليأس والإحباط في قضية معقّدة مثل قضية فلسطين في مرحلة معقّدة انحسرت فيها أصوات الكفاح المسلح وأصوات البنادق وتدهورت أوضاع المنطقة العربية إلى حدّ الاعتراف بالكيان الصهيوني.

أستطيع أن أتفهّم ذلك رغم اعتقادي الراسخ أن فلسطين لا بد أن تعود كاملة لشعبها مهما طال الزمن وأن تحريرها بالمقاومة سيظل الحل الإنساني الوحيد لكل الأطراف. إلا أن قيمة محمود درويش الكبرى ستبقى في شعره المشبع بالدعوة لتحرير الوطن، والإنسان. من غير درويش قادر على أن يكتب: "أيها المارّون بين الكلمات العابرة، أيها المارّون في الكلمات العابرة، احملوا أسماءَكم وانصرفوا، واسحبوا ساعاتِكم من وقتنا وانصرفوا، وخذوا ما شئتمُ من زرقة البحر ورملِ الذاكرة، وخذوا ما شئتمُ من صُوَرٍ، كي تعرفوا، أنكم لن تعرفوا، كيف يبني حجرٌ من أرضنا سقف السماء.. فاخرجوا من أرضنا.. من برّنا.. من بحرنا.. من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا!".  

 

في قصائد درويش العظيمة تكمن كل رحلته، وكل عشقه لفلسطين وللحرية التي تغنّى بها طيلة عمره. ولن يبقى من الشاعر الراحل الكبير موقف سياسي عابر اشترك فيه مع الآلاف لكن سيبقى منه كل ما امتاز به عن الآلاف، أي قصائده التي مجّدت الجمال، والحرية، والحب، وكل المعاني النبيلة. لم يكن ما فارقنا مجرد شاعر، بل خريطة وطن، وخريطة شعر. بعض القصائد تسوقنا للأحلام، وبعضها يردُّنا إلى الواقع، لكن، وفي كل الحالات، لا يمكن للشاعر الحقيقي أن يتخلّى عما هو جوهريٌّ لكل ِّفنّ ألا وهو النزاهة التي تحكم ما تخطُّه يداه. وقد كتب درويش كل قصيدة من قصائدة بنزاهة ضمير وروح لا تبارى، أيّا كان مذهب تلك القصيدة فنيا أو سياسيا، وعاش درويش أشبه ما يكون بصاري السفينة الذي يتقدّمها وهي تشقُّ العاصفة،  وعلى شراعه في الريح منقوشة "فلسطين" بمختلف القصائد، ومختلف المحبات، ومختلف الأحزان، ومختلف الأزمنة، ومختلف الدموع، ومختلف الضحكات، لأن "على الأرض ما يستحقُّ الحياة"، وما يستحقُّ الحياة يستحقُّ كل ذلك.

من حقّ فلسطين أن تفخر بشاعرها، ومن حقّ درويش أن يفخر بشعبه الفلسطيني الذي تبزغ في أرضه معجزاتُ البطولة كلَّ يوم، وكلَّ ساعة، الشعب الوحيد في تاريخ العالم الذي امتدّ كفاحه من القرن العشرين إلى القرن الحادي والعشرين، ليمسي ملحمةَ نضالٍ لا تتكرّر في سجلّ الإنسانية.

د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب مصري

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.