3

:: أسـمـاء... ::

   
 

التاريخ : 19/05/2017

الكاتب : حـنّـا نـور الـحـاجّ   عدد القراءات : 1723

 


 

 

 

أســمـــــاء...

(صورٌ ليست من خيال)

 

 

(7)

وقفت الطالبة ريم قرب باب غرفة المعلّمين، وبين أناملها جوّالها الجميل، وسألتْ مَن في الغرفة عن معلّمة اللغة الإنـﭼليزيّة، لأنّها تحتاجها في شأن دراسيّ. سألها أحد المعلّمين مستوضِحًا عن اسم المعلّمة التي تريد (فمدرّسات الإنـﭼليزيّة في المدرسة نفسها خمس معلّمات). مرّت عدّة ثوانٍ حتّى تذكّرت: ..."سامية". استغرب المعلّمُ السائلُ الأمرَ...

 

(6)

كان الطلبة رامي وعبد الله وجورج وعدنان في ساحة المدرسة صباحًا، يتحادثون قليلًا، ويداعبون كثيرًا شاشات جوّالاتهم الأنيقة بأصابعهم الرشيقة، وفي الوقت نفسه يرصدون مَن وصل مِن بين معلّميهم كي يعرفوا مَن لم يصل بعد، آملين أن...

قال رامي:

- أستاذ التاريخ لم يصل بعد. لعلّه غائب!

قال عبد الله:

- يا ليته... ما اسمه مدرّس التاريخ؟

لم يُجِب رامي (وكيف له...؟!). أمّا جورج فقال ظانًّا أنّه قد تذكّر:

- اسمه... "حسن".

عندذاك، قال عدنان بيقينٍ مصحِّحًا:

- بل اسمه "حسين"، يا خَرِفون...

بعد ثوانٍ، مرّ الأستاذ "محسن" معلّم التاريخ من أمامهم، مصطحبًا حقيبته متوجِّهًا إلى بناية المدرسة، فانهارت آمالٌ...

 

(5)

وقف الطالبان عليّ وإلياس في باب غرفة المعلّمين. سأل إلياس مَن في الغرفة -والجوّال العزيز يطلّ من جيب بنطاله الممزّق الثمين- عن معلّم التربية البدنيّة. سأله أحد المعلّمين مستوضحًا عن اسم المعلّم الذي يريد. بعد مرور ثوانٍ كان إلياس خلالها يحاول التذكُّر، سأل عليًّا عن اسم معلّم التربية البدنيّة، فأسعفته ذاكرة الزميل:

- "سائد... لا، لا... رائد".

امتلأت عينا المعلّم اندهاشًا...

 

(4)

وقفت الطالبات رشا وجاكلين وإسراء عند باب غرفة المعلّمين، وبيد كلّ منهنّ جوّال أنيق له بريق. سألت رشا مَن في الغرفة عن معلّمة اللغة العربيّة. سألتها إحدى المعلّمات الحاضرات عن اسم معلّمة العربيّة التي تريد. التفتت بسرعة إلى زميلتيها الواقفتين وراءها وسألتهما:

- ما اسمها؟

أجابت جاكلين بعد ثوانٍ من الحَيْرة والتردّد:

- "عَـروب".

جحظت عينا المعلّمة السائلة وابتسمت ابتسامة لا ابتسام فيها...

 

(3)

كانت المناسبة تثقيفيّة توجيهيّة لطيفة جمعتْ رِعالًا تخرّجوا من المدرسة الثانويّة نفسها. بحُبور ومَودّة اقترب الأستاذ المُعِزّ المعتزّ من تلميذه السابق جواد مُحَيِّيًا راغبًا في التعبير عن سروره. حاول الموجِّه المرشد جواد، الشابّ العشرينيّ اللطيف، أن يتذكّر متسائلًا دون أن ينطق أو ينجح في تذكّر اسم مَن درّسه علم الأحياء طيلة سنتين:

- "أنت... ربّما علّمتني؟ أحاول أن"...

أمّا الأستاذ خالد، فارتسمت ابتسامة على محيّاه لا حياة فيها...

 

(2)

بعد مرور شهر على افتتاح السنة الدراسيّة، كانت المعلّمة روضة أستاذة الكيمياء تحلّ بعض الأسئلة مع طلبتها. رفع أكثر من عشرة منهم أيديهم استئذانًا ورغبة في الإجابة عن أوّل سؤال، فابتهجت واحتارت ثمّ اختارت:

- سمير. تفضّل.

- ساهر، معلّمتي.

قال ساهر ذلك وقد بدا عليه ضيقٌ ما. أمّا معلّمته روضة، فقالت وأمارات الضيق والانحراج في عينيها وصوتها:

- عذرًا، ساهر. لا تؤاخذني. لا تؤاخذوني. أنا هذه السنة أدرّس أكثر من مئتين وخمسين طالبًا، قرابة نصفهم لم أتولَّ تدريسهم من قبل. ليس من السهل عليّ أن أُتِمّ خلال شهر واحد حفظ أسماء مئة وثلاثين جدد. فضلًا عن ذلك، يا أحبّائي، ينبغي أن أعترف وأحبّ أن تعرفوا أنّ الذاكرة خوّانة، وأنّه بمرور العمر قد يعتريها العطب. سأعمل جاهدةً أن أحفظ الأسماء كلّها قبل انتهاء الشهر الثاني. اُدعوا لي بالتوفيق...

 

(1)

كان ذاك في الجامعة العبريّة في زهرة المدائن، شتاء عام 1984. كنت في ما بين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة. المناسبة: ندوة أدبيّة أقامتها لجنة الطلّاب العرب، اشترك فيها الراحلان إميل حبيبي وحبيب بولس وآخرون...

والدكتور حبيب بولس كان قبلذاك ببضعة أشهر، وعلى امتداد بضعة أشهر لا أكثر، قد درّسنا في مرحلة الصفّ الثاني عشر موضوع الأدب العالميّ (رحمهما الله؛ الأستاذ والموضوع!)، بحصّتين متتابعتين اثنتين أسبوعيًّا، كلّ سبت، في الحصّتين الأولى والثانية، في مدرسة مار إلياس الثانويّة في بلدتي عبلّين. لم يعمل الدكتور بولس في مدرستنا آنذاك سوى يوم واحد أسبوعيًّا. أتى إليها بعد بداية السنة المدرسيّة بشهر أو شهرين، وترك العمل فيها قبل انتهاء تلك السنة بشهر أو شهرين على ما أذكر. من خلال مجموع حصصه القليلة تلك، حظِينا بدراسة مسرحيّتَيْ سوفوكليس العظيمتين "الملك أوديب" وَ "أنتيجوني".

في تلك الندوة، هناك في إحدى قاعات الجامعة العبريّة في القدس، قدّم المرحوم الدكتور بولس مداخلة حول الأدب المحلّيّ. استمعتُ واستمتعت، وانشغلت كذلك... انشغلتُ في تساؤلاتٍ عذّبتْني طَوال الندوة وقُبَيْلها وبُعَيْد انتهاء آخِر فقراتها: هل أتوجّه إليه مصافحًا؟ هل سيَعرفني؟ أيَذكرني، وهو لم يدرّسنا سوى ما بين عشرين وثلاثين حصّة تعليميّة؟ هل سأُسبّب له إحراجًا إن كان لن يعرفني؟ هل سأحرجُ نفسي؟ هل... وطالت وامتدّت أسئلة التردُّد والخجل الغبيّة...

انتهت الندوة، وقام القوم. كان هنالك من اقتربوا من الأدباء والدارسين أصحاب المداخَلات، مصافحينهم متبادلين معهم بعض الأحاديث. كلّ ذلك وأنا واقف في داخل القاعة في حَيرة من أمري تتناهبني تخبُّطاتي وتساؤلاتي البلهاء. في لحظة ما، خُيِّل إليّ أنّ عين أستاذنا قد التقت بعيني. لعلّه توهُّم! لا، ليس توهُّمًا! بل توهُّم! المهمّ... حبّي لهذا الرجل دفعني إلى حسم الأمر، فدنوت إليه وافتتحت كلامي معه بمقدّمة مقتضَبة ابتغيت من خلالها عدم تحميله عناء التذكُّر أو مسؤوليّة النسيان! قلت:

- مساء الخير، أستاذ. لعلّك لا تذكرني...

ففاجأني قبل أن أتابع فأعرّفه أو أذكّره بنفسي، إذ قاطعني بقوله (بصوته العريض الممتلئ الذي أحببناه كما أحببنا صاحبه وفصاحته وأناقته):

- طبعًا أذكركَ، يا حنّا...

وصافحني بحرارة وسعادة بدت جليّةً على محيّاه البشوش وصوته الزائر الإذاعيّ المُحِبّ. سعدتُ جدًّا. سعدتُ حقًّا، دونما إحساس بزهو وخُيَلاء...

 

17/5/2017

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.