3

:: في عِلْم العَروض.. وأخطاء المحقِّقين - رؤى ثقافية 269 ::

   
 

التاريخ : 12/08/2017

الكاتب : أ. د. عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي   عدد القراءات : 80

 


 

 

إن الجهل بعَروض الشِّعر وموسيقاه آفة عِلْميَّة لدَى بعض العلماء في مجال الأدب واللغة والتحقيق.  ويكفي أن نستشهد على هذا ببعض صنيع ثلاثة أعلام كبار منهم، وكيف كانوا يقعون في الخطأ، ربما من حيث لا يعلمون، وهم (أحمد أمين، وأحمد الزين، وإبراهيم الإبياري)، عندما حقَّقوا كتاب «العقد الفريد»، لـ(ابن عبدربِّه)(3).  فقد ذكرَ ابن عبد ربِّه أن البحر المتقارب يأتي ضَرْبُه «مقصورًا»، واستشهد على ذلك بشاهدَين، أوردهما المحقِّقون الثلاثة في المطبوع هكذا:

ويَأْوِيْ إلى نِسْـــــوَةٍ بائساتٍ ** وشُعْثٍ مَراضيعَ مِثْلِ السَّعالي

والبيت الآخَر:

على رَسْمِ دَارٍ قِفارٍ وَقَفْتُ ** ومِن ذِكْرِ عَهدِ الحَبيبِ بَكَيْتُ

هكذا أورد هؤلاء المحقِّقون البيتين! 

فهل بقي فيهما شاهد على (القَصْر) في البحر المتقارب؟!

وهنا يلزم تعريف القَصْر، ما هو؟

هو حذف ساكن السبب الخفيف من آخر التفعيلة وإسكان سابقه، أي أن تفعيلة (فعولن)، تصبح: (فعولْ). 

فهل ذلك كذلك في البيتين السابقين؟ 

كلَّا، وإنما صواب البيت الأوَّل:

ويَأْوِيْ إلى نِسْوَةٍ بائســـــــــاتٍ ** وشُعْثٍ مَراضيعَ مِثْلِ السَّعالْ

وصواب البيت الآخر:

على رَسْمِ دَارٍ قِفارٍ وَقَفْتُ ** ومِن ذِكْرِ عَهدِ الحَبيبِ بَكَيْتْ

بالوقف، وإلَّا فلا شاهد فيهما كما أوردهما المحقِّقون الثلاثة.

 والبيت الأخير هو من شِعر ابن عبدربِّه نفسه، وهو مقصور، مسكَّن الآخِر لا مضمومه، من أبيات مطلعها:

فُؤادِيْ رَمَيْتَ وَعَقْليْ سَبيتْ ** ودَمْعيْ مَرَيْتَ  ونَوْمِيْ نَفَيْتْ

 

-2-

ومثال آخَر:

أورد (أبو تمَّام) في «حماسته» البيت الآتي:

يا مَنْ رَأَى يومَنا ويومَ بَنِيْ    [م]    التَّيْمِ إِذِ التَـفَّ صِيْـقُـهُ بِـدَمِـهْ

فساقه معظم ناشري «الحماسة» ومحقِّقيها وشارحيها، هكذا:

مَنْ رَأَى يومَنا ويومَ بَنِيْ    [م]    التَّيْمِ إِذِ التَـفَّ صِيْـقُـهُ بِـدَمِـهْ

 مع أن بعض المحقِّقين قد نَبَّه إلى أن في إحدى النَّسَخ: «يا من».(1)  لكنه كان يجب أن لا يُورَد البيت مكسورًا هكذا، بل أن يُعتمَد الصواب في المتن، مع التنبيه في الحاشية إلى ما وُجِد في النسخ.  فلا يعني اعتماد نسخةٍ للتحقيق أن تُنشَر على عواهنها، بأخطائها اللغويَّة والنحويَّة والعَروضيَّة. 

كما وردَ البيت بخطئه هذا أيضًا لدَى:

- (المرزوقي، أبو علي، (1991)، شرح ديوان الحماسة، نشر: أحمد أمين وعبدالسلام هارون (بيروت: دار الجيل)، 1: 330/ 1).

- (المعري، أبو العلاء [منسوب إليه]، (1991)، شرح ديوان حماسة أبي تمَّام، تحقيق: حسين محمَّد نقشة (بيروت: دار الغرب الإسلامي)، 1: 243/ 1).

- (التبريزي، الخطيب، (1938)، شرح ديوان الحماسة، تحقيق: محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد (القاهرة: مطبعة حجازي)، 1: 314/ 1). 

وهو مكسور الوزن في تلك الكتب جميعًا، رغم من قام عليها من الشرَّاح والمحقِّقين والناشرين.  وصوابه: «يا مَن رأى».  ووزنه من (البحر المنسرح). 

الغريب أن هؤلاء الشرَّاح والمحقِّقين والناشرين لم يلتفتوا إلى هذا الخطأ في وزن البيت، حتى عندما كانوا يجدون أمامهم تحديد وزنه، وأنه من المنسرح، وذلك مثلما نجد في شرح التبريزي، الذي أتى به مكسورًا، مع ذِكْر وزنه. 

فماذا يعني هذا؟

ما لذلك من تفسير سوى الجهل بالعَروض، أو الغفلة والإهمال، أو هذه العوامل مجتمعة.  وإذا كان قد وقع ذلك في مخطوطٍ قديمٍ لخطأ من الناسخ، فما يُعفي ذلك من التنبيه إليه وتصحيحه ممَّن اضطلع حديثًا بواجب التحقيق والتدقيق وإخراج نصٍّ صحيح. 

غير أني- إبراءً للذِّمَّة!- قد وجدت البيت صحيحًا لدى (الشنتمري، الأعلم، (1992)، شرح حماسة أبي تمَّام، تحقيق: علي المفضَّل حمُّودان (دبي: مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، بالتعاون مع دار الفكر المعاصر- بيروت)، 1: 322/1).

وقِسْ على هذا الكثير، ممَّا تعثُر عليه مصادفةً، ولو تتبَّعت لوجدت منه أكثر.

(1)  (بيروت: دار الكتاب العربي، 1983)، 5: 494.

(2)  يُنظر: أبو تمَّام، (1981)، الحماسة لأبي تمَّام، تحقيق: عبدالله بن عبدالرحيم عسيلان (الرياض: جامعة الإمام محمَّد بن سعود)، 1: 197/ 1. 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.