3

:: عطية مسوح في (منارات شعرية.. مقاربات نقدية تذوّقية) ::

   
 

التاريخ : 19/05/2017

الكاتب : أحمد علي هلال   عدد القراءات : 1118

 


 

 

عبر مدخل تأسيسي بمهاد نظري/ تأصيلي يقارب الباحث الأستاذ عطية مسوح تجارب شعرية راهنة ومعاصرة، لشعراء قد اختارهم بمنهج مضبوط ورؤية تمتد إلى ما بعد منجزهم، انطلاقاً من رحلة معرفية ولغوية في نظرية النقد والتذوق، والسجال بينهما ليصل إلى استنتاج حاسم يقول فيه: (إن النقد عمل تذوقي، والدراسة الأدبية عمل علمي، والبحث في نظرية الأدب عمل فلسفي) وهذا ما أحاله إلى أن يمد (أريكته) لينفتح بها على معنى عن الحداثة، التي فرضت جمالياتها منذ أن ظهر شعر التفعيلة، ومنذ أن بدأت الأشكال الجديدة تكرس حضورها في القصة والرواية والمسرحية، ومنذ أن انتشرت قصيدة النثر واحتلت مكانتها على الساحة الشعرية العربية، يتساءل الباحث مسوح هنا: فلمَ نظل ندور في فلك النقد العربي القديم، أو نقد الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وفي هذا السياق يحاجج من يرى مقتصراً على التذوق هو جوهر العملية النقدية بالذهاب إلى طبيعة الحداثة الأدبية، بالاتكاء على أدوار النقاد العرب الكبار، من أمثال مارون عبود، وانطلاقاً منه يرى أنه لا يمكن أن تتحدد المقاربات النقدية المواكبة لمسيرة الحداثة بقواعد وأصول، متابعاً تساؤله المنهجي بالقول: (هل يمكن دراسة محمود درويش وأدونيس وجوزيف حرب وعبد الكريم الناعم وصقر عليشي... على أساس من القواعد النقدية التي وضعها النقاد والمنظرون، وهم يدرسون في شعر شعراء التفعيلة الأوائل؟ ألا نحتاج إلى رؤى نقدية جديدة ونحن ندرس ديوان كتاب الحب لنزار قباني؟ هل تسعفنا الأفكار والمقاييس النقدية التي أراد لها واضعوها أن تكون موضوعية في تلمس الجمال؟).

 

 من خلال بحثه العميق في نظرية التذوق والعلم، يأخذنا الناقد عطية مسوح في خلاصة التفكير والبحث وهواجس الأسئلة المنتجة والمشروعة، إلى العلاقة الأثيرة ما بين الناقد والقارئ، ليصوغ منهجه في الدخول إلى التجارب الشعرية السورية أنموذجاً، في تلمس البؤرة الجمالية في النص الشعري بمعنى شامل لا يقتصر على البيت، بل يذهب إلى حالة تكاملية يؤكد فيها أن مرجعية النقد هي التذوق الذي يتوسل صقله بالثقافة والتجربة، ولعل الباحث والناقد عطية مسوح في اختياره لنصوص شعرية بعينها وقف بها منافحاً عن وحدتها العضوية ومدى ما تمثله في وجدان القارئ المتمعن -القارئ الكاتب- لشعراء بعينهم نظراً لامتيازها سمة الإيجاز والتكثيف وخبرة الشاعر، وفي اعتقاده أن التكثيف والإيجاز يظلان الأصل في التعبير الشعري في القصيدة التقليدية وقصيدة الحداثة، على أن قصيدة الرؤيا التي يذهب موضحاً فيها بوصفها تحمل موقفاً شاملاً للشاعر تجاه موضوع أو قضية، هي القصيدة التي يندمج فيها الواقع بالحلم، فيصبحان وحدة تنشر ظلالها على علاقة الشكل بالمضمون، وتنطلق فيها رؤيا التغيير من رؤية الواقع، لذا فاختياره لنصوص من جيل الحداثة الأولى في مقاربات تطبيقية- بنيوية لافتة، ستفضي بنا إلى جماليات التحليل من وجهة نظر تمثل مرجعياته وثقافته ناقداً، أميل في مقارباته تلك إلى النقد الثقافي، وفي حقل الممارسة الجمالية التي تعاين التجربة وتلتقطها في الجوهري منها كما هو الحال لدى وصفي قرنفلي وإيليا أبو ماضي، على أن حساسية الجيل المعاصر ومنهم على سبيل المثال محمود درويش وصقر عليشي وسعد الدين كليب، سوف تتمثل فيها حساسيته كقارئ ينشئ أفعاله التواصلية مع النصوص ليفتح في كلماتها دلالات متجددة تثري فعل القراءة والتلقي بالأبعاد الجمالية والفكرية بآن، وليس في دوال الحقل اللغوي فحسب، وبذلك يقدم أنموذجاً في القراءة ذا خصوصية في استبار النصوص واستيعاء دلالاتها المعاصرة، في ضوء منجزات النظرية الأدبية وتحولات الخطاب النقدي الذي لا ينتهي إلى نتائج مطلقة، بحثاً عن معيارية ترتقي بالذائقة واكتشاف غير حساسية للنصوص المقروءة، وذلك يعني أن إيثاره التذوق النقدي القائم على الحساسية والمعرفة، ومن ثم معايشة النصوص توسلاً لرؤيتها في إطارها الكلي وتعددها البلاغي، سوف يبدو قيمة مضافة تجعل من رحلته القرائية، رحلة نوعية انتصاراً للشعر الحقيقي الذي لا يمر دون إعادة الاعتبار للأصالة، وبقدر انفتاحه على وعي الحداثة في تجلياتها النصوصية، بقدر ما يمنح قارئه حرية الخيال لحظة قبضه على ما يجعل من تلك النصوص قابلة للقراءة، بسمات إحيائية خارج البلاغة التقليدية، ليصبح كتابه أقرب إلى المرايا الجديدة في ضوء شواغل الشعر وقضاياه المختلفة.

والحال أن الأفكار التي ينطلق منها الكاتب ستشكل لدى القارئ ما يدعوه بالأريكة النظرية التي سيستند إليها في مقارباته النقدية، وتجلياتها قراءات بنائية وتشكيلية تستخلص وحدة الفكرة العامة ووضوح الفكر، باحثاً في الدوال التي تنتجها مقاربات النصوص على المستوى اللغوي والدلالي والثقافي، لينفتح على حقل شاسع من الدلالات، وهي دلالات تحيل القارئ إلى ماهية الشعر العظيم، ليقف عند ما يعنيه الإحساس بالمسؤولية اتجاه الشعر والقصيدة والقراء، في وقوفه في رحاب قصائد الشاعر صقر عليشي، والأدل في هذا السياق انتباهه للنماذج التي اختارها للمبدعين في مسارات تحليلية وتركيبية لقصائدهم، وبالمبنى الذي ذهب إليه الإشرافات، ذلك المعنى الكلي الجمالي الذي قارب التجربة الشعرية في غير منظور، كتجربة الشاعرة انتصار سليمان والفرح الهارب، وعبق الذات عند ريم هلال، وألم المدينة وألم الروح عند عبد الكريم بدرخان، ومواجع محمد الفهد، وندرة اليازجي والعزف على مقام الألم، دون أن يدعي امتلاك مقاييس دقيقة، إذ يمزج في اختياراته ما بين ذائقته على المستوى الشخصي وموضوعيته على المستوى الإجرائي، وهذا ما يفسر لنا لماذا اختار أولئك الشعراء وبشكل أكثر خصوصية نماذج دالة من قصائدهم، مستبطناً في تكوين عنوانه الإشرافات ما تنطوي عليه مقارباته من أبعاد فلسفية كما رآها عند الشاعرة ريم هلال، وفسرها بالقول: (مقاربات فلسفية لقضايا ذاتية/ كونية... أو ذاتية تعطيها رؤية الشاعرة بعداً مصيرياً كونياً)، ليتكامل منهجه في البحث عن شعرية الألم الخفي في تجارب الشعراء وقضاياهم المشبعة بهواجس الذات والآخر والعالم، وعبر تقنية الأشكال الإبداعية المحايثة لانفتاحهم على ماهية الشعر.

صحيح أن الباحث والناقد عطية مسوح قد انطلق من ذائقته أولاً، ليستبطن مواطن الجمال، لكنه ذهب أبعد من ذلك ليقارب بحساسية الناقد وطريقته أجيال الحداثة الأولى والمعاصرة، اختياراً حصيفاً يقبض على السعة والتوتر والحوامل الجمالية والمكونات البنائية، أي بعلمية النظرة ومرونتها في المقاربة لتتصل حساسيته بحساسية نقوده، ونصوصها المشبعة بحساسية الجمال والألم، إذ يستوقفه على سبيل المثال لا الحصر، هاجس السؤال محيلاً إلى هاجس القصيدة في ديوان الشاعر صقر عليشي (معنى على التل) التي رآها تتويجاً لتجربته الطويلة، ومؤكداً أن قيمة الامتداد الزمني تأتي من خلال ما يوفره من فرص للثقافة والمعاناة من جهة، وما يؤمنه من تراكم في الخبرة ونمو في القدرة على التعامل مع اللغة والتعبير عن الأحاسيس، إذ يبدو في تحليله لقول الشاعر عليشي (حصلت على حياتي من وحول/ كما حصل الأرز/ على بياضه)، قابضاً على إيحاءات النص كما سواه من قصائد يذهب إلى علاقاتها التبادلية، سابراً معاناة الشاعر التي أسهمت في تكوين شخصيته، والأدل تحريره لمعنى الوظيفة الانتباهية للشعر، وتحريره لحقل الدلالات التي أحالت إليها قصائد عليشي، وهي دلالات مجازية، سنراها موزعة على قصائد مختارة بعناية شديدة، ليقول بالقصيدة العالية التي توسمها في منجز الشاعر صقر عليشي وغيره.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.