3

:: عودة نوتة الإلحاد النشاز على ألسنة أعداء التقدم والحرية ::

   
 

التاريخ : 09/06/2017

الكاتب : مصطفى محمد غريب   عدد القراءات : 304

 


 

 

أمن الضروري أن نعيد ونكرّر قول المثل؟  "عادت حليمة إلى عادتها القديمة" نجيب باستفسار آخر: ما العمل إذنْ؟ لأن العراقيين يعرفون المثل وهم الذين أطلقوه على ما نعتقد، والعادة القديمة عند حليمة معروفة وهي عادة سيئة وذميمة!، نوتة الاتهام النشاز بالإلحاد قديمة لكنها عادت على ألسنة البعض من السياسيين ورجال الدين السياسيين الحاقدين والخائفين، وعدم الشعور بالمسؤولية من إثارة فتنة من نوع آخر تضاف إلى فتنة التفرقة الطائفية، ونرى أن المثل يثير الحساسية عند البعض وبخاصة من لديهم رأي مخالف ويعتقد انه على حق وغيره باطل، لدينا الرأي الآخر مقبول ولسنا بصدد إلغائه ومن حقه الاعتراض والاختلاف بشرط أن لا يفرض على الآخرين ما يؤمن بهِ، لأننا نؤمن باختلاف الآراء وليس العكس، أما الاتهام بالإلحاد، هذه النوتة المشروخة، فهو نابع من تاريخ موبوء حافل بالمخالفات القانونية والشرعية  هدفهُ كما أسلفنا أن يُفرض على الآخرين، بالإرهاب الفكري، أو بالقوة والعنف الجسدي  واستخدام السلطة التي استحوذ عليها بطرق مختلفة. المثال الوارد في المقدمة يقاس بمقياس الحالة المضرّة التي تتكرّر في ظروف معينة أيضاً، وإطلاقه ليس اعتباطاً بلا أسس أو دون سبب ومعنى، مفردة "الإلحاد" عاصرت حكومات سابقة في أوقات زمنية مختلفة، ومطلقوها كانوا معروفين ولا خشية من القول أنها من صنع  الدول الاستعمارية ودوائر الاستخبارات الخارجية وإملاؤها على التابعين والمتحالفين من قوىً رجعية الفكر وأيدلوجية معادية للفكر التنويري التقدمي  في دول وحكومات تابعة تتكفل بحمل مسؤولية بثّ سموم التفرقة وشقّ الصف ومعاداة الحريات والديمقراطية عبر الأجهزة الأمنية منذ قيام الدولة العراقية الحديثة إبان القرن العشرين (للعلم تهمة الزندقة والإلحاد تمتد إلى مئات السنين في تاريخ العراق)، نقول تبنّي هذا النهج في العهد الملكي وأجهزته الأمنية من التحقيقات الجنائية والوكلاء والعملاء والإعلام المأجور إضافة إلى ما قامت به الحكومات المتتابعة حتى نجاح ثورة (14 تموز 1958) ومن يتصور أن نهج معاداة القوى التقدمية وتبنّي الاتهام بالإلحاد والتخطيط له قد انتهى بحلول الثورة فإنه واهم تماماً إذ سرعان ما عادت هذه التخرّصات والافتراءات والاتهامات وعمليات التشويه قوية بدعم  مادي ومعنوي واسع منقطع النظير.  فمثلاً، بعد ثورة 14 تموز قامت القوى القومية من بعثيين وقوميين متطرفين بدعم من القوى الرجعية بحرق القرآن الكريم علناً واتهام الشيوعيين وإلقاء القبض عليهم وجلب شهود زور دُفع لهم (هذه تعرّتْ بعدها من قبل الشهود الزّور أنفسهم أو من حرّضهم ودفع لهم) لتقوم محكمة العقيد شمسي العسكرية  بإصدار أحكامٍ بالإعدام أو عقوبات بالسجن يصل البعض منها إلى المؤبّد، واستغلَّت قضية فلسطين كشماعة لوضع أوساخ العقول الرجعية والقومية وحزب البعث العراقي ودعم المخابرات الأجنبية وسعت إلى تغييب الحقائق وبث الإشاعات وإذا بوعد بلفور الإنكليزي بريء كبراءة الذئب من ابن يعقوب وإذا به المدافع عن الشعب والقضية الفلسطينية!! حيث أطلقتْ هذه القوى متكاتفة ومتضامنة مع القوى القومية وبعض رجال الدين حينذاك شعارها المكلّل بالتشويه والأكاذيب "فلسطين عربية فلتسقط الشيوعية، كأن الشيوعيين هم أصحاب وعد بلفور!!" وانضمّ للجوقة ليس أيتامُ العهد الملكي والبعثيون والقوميون وبقايا الإقطاع والرجعية والقوى المرتبطة مصالحها بالاستعمار فحسب بل تبنّته ثلّةٌ من رجال الدين في مقدمتهم رجل دين كبير، وهو الذي أفتى فتواه المشهورة "الشيوعية كفرٌ وإلحاد " وأكد معناها ولدُه فيما بعد إذ أشار أن الفتوى عنتْ  "لا يجوز الانتماء إلى الحزب الشيوعي فإن ذلك كفر وإلحاد"،  هذه الفتوى استُغِلَّت من قبل القوى الاستعمارية واستُخدِمَت من انقلابي 8 شباط 1963 الدموي والقوى القومية المتطرفة والرجعية من إقطاع وأيتام العهد الملكي فكانت انهار من الدماء وعشرات الآلاف من المعتقلين الوطنيين والديمقراطيين والمستقلين وصولاً إلى إعدام الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم ورفاقه من الضباط المخلصين والعديد من قادة الحزب الشيوعي على رأسهم سلام عادل وجمال الحيدري وحسين عوينة وغيرهم، وقد ساعدت هذه الفتوى أيضاً على إجهاض ما قدمته ثورة 14 تموز 1958 من مكاسب ملموسة في مقدمتها قانون الإصلاح الزراعي وقانون العمل والأحوال الشخصية وقانون 80 حول الأراضي النفطية غير المستغَلة وحرّرت العراق من دائرة الإسترليني وغيرها من قوانين خدمت الطبقات الكادحة والفقيرة، واستمرت الحملات الدموية الشرسة غير الأخلاقية بالضد من القوى المدنية والوطنية والديمقراطية وفي مقدمتهم الشيوعيين العراقيين بعد سقوط نظام البعث الأول وبخاصة في عهدي عارف المعروف بعدائهم  للقوى التقدمية وما أن حلَّ انقلاب (17 تموز 1968) حتى شحذت حكومة البعث الجديدة ومعها قوى الردة الرجعية وجميع الأجهزة الأمنية الداخلية والخارجية سيوفها وفتحت أبواب السجون والمعتقلات القديمة والجديدة والوسائل الإعلامية لإطلاق تهم الإلحاد والتكفير فبات الشعار عبارة عن زاد يومي للإعلام المأجور حتى أثناء فترة ما يسمى بالجبهة "الوطنية التقدمية!!" وبعدها ارتفعت وتيرة الاتهامات ليس فقط في الإعلام بل كونه نهج تبناه النظام الدكتاتوري وأجهزته الحزبية والأمنية.

 لقد استمرت هذه الاتهامات والتشويهات على خلفية الخوف من القوى المدنية الديمقراطية ومدى اتساع تأثيراتها على وعي الجماهير باتجاه قضايا التحرر والتقدم والتنوير، وكلما اشتد عود القوى الوطنية والديمقراطية والاشتراكية تزداد وتشتد الهجمة على القوى التقدمية وفي المقدمة..

 1 ـــ إرهاب السلطة الذي لا يترك سانحة من الوقت إلا ويستغلها لممارسة آليات الترغيب والتهديد بما فيها فتح السجون والمعتقلات وإقامة المحاكم المجحفة من محاكم العرفي العسكرية المعروفة ومحاكم امن الدولة وبما يسمى محكمة الثورة التي أنشأها نظام البعث العراقي التي حكمت على الآلاف بأحكام جائرة بما فيها الإعدامات التي طالت الكثير منهم بحجج مختلفة منها "العمالة والإلحاد".

2 ــــ استغلال الإعلام ودور الثقافة والفنون والهيمنة عليهم لبث السموم الفكرية التي تعتمد على تحريف القيم والتراث والتاريخ وتجهيز اتهامات الإلحاد والتكفير والارتباط  بقوى هلامية خارجية للهيمنة على عقول المواطنين ولتهيّئ الظروف أمام عمليات القتل والتغييب ومحاربة القوى الوطنية والديمقراطية والاشتراكية.

إلا أن كل ما قامت به المخابرات الدولية البريطانية، التي كان لها باع كبير في العالم (الانتلجس British intellegence Agency)  (CIA الأمريكية) ودول أخرى والحكومات المتتابعة على العراق حتى سقوط النظام الدكتاتوري لم تجد نفعاً في تغييب الأفكار التنويرية وبقى الوعي الوطني راسخاً، على الرغم من الهجمات والتحريفات والدعايات بما فيها فتوى دينية وطائفية أُعدّت لهذا الغرض بفضل كمياتٍ هائلة من الأموال التي توزع لتحريك القوى الرجعية والإسلامية المتطرفة عند الوقت المحدود وفي أوقات ترى فيها هذه القوى مخاطر حقيقية على مصالحها الطبقية والسياسية.

منذ احتلال العراق وإسقاط النظام في 2003 كانت هذه القوى تتحين الفرص لكي تعيد أمجادها في محاربة القوى التقدمية، ومنذ هيمنة البعض من قوى الإسلام السياسي  بدأ نهج الاتهامات يتغير تحت طائلة من الشعارات الدينية والطائفية للسيطرة على المواطنين ودفعهم لتبنّي الأفكار القديمة الظلامية حول قضايا الإلحاد والزندقة، فتارة استغلال الشعارات القديمة والفتاوى التي أكل الدهر عليها وشرب، وتارة المناسبات الدينية والشعارات الحسينية بشكل غير مباشر لكنه باطني التوجيه، وفي بعض الأحيان تفلت الألسنة هنا وهناك ولدينا بالملموس أسماء تلك الشخصيات التي ترتدي الزيّ المدني تارة وتارة العمامة لتضليل المواطنين وتوجيههم لخلق حتى الفتنة الطائفية، وأن لا نعرف المناسبة من تصريحات نوري المالكي المستمرة بدعوى "الخطر على المشروع الإسلامي وبناء الدولة الإسلامية أو الخوف على الدين" وهو يقصد مشروع القوى المدنية الوطنية التي تجاهد من اجل بناء الدولة المدنية الوطنية الديمقراطية، وما يطلقه عضو شورى حزب الدعوة الإسلامية ودولة القانون عامر الكفيشي في أيام الجمعة من تشويه لمشروع ومواقف التيار المدني واتهاماته المضللة بالإلحاد وانه يأتمر بإمرة الدوائر الأمريكية ودول الغرب بما فيها تهمة "الصهيونية". هذا النهج المبرمج والمعادي لفكر التيار المدني لم يأت من فراغ بل هو امتداد للفكر الظلامي الرجعي المعادي للقوى المدنية الديمقراطية،  ولا تعد مفاجأة  تصريحات السيد عمار الحكيم رئيس التحالف الوطني الشيعي ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى الذي أطلقه ومطالبته وتهديداته "بالضرب بيد من حديد على داعمي الأفكار الإلحادية وتعرية الأساليب التي يتّبعونها في نشرها!" هذا الموقف الذي يتناقض مع دعوته من اجل الوحدة والتكاتف ضد الإرهاب والاختطاف!!، نحن نعتقد أنهُ يعني الأفكار المدنية التي تسعى من اجل بناء الدولة المدنية وبالضد من المشروع المغلق لبناء الدولة الإسلامية الذين أنفسهم غير ملتزمين به إلا لفظياً، أما الفكر السلفي الإرهابي ومنظماته الإرهابية كالقاعدة وداعش وفلول البعث المتسترين بالإسلام وبالسلطة فلدينا الكثير مما قاموا به من جرائم التفجير والتفخيخ وذبح المواطنين باسم الدين، والدين بريء منهم، وهم يخططون بالضد من التيار المدني والقوى الوطنية والديمقراطية، إضافة إلى أن هناك العديد من التصريحات والاتهامات للمشروع المدني الوطني الديمقراطي والاتهام بالإلحاد والتكفير والزندقة وغيرها دليل على تصاعد الهجمة الرجعية بالضد من التنوير والأفكار التنويرية وخوفاً من تنامي واتساع الأفكار المدنية والتقدمية وانسلاخ المواطنين عن مشروع الدولة الإسلامية الذي أطلقته أحزاب الإسلام السياسي المتنفذين وأصحاب القرار الذي يقودون السلطة منذ سقوط النظام الدكتاتوري. لن تجدي الاتهامات نفعاً لأن التاريخ شاهد على أولئك الراقدين في مزبلته المعروفة.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.