3

:: ماذا نعني بلغة الشعب؟ ::

   
 

التاريخ : 15/07/2017

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 343

 


 

 

كثيرا ما نسمع أو نقرأ عن امتياز العامية لأنها " لغة الشعب". يَرد هذا المفهوم أكثر ما يرد مرتبطا بشعر العامية. لكننا قلما نتوقف ونتساءل: ما الذي نعنيه على وجه الدقة بـ(لغة الشعب)؟ هل نقصد أنها اللغة التي تعبّر عن الشعب من حيث مضمون ما يقال؟ أي من حيث التعبير عن تطلعات الشعب الحقيقية وثوراته وآماله؟ أم أننا نقصد بلغة الشعب شكل اللغة أي سهولتها وقدرتها على الوصول إلى قطاع عريض؟. إذا اعتمدنا على "المضمون" سنجد أن العامية والفصحى تحفلان بالتعبير عما هو تقدمي وثوري، كما تحفلان بالتعبير عما هو رجعي ومتخلّف ومعادٍ لآمال الشعب، وسنلمس ذلك حتى في صميم الأدب الشعبي. في العامية سنجد ومضَ الكبرياء كما عند ابن عروس في قوله: "لابد من يوم معلوم ترتدُّ فيه المظالم"، وسنجد أيضا المذلّة في المثل الشعبي "العين لا تعلو على الحاجب". سنجد سيرة "أدهم الشرقاوي" وسنجد سيرة الجرجاوية الصعيدية حيث يتم تمجيد الأخ "متولي" الذي ذبح أخته انتقاما للشرف بل وامتداح القاضي والثناء على عدالته لأنه حكم ببراءة القاتل! وإذن، فالمضمون ليس هو المعيار الذي تمتاز به العامية على الفصحى لنقول إنها "لغة الشعب".

في الفصحى أيضا سنجد ما يعبّر عن آمال الشعب، وسنجد عكس ذلك. سنلمس الشعور بكرامة الشعب في صيحة أحمد عرابي بالفصحى "لسنا عبيدا ولن نورث"، وفي صيحة جمال عبد الناصر: "باسم الأمة تؤمَّم الشركة العالمية لقناة السويس.. وينتقل إلى الدولة جميع مالها من أموال"، وستعبّر الفصحى عن ومضات الروح الشعبية المقاتلة كما في قول أمل دنقل "لا تصالح ولو قلدوك الذهب"! ومن ناحية أخرى فسوف نلقى في الفصحى الكثير مما يعبّر عن الخنوع والتخلّف والرجعية.

لا نستطيع إذن أن نتحدث سواء عن العامية، بصفتها "لغة الشعب" انطلاقا مما تعبّر عنه أو انطلاقا من مضمونها. وطالما نقلت العامية– كما فعلت الفصحى أيضا- أفكارَ مختلف التيارات والطبقات المتصارعة بجوانبها السلبية وجوانبها الإيجابية. والسبب الحقيقي في تنحية ذلك المصطلح "لغة الشعب" وإسقاط ذلك الامتياز عن العامية أنه لا توجد "لغة للشعب" بالمعنى المتداول، كما لا توجد لغة للطبقة الحاكمة أو الأرستقراطية بالمعنى المتداول. فلا العامية لغة الشعب ولا الفصحى لغة الطبقة السائدة. بطبيعة الحال تنشأ حول كل طبقة تعبيراتها الأقرب إليها، وإلى حياتها، وكلماتها الأقرب إلى طبيعة تلك الحياة، وما قال عنه الشعب "الكنيف" قالت عنه الطبقات الثرية "الحمام" تعفّفا عن أن تردّد ما يقوله الرعاع، وعندما شاعت كلمة الحمام انتقل السادة إلى كلمة "دورة مياه" وعندما شاعت الأخيرة ذهب الأثرياء إلى كلمة "تواليت". وعندما يقول رجال الأعمال: "جنتلمان" يقول البسطاء: "رجل مجدع"، وهكذا. لكن ذلك لا يسقط أن هناك لغة عامة مشتركة أساسية، لأن اللغة تقع في نطاق خارج الطبقات، أي في نطاق توصيل الأمة أو الشعب بأكمله ببعضه البعض، ومن ثم فإنها لا يمكن أن ترتمي في أحضان فئة بعينها أو طبقة بذاتها. يظل دور اللغة هو التواصل والتفاهم لتيسير المصالح الوطنية والاقتصادية والفكرية المشتركة والمتضاربة أيضا، لكن يظل دور اللغة الأول والأخير هو: التواصل، وهذا تحديدا ما يمنع احتكار فئة لها، وما يمنع تحجيمها بأنها "لغة" هذه الطبقة أو تلك، أو "لغة الشعب" في مواجهة الطبقات الحاكمة.

أما عن العلاقة الحقيقية بين العامية والفصحى، فهي علاقة التفاعل وليس النفي. ويخطئ الكثيرون حين يعتبرون أن اللهجة العامية "لغة" رغم احتشادها بالصور الشعبية واقترابها من تصوير حياة البسطاء. فاللغة تستلزم وجود معجم لغوي يضم مفردات اللغة، وتستلزم منظومة قواعد معمول بها، بينما أكثر من تسعين بالمئة من مفردات العامية هي كلمات إما فصيحة أو ذات أصول فصيحة، وفي الوقت ذاته لا يتوفر للعامية أي منظومة قواعد تختلف عن منظومة الفصحى ماعدا أسماء الإشارة، إذ يُقال "اللي" بدلا من "الذي" ويشار إلى المثنى في صيغة الجمع، وما شابه، وذلك كلُّه لا يكفي للحديث عن منظومة قواعد  تحكم اللغة. وقد سجلتُ ذات يوم حديثا بيني وبين صديق بالعامية، طبعا وبعد نصف ساعة أخذنا نسمعه لنرى الكلمات العامية التي به فلم نجد سوى أسماء الإشارة وخمس كلمات لا أصول لها في الفصحى. ولا يتصور الكثيرون أن كلمةً ما، يفترض أنها عامية مصرية مثل "بقف" كلمةٌ فصحى، وكلمة "لهوجة" و"ملهوج" فصحى، وكلمة "عامنوّل" محرفة عن "عام أول"، ومن الفصحى أيضا كلمة "سبهلله"، وكلمة "شوية" و"بس" وكلمة "شمحطجي" (أضيفت إليها اللاحقة "جي" التركية علامة على المهنة) أصلها في الفصحى شمحط، ونقول "فلان هجاس" وهي فصحى، ونقول "فلان طرطور" ومعناها في لسان العرب "الوغد الضعيف" وجمعها طراطير.

العاميةُ هي ابنة الفصحى التي تقوم بتطوير أمها الفصحى وجرّها إلى العصر الحديث، لكنها ليست لغة بحدّ ذاتها، وليست من باب أولى "لغة الشعب"، لكنها المعمل الذي تختبر فيه صلاحيات الكلمات الفصحى، وما يتّسم منها بقدرة على البقاء وصلاحية للحياة، وما ينبغي إهماله. وقراءة متمعّنة لقصائد صلاح جاهين وفؤاد حداد وشعراء العامية الكبار بمنظور البحث عن أصول الكلمات ستكشف لنا أن العامية هي الفصحى متطورة، وأن الفصحى أمّ العامية، والصلة بينهما صلة تفاعل وتطوير متبادل داخل إطار لغة واحدة تتفرع اللهجة منها.     

     

د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب مصري

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.