3

:: مذكرات القديس الذي اكتشف سعاد حسني ::

   
 

التاريخ : 28/06/2017

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 361

 


 

 

حلت في 21 يونيو الذكرى السادسة عشر لرحيل سعاد حسني. وقد أتيح لي بالمصادفة أن أرى سعاد قبل أن تخطو أولى خطواتها الفنية في شقّة والدتها المتواضعة في حي الفوالة. ولم يحدث قط من اللحظة الأولى حتى النهاية أن اجتذبني إلى سعاد ما يسمّونه جمال المرأة، لكن قيّدتني إليها العاطفة والحيرة العميقة التي أطلّت من نظراتها. ليست ألوان الوردة ما يجتذب الإنسان في الوردة بل عطرها الخفيّ الساحر. أقول إني تعرفت إليها بالمصادفة، فقد كنت أسير ذات يوم مع والدي الشاعر الفنان عبد الرحمن الخميسي، وكان يسكن في عمارة في نهاية شارع الجمهورية قرب قصر عابدين، وكنا عائدين من مشوار حين استوقفنا شخص في الشارع وذكر والدي باسمه وبأنه كان ممَّن يستمعون إلى محاضراته عن التذوّق الموسيقي في "جماعة الجرامفون" بكلية الآداب. تذكره والدي. هذا كان عبد المنعم حافظ الذي اتّضح أنه زوج الست جوهرة والدة سعاد حسني. دعانا الرجل إلى الغداء في بيته مع أسرته في حيّ الفوالة القريب. وفي اليوم التالي اصطحبني والدي، وكان الجميع يطلقون عليه لقب "القديس"، ودخلنا عمارة متواضعة ثم شقّة بسيطة الأثاث. وعرّفنا عبد المنعم حافظ بزوجته الست "جوهرة" والدة سعاد. جلسنا وأكلنا ثم ظهرت سعاد ونحن نوشك على الانصراف. دخلت بصينية شاي صغيرة، نحيفة، خجولة. ابتسمت ووضعت الصينية وجلست ولم تنطق بحرف. فقط كانت تنظر إلينا. تأمّلها والدي طويلًا، لا أعرف لماذا ثم قال: "هذه البنت نجمة"! كنت معتادا على أن والدي مجامل فسألته في الشارع بعد انصرافنا: "أكنت تقصد بالفعل ما قلته من أن هذه البنت نجمة؟ أم هي مجاملة منك؟". توقّف وتنهّد بعمق قائلًا: "لا والله يا إبني. إنها نجمة. نجمة كبيرة". استعدتُ ملامحَها وهي جالسة ساكنة على طرف الكرسي. لم يكن بها شيء لافت إلا لمن يستطيع أن يلحظ العاطفة والحيرة العميقتَين تطلّان برقّة وشجن من عينيها. بعد ذلك دعاها والدي للقيام بدور"أوفيليا" في مسرحية هاملت مع فرقته المسرحية التي أنشأها باسمه في مارس 1958. وأخذت سعاد تتردّد علينا ولم تكن قد تجاوزت السادسة عشرة من عمرها. لم تعُرض المسرحية فرشّحها والدي للقيام بدور البطولة في فيلمه "حسن ونعيمة"، لكن منتج الفيلم الموسيقار محمّد عبد الوهاب رفض إنتاج الفيلم بوجهين جديدين: سعاد ومحرم فؤاد خشيةَ فشل الفيلم تجاريا، إلا أن المخرج هنري بركات تدخّل وأقنعه بأن قصة حسن ونعيمة كانت مسلسلًا إذاعيًّا ناجحًا ومن ثم فسيلقى الفيلم إقبالًا جماهيريًّا. وقد كان.

 

يقول والدي في مذكراته التي لم تُنشر عن سعاد حين رآها أول مرة: "لم أكن أدري لحظتها بأن جدائل شعرها المنسكبة تختزن وراءها تلك اللؤلؤة النادرة المثال التي ستخلب بالفن قلوبَ الملايين"! في تلك المذكرات كتب والدي أنه دهش حينما اقترح على سعاد دورا في المسرحية فبكت وغادرت الحجرة، ولم يفهم سر بكائها، إلي أن قال له زوج والدتها" هي خجلى لأنها لا تعرف القراءة والكتابة"! ويقول عبد النور خليل في كتابه"سعاد حسني ضحية" إنه عندما نشر الخميسي في 1970 مذكراته عن سعاد في مجلة الكواكب، مرت الحلقة الأولى بسلام، لكن سعاد التي صارت نجمة فوجئت في الحلقة الثانية بما كتبه الخميسي عن حياتها الشاقة وعن أنه كلف شخصا بتعليمها القراءة والكتابة. لم تسترح سعاد لذلك وخاطبت يوسف السباعي، وكان في حينه رئيسا لمجلس إدارة الهلال، فاتصل بالكواكب وقال لرئيس التحرير: "الآن ستحضر إليك سعاد حسني لأن الخميسي فيما يبدو قد كتب عبارات تسيء إليها. أوقفْ مونتاج المجلة واقرأ معها ماكتبه الخميسي واشطبْ كل ما تراه إساءة إليها". هكذا توقّف نشر المذكّرات! في تلك المذكّرات أكّد الخميسي أن فنانين عظماء بزغوا من ظروف قاسية وضرب مثالا بشارلي شابلن ليكون واضحا أن البيئة الفقيرة لا تعيب الفنان. لكن سعاد حسني قرأت المذكرات بعيني نجمة حريصة على صورتها، ومع ذلك ظلّت تعترف بفضل الخميسي عليها. وفي كتاب "سندريلا تتكلم" تقول الفنانة الكبيرة لمنير مطاوع: "أنا كنت في حالة كده ممكن تسمّيها حالة انتظار.. يعني مش عارفَه حَ أعمل إيه بالضبط.. لغاية ما ظهر الأستاذ الخميسي". وتضيف: "الأستاذ الخميسي أول انسان علمني أن الفن حاجة كبيرة قوي.. ولا أنسى هنا أنه قال لي ونحن بنقرأ دور" نعيمة" إن أول حاجة علي أني أعملها أني أنسى كل الممثلات اللي شفتهم في الأفلام وأنسى بالذات فاتن حمامة. ولا أنسى له أبدا فخره الشديد بي وهو بيقدمني لكبار الكتاب والشعراء والصحفيين، كان بيقول لهم دي بنت مصرية، جمالها من جوّه ومن برّه.. وإليه يرجع له الفضل في أن يتكوّن بداخلي في سنّ مبكرة مفهومي عن أن أكون فنانة شاملة مثله، لأنه شاعر وعبقري ومثقف وكاتب وزعيم وكل حاجة.. وكمان كان فلاح حقيقي وكان فخور أنه فلاح ابن فلاح". 

حين تركنا مصر أنا ووالدي عام 1972 وعلمتْ سعاد بسفرنا ذهبت إلى الشقة التي كانت تسكن فيها والدتي. جلست بجوارها وفتحت حقيبة يدها وكانت عامرة بالنقود وألقت بما فيها على الأريكة وقالت لوالدتي: "تفضلي يا ماما كل ما تريدين".

كانت سعاد ومضة نادرة المثال في تاريخ الفن، لهذا كتب عنها نجيب محفوظ: "سعاد أعظم ممثلة عرفتها السينما المصرية" وامتدحها أدباء ومفكّرون وشعراء كثيرون. الآن وقد انقضى على لقائي بها أول مرة أكثر من نصف قرن، مازال انطباعي الأول عنها هو انطباعي الأخير، فلا أرى سوى عينين تطلُّ منهما عاطفةٌ وحيرةٌ عميقتان، ويعصف القلق بثبات نظرتها المعذبة. لم يستطع لا المجد ولا المال ولا الشهرة أن يمنحها الطمأنينة والحب ولا داوي كل ذلك السطوع حرمان الطفولة من الحنان. وظلّ في صوتها الشبيه بالقطيفة خيط يرتجف حتى النهاية. وفي الغربة توفي الاثنان: مكتشف اللؤلؤة العبقري عام 1987، ومن بعده بأربعة عشر عامًا الجوهرة التي ما إن شاهدها ذات يوم حتى قال: "هذه الفتاة نجمة".  

 

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.