3

:: رمضان على الطريقة الروسية ::

   
 

التاريخ : 22/06/2017

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1764

 


 

 

حلّ علينا شهر رمضان فى موسكو، ودعاني صديق لأفطر معه، وكان المصريون فى الغربة يتحايلون – حتى فى الصقيع والثلوج- على استحضار طقوس رمضان المصرية ليبعثوا فى النفس شعورا يمتزج فيه الدين والوطن، لكنك مهما حاولت لا تستطيع أن تصنع نسخة من الوطن، وهذا حديث آخر. المهم أن سائق التاكسي وأنا فى طريقي لمنزل صديقي سألني ليكسر الصمت بيننا: من أيّ بلد أنت؟. أجبتُه: أنا من كوبا. لم أقل له إني من مصر تجنُّبا لأي نقاش سياسي بعد طرد السادات الخبراءَ السوفييت. المفاجأة أن وجه السائق تهلّل فرحا وصاح: معقول! أنت كوبي؟. هززتُ رأسى بثقة نعم. كوبي. كوبي. قال: يا إلهي! لقد عشتُ واشتغلتُ عندكم عشر سنوات! قلت فى نفسي داهية تأخذك. يعنى من بين مليون سائق فى موسكو لا يوقعني الحظ إلا معك! وانهال يحدثني بالإسبانية، ولم أكن أعرف منها غير كلمة سي، أى نعم، ولا أكثر. وبعد أن أثبت طلاقته فى اللغة سألني بالروسية مزهوا: لكن كيف تجد لغتي الإسبانية؟ قلت له: جيدة. لكنك تعاني مشكلة فى النطق. تكلّم وسأظهر لك هذا. ظلّ يتكلّم من دون أن أفهم حرفا لكني حفظت كلمة مما قاله وأوقفته مظهرا استيائي قائلا: أنت مثلا تمد الحرف الأخير من كلمة انستيتوتو، وهذا عيب جدا عندنا فى الإسبانية، لا يمدّ الحرف الأخير عندنا إلا الرعاع.

اعتذر الرجل عن وضاعة نطقه، وظلّ يتكلم وأنا أصوب له ما يقوله، فأمدُّ فى حرف، وأقصّر فى آخر، وأعوَجُّ في ثالث، حتى وصلنا، فلذتُ بالفرار بعد أن دفعتُ الحساب. أفطرنا عند صديقي، وكانت زوجته روسية مضيافة وكريمة، وبعد ذلك اتجهنا معا إلى الجامع التتاري الذي شُيِّد عام ١٩٠٢، وهو أكبر جامع فى أوروبا كلها الآن، وتصل مساحته بعد تجديده مؤخرا لنحو عشرين ألف متر مربع، ويتّسع لعشرة آلاف مصلٍ فى وقت واحد. وكان المصريون والعرب يتجمّعون فى ذلك المسجد الضخم فى شهر رمضان فيشعرون معا برائحة الوطن تحت قباب ذلك المسجد العظيم ويستحضرون ذكرياته ثم يتفرّقون عائدين إلى بيوتهم، إما جماعات للسهر معا أو فرادى. وقد يستغرب البعض أن يقع أكبر مساجد أوروبا فى روسيا، لكن نظرة على التاريخ الروسي تظهر أن الحضارة الروسية كانت دوما مزيجا من ثقافة شرقية أوروبية وتفاعل ثقافي إسلامي مسيحي.

لهذا ننجرف نحن- المصريين والشرقيين- عامة للموسيقى الروسية التى نشعر معها بالروح الشرقية، كما نجد أنفسنا بقوة فى الأدب الروسي بقدر تجسيده الجانب العاطفي المتأصّل فينا، وقد نشأت هذه الصلة الروحية من تاريخ طويل، فقد هبطت أولى السفن العربية فى مياه دير بند فى داغستان جنوب روسيا فى القرن السابع ميلادي، ومن هناك انطلق العرب إلى أذريبجان وكازاخستان وبلاد آسيا الوسطى، لكنهم لم يصلوا إلى قلب روسيا ذاته، هكذا وضعت الثقافة العربية أقدامها فى روسيا قبل نحو ثلاثة قرون من اعتناق الروس المسيحية عام ٩٨٠ ميلادية. ومن أهم آثار العلاقة التاريخية كتاب ابن فضلان عن رحلته إلى الفولجا مبعوثا للخليفة العباسي عام ٩٢١ ميلادية للتبشير بالإسلام، وفى كتابه وصف ابن فضلان، لأول مرة، في تاريخ العلاقة مع روسيا أحوال الشعب الروسي وعاداته وتقاليده، واسترعت انتباهه بنية الإنسان الروسي، فكتب يقول: لم أر أبدانًا أتمَّ منهم كأنهم النخيل! ومبكرا فى عام ١٧١٦ صدرت فى روسيا أول ترجمة كاملة للقرآن الكريم. لهذا لم يكن مستغربا أن يكون لدى أمير الشعراء الروس «بوشكين» عمل أدبي عام ١٨٢٤ تحت تأثير القرآن الكريم بعنوان «قبسات من القرآن الكريم»، كما كتب «ليالٍ مصرية» عام ١٨٣٥، وأشار إلى تأثير الثقافة العربية قائلا: «العرب هم الذين ألهموا ملاحم العصور الوسطى تلك النشوة الروحية، وتلك الرقة، والحب»، أما العظيم ليف تولستوى، فقد ترجم من الإنجليزية الأحاديث النبوية التى أعجبته فى كتاب بعنوان «حكم النبي مُحمّد» نشره فى ١٩٠٤، كما أن العلاقات الرسمية بين مصر تحديدا وروسيا بدأت أيضا مبكرا، منذ عصر مُحمّد علي الذي لم يجد طريقة لاستخلاص الذهب من جنوب سنار بالسودان، عام ١٨٢٠، فأرسل إلى روسيا طالبَين مصريين ليدرسا التعدين هما: إيليا آشورى، وعلي مُحمّد، وسافر الاثنان إلى سيبيريا حيث تصل درجة البرودة إلى عشرين تحت الصفر، وأثارا بملامحهما الإفريقية هناك دهشة أهالى سيبيريا الروس وفى مطلع عام ١٨٤٧ عاد الاثنان إلى مصر ليقودا حملات اكتشاف واستخلاص الذهب! وعندما قامت الكنيسة الروسية بحرمان ليف تولستوي من حقوقه الكنسية، عقابا له على تمرّده على الكهنة، تبادل الرسائل مع الإمام مُحمّد عبده، وكتب له الإمام في 1904 قائلا: «أيها الحكيم الجليل مسيو تولستوي، إن وجودك توبيخ من الله للأغنياء ومددٌ من عنايته للضعفاء والفقراء»، فيرد عليه تولستوى قائلا: «صديقى العزيز تلقيت رسالتكم الطيبة، وأؤكد لكم أنها أثارت فى نفسى ارتياحا كبيرا لكونها جعلتنى أتعرف إلى شخص مثقف رغم أنه يعتنق دينا آخر غير الذى نشأت أنا وتربيت عليه، لكنه يدين معى بإيمان واحد، لأن المعتقدات مختلفة لكن الإيمان بالحقيقة واحد.. وأظن أننى لم أخطئ إذ افترضت أن ما أؤمن به هو ذاته ما تؤمنون به أنتم أيضا، أى الاعتراف بالرب وسنته وبأن تفعل لغيرك ما تحب أن يفعله لك، وأظن أنه كلما ازدادت العقائد بساطة ونقاء تصبح أقرب إلى بلوغ الهدف الأسمى للبشرية أى التوحد العام. تفضلوا حضرة المفتى العزيز بقبول خالص مشاعر الود. صديقكم: ليف تولستوي».

في حضرة كل هذا التاريخ الروسي الشرقي كان المصريون يقضون شهر رمضان فى روسيا، وفى ظل التفاعل لا الإقصاء، والمحبة لا الكراهية يستحضرون شجرة على غصنها ثمرة طعمها مزيج جميل من الوطن والدين.

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.