3

:: ياهودايزم – ج6 ::

   
 

التاريخ : 19/05/2017

الكاتب : وديع العبيدي   عدد القراءات : 62

 


 

(تقنيات لعبة السلطة)

 

[16]

هالوسين الهيمنة..

 

على غرار دوريات الفيفا- [منتخبات كرة القدم]، تعاقبت الدورات الزمنية في مراحل متعاقبة، تتخلّلها صراعات بلدانية/ أممية/ امبراطورية. وعندما انحصر الصراع بين الغرب والشرق، ثم حسْمه لصالح القوة الواحدة الوحيدة في العالم، ثم انحسر الصراع –الراهن- داخل الغرب نفسه، وبين تياراته الفكرية المتنافسة(*).

 

في انتخابات البيت الابيض الاخيرة [2016م]، ظهرت ممارسات وأخلاقيات غير مألوفة من قبل. فعندما كانت الولايات المتحدة في صراع قومي مع عدو خارجي، كان الأمن القومي الأميركي يفترض ان يكون الداخل الأميركي صفا واحدا، ويبتلع خلافاته وفضائحه.

في الانتخابات الأخيرة تنافست هيلاري الدمقراطية وترامب المستقل كما لو كانا يمثلان بلدين متعاديين. وبينما كانت الانتخابات تنتهي بتبادل التهاني مع الفائز سابقا، استمرت المناوشات وتبادل الاتهامات والتهديدات بين التيارين الحاكمين في العام الماضي.

في نفس الاتجاه، نجد ان ترامب الجمهوري أصلا، كان مرشحا مستقلا، ولا يمثل كتلة الجمهوريين. ويختلف عنهم في خطابهم وبرنامجهم، وهو أكثر من انتقد سياسات سابقيه بما فيهم الجمهوريين، سيما في مجال السياسة الخارجية؛ والدمقراطيين، في السياسة الداخلية.

في ظل ادبيات المرحلة الجديدة، يبدو تودُّد ترامب لموسكو اكثر من احتمالات الانسجام مع مواطنيه الدمقراطي والجمهوري. وفيما تحاول بريطانيا استعادة دورها الامبراطوري المستقل في العالم – في ظلال البركست- والتودّد لبلدان مستعمراتها السابقة، يكتنف الغموض برنامج ترامب العالمي.

ورغم الضجيج وفوضى الاعلام السياسي، لا يعرف احد، هل مشروع ترامب السياسي علماني ام ديني، في طبعة مسيحية ثالثة، تخالف برامج سابقيه –ريغان وبوش الابن- الجمهوريَّين!

 

(إما.. أو..)!!؟..

السؤال الاشكالي الديني الذي استغرق سورن كيركجورد طويلا، واخرجه في صورة كتاب يحمل نفس العنوان.

هذا النوع من التفكير السياسي السائد اليوم في عصر ردة الفكر، الذي فرضه الاحتكار الغربي الأميركي الامبريالي، للاستفراد بمنصة البشرية وتهميش الآخرين.

دالة التحول المرتدّ، ترسّمت عندما قسم بوش الابن العالم الى محور الشرّ وحلفاء الخير، في استعادة علنية غير مسبوقة للتصنيف الديني [مؤمن/ كافر، خير/ شرّ]. وطالما ان المنظومة الدينية تستخدم نفس قواعد اللعبة، فقد وضع نفسه في دائرة الندّ في منظور الآخر، حيث يتبادل الفريقان المتصارعان نفس الأحكام والاتهامات كل من منظوره.

حدّد بوش الابن اربعة بلدان في نحور الشرّ، هي [ايران، ليبيا، العراق، كوريا الشمالية]، في استعارة دراماتيكية لنفس المصطلح في الحربين العالميتين الاولى والثانية، عندما جرى وسم الأعداء بدول المحور [المانيا، ايطاليا، الدولة العثمانية، اليابان]، فيما وصفت البدان المعتدية نفسها بالحلفاء.

وفيما كانت ثمة دولة مسلمة [واحدة من أربعة] في محور الشر السابق، صارت المعادلة [ثلاثة من اربعة] بلدان مسلمة، أما الطرف الرابع في المعادلتين فهو الثقافة، الديانة البوذية [اليابان/ كوريا الشمالية]. والمعروف ان اليابان والصين هما الظهير والعمق الستراتيجي الكامل لكوريا.

السياسة الغربية الحديثة – في مرحلة التبعية الأميركية- هي ردة فكرية حضارية، تتنافى مع تقنية الفكر الغربي وبيئته الحضارية البروتستانتية العريقة .- الولايات المتحدة الأميركية -نفسها- تمثل انشقاقا وانحرافا عن المركزية الحضارية الاوربية-!، وبما يقارب كلاسيكيا حالة تتماهى مع امبراطورية قيصر روما او بيزنطه، التي تجاوزها الزمن.

 

ماذا عن الصين والهند والروس والبلدان والمجتمعات والثقافات القديمة؟..

[Huntington: The Clash of Civilizations And The Remarking of World Order]

لم لا يكون من حق الافراد والشعوب والبلدان، اختطاط طريقها ومنهجها الخاص بها؟.. من غير تدخل خارجي، ومن غير منهج (أما.. أو..) التوراتية الكركجوردية!؟..

فكريا.. هل هذا هو المقصود بطروحات سامويل هانتغتون، وتهيئة الارضية التدميرية لصالح البقاء للأقوى الأميركي؟..

أم أن الولايات المتحدة الأميركية، تجازف عبر استعارتها نموذج الاستانة، ان تتعرض للانسحاق والهزيمة على يد محمد فاتح الجديد، يتيح عودة الشرق الامبراطوري لسيادة العالم، فيما تتنازع الامبراطوريات الغربية [الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، الاتحاد الاوربي]  السيطرة والصراعات، وقد بلغ الغرور بكل منها مبلغا!.

وهكذا، يأتي الرد من مكان آخر، من الشرق تحديدا.. والاحتمالات مفتوحة على آخرها!..

 

عالم الحرب الباردة حسم الصراع والخيارات بين [شرقي- غربي/ اشتراكي- رأسمالي]. ومع انتهاء الحرب الباردة، انفرد النظام والمنهج الرأسمالي، وفي أعنف وأوحش اساليبه وتدرجاته، بالسيادة وفرض نفسه على مجتمعات الأرض، حتى ولو بتدمير الدولة وتفكيك الثقافات والهويات وتحويل المجتمعات الوطنية والقومية والثقافية الى مجتمعات مهترئة، تتوزع بين لصوص، قتلة، شحاذين واقليات محتارة.

وعلى نفس الغرار، فان عالم اليوم، -الذي تصطرع فيها التكنولوجيا الهمجية والاطلاق الغريزي الوحشي والفكر الديني وعالم الافكار والمثل، كل لفرض ارادته، وتسويد مشروعه، وترويض/ تهميش/ تصفية ما عداه-، هو مرحلة انتقالية، وعنق زجاجة؛ ما بين امتدادات المشروع الهللنستي، وامتدادات المشروع التوراتي المسيحي.

 

من منظور فكري سياسي ستراتيجي، ولمواجهة أبعاد المشروع الغربي الاستشراقي الذي ينظر نظرة فوقية عرقية استعمارية، من بؤرة المركزية الغربية الأميركية هاته المرة، على العالم الاسلامي التكتل والتقارب الاقتصادي والائتلاف السياسي مع العالم البوذي (شرق جنوبي اسيا)، وانتهاج سياسة واحدة في البناء والتنمية والادارة، تمهيدا لنقل القطبية والمركزية الدولية نحو الشرق، وتهميش العالم الغربي والأميركي الذي لن يتهيّأ له البقاء على قيد الحياة بمعزل عن آسيا والشرق. عندها يكون مجبرا على تقديم تنازلات ستراتيجية – وليس تكتيكية على طريقة الانجليز- والتخلّي عن غرور العنجهية وعقدة السيادة والهيمنة باسم اسرائيل وذريعة السامية.

·                  الولايات المتحدة الأميركية تناوئ الاتحاد الاوربي وروسيا الدمقراطية، والمملكة المتحدة تناوئ الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الاوربي وروسيا الدمقراطية. وفي نفس الوقت تخوض التيارات السياسية الحاكمة في كل بلد اوربي غربي، صراعات داخلية وبينية مع التيارات المنافسة لها، بحثا وراء خطاب سياسي جديد وهوية وطنية راسخة!. ففي التسعينيات صعد الحزب الحرّ النمساوي للسلطة مع حزب الشعب المسيحي المحافظ بزعامة شلوسيل في النمسا، وفي المانيا ائتلف الحزب الاخضر مع الحزب الاشتراكي الالماني بقيادة شرودر، وبعد فضيحة بلير صعد الحزب اللبرالي مع حزب المحافظين بزعامة كاميرون في دورته الاولى. وكل تيار سياسي يجاهد للبقاء والغلبة مستقبلا، بينما تتمخض المرحلة لانتاج تيارات سياسية جديدة، تناسب خطاب الالفية الجديدة.

 

 

[17]

سادة وعبيد.. من يصنع التاريخ؟..

 

قامت الامبراطويات القديمة وسقطت على أساس القوة العسكرية فحسب. فكان كل من ينشد جاها او سلطة يختار بضعة مقاتلين يكونون قوة قتالية، ونواة لجيش يقتل وينهب ويسيطر [السارق يأتي ليسرق ويذبح ويهلك/ (يوحنا 10: 10)]. وتطبيقات هذا السلوك تملأ التاريخ والحاضر.

وعندما جاءت الامبراطورية الرومانية، اضافت اليها عنصر الطبقة الارستقراطية التي تتحكّم بالعسكر وتمسك بالادارة باسم (السينات).  ثم اضافت اليها امبراطورية بيزنطه سمة (الدين). لكن جوهر الغزو والنهب كان سمة الحكم الروماني والفارسي والبيزنطي، وكانت البلاد المحتلة مصدرا للجباية والعبيد والانتاج الزراعي والحرفي.

ومن رحم تجربة بيزنطه، والبيئة السياسية العسكرية لتلك الحقبة، ولدت القوة العربية القتالية بقيادة تجار قريش. في وقت كانت فارس وبيزنطه قد تهالكتا، بفعل الصراعات العقيمة والمغالبة، دون الغلبة كما ارادها الاسكندر المقدوني.

ولما كانت القوات القتالية يتم اختيارها من الجماعات البعيدة عن الحضارة والتعليم، ومن اوساط الرعاع وقطاع الطرق، فتاريخ العالم السياسي وما ترتّب عليه، من مظاهر اجتماعية وثقافية ودينية، هو من إنتاج الرعاع أساسا، والنخب التي عرفت كيف تتحكّم بهم وتسخّرهم لأغراضها.

ولكي تستطيع النخبة/ الزعامة في التحكُّم بمجموعات المقاتلين، تحتاج لمسوِّغ منطقي تستميل به المقاتلة، وتلك هي الغنائم والملذّات، او قوانين الحماية والحصانة، او المسوّغات الدينية والغيبية، التي وجدت بيئتها في قرار قسطنطين الاول.

 

كان فردريك هيجل قد ناقش في دراساته، موضوعته الاشكالية المتمثلة: من يصنع التاريخ؟..

حتى ذلك الوقت كان الفكر الكنسي شديد الحضور، وتأكيد الكهّان ان الذي يصنع التاريخ هو الربّ-(يهوه)-. وكان فردريك هيجل فيلسوفا محافظا وأكادميا مرموقا مرغوبا من قبل الطبقة الحاكمة والبرجوازية في بلده. هنا تظهر شخصية أخرى اكثر ثورية وتماحكا مع حركة الجماهير، في زمن كانت فيه الثورة الصناعية والبرجوازية الاوربية تتسلّق سوراً آخرَ، على أكتاف الشغيلة هذه المرة، وليس العسكرتاريا.

وبالتقاء ماركس وانجلز في باريس عام 1843م، سوف تتأسّس قواعد جديدة لنظام الحياة والاقتصاد والدولة، بالاستفادة من دروس الثورة الفرنسية وكومونة باريس الى جانب مستقبل البرجوازية الصناعية ومعاناة البروليتاريا.

وفيما صمت هيجل الكاثوليكي أمام سلطة – المقدس-، كان ماركس اليهودي البروتستانتي اكثر جرأة في القول ان قوة العمل هي التي تصنع التاريخ. وفي ضوء فكرته هاته، وضع نظريته القائلة ان طبقة الشغيلة هي التي تصنع التاريخ – المستقبل-.

ماركس، وليس آدم سمث أو ستيوارت كينز هو ابو الاقتصاد والدولة، والفكر الاجتماعي الحديث. وبقليل من الجرأة والعمق والتحليل في قراءة ماركس -[وجه/ قفا]- سوف يتأكّد لدينا ان تاريخ القرن العشرين وما بعده، من بناء الدولة الحديثة والظواهر الاقتصادية والسياسية، الى الرأسمالية ومرحلتها الامبريالية والوحشية الراهنة، يستند الى -القراءة والقراءة المضادة- لفكر ماركس.

كارل ماركس هو انشتاين الفكر السياسي والاجتماعي في العصر الحديث. قد نختلف معه، ويختلف معه الرأسماليون والدينيون، دون الانفكاك والتخلُّص من ربقة طروحاته، ويبقى في تلافيف حياتنا وفكرنا المعاصر.

ربْطُ البعض بين كارل ماركس وبين الاشتراكية والشيوعية، اعطى الآخرين متنفّسا لادّعاء استقلاليتهم وبراءتهم منه. لكن الشيوعية والاشتراكية والراسمالية والامبريالية وما ينعكس عنها تاليا، تبقى كلها من بنات أفكار ومدرسة الدكتور كارل ماركس [1813- 1882م]، بصورة مباشرة او غير مباشرة. وبعبارة اخرى، ان طروحات ماركس، هي الكتاب العبراني الثاني الذي يستكمل قراءة رؤية الحياة المعاصرة والمقبلة ويسهم في صناعتها من منظور آخر.

 

في سياق هذا المنظور الماركسي، تتطور الراسمالية الامبريالية ساعية الى قبرها، ولكي لا تموت لوحدها، فهي تسوق الجميع أمامها الى المقبرة، وتتوّج نفسها على العرش في العالم الآخر.

وما يجري اليوم، أنه ليس –(الله)- في الفكر الديني، ولا الشغيلة في فكر ماركس، وانما الرأسمالية الامبريالية هي التي تصنع التاريخ. وهي التي تسيطر بالكامل على قطاعات الوجود والحياة البشرية، بدءاً من أبحاث الفضاء والجيولوجيا والأقمار الصناعية، وفيزياء الوراثة وكيمياء البيولوجيا، الى التحكّم بالأنظمة والدول والاقتصاديات ووسائل الإعلام والاتصال، والطعام والثياب والتعليم والطقس والتنفس. وهي التي تتحكّم بجماهير الشعوب والمجتمعات المنقادة بحكم الغواية الاستهلاكية والالكترونية في تنفيذ املاءات وكالة الذكاء الأميركي. وليس في حياتك وحياتي، وفي أي لحظة، شيء لا تدسّ المخابرات الأميركية وعلماؤها وجواسيسها أظافرهم فيه.

عالم القرن العشرين، ومنه خريطة الشرق الاوسط، هو من انتاج الانتدابين البريطاني والفرنسي –حقبة ما بين الحربين الاوربيتين- ثم الهيمنة الأميركية لاحقا-حقبة ما بعد الخمسينيات-. ومغزى الصراع الراهن بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الاوربي هو أمر واحد، من يصنع مستقبل العالم، ومن يرسم خرائط عالم المستقبل!.. والحرب وراء الكواليس ضروس!.   

من حقّك وحقّي السؤال: لماذا لا أصنع انا حياتي ومستقبلي؟.. لماذا لا يصنع بلدي وشعبي مستقبلنا مستقلا، -من غير تدخُّل الآخرين-، بحسب أكاذيب القوانين والمواثيق الدولية؟.. جوابا على هذا السؤال تم تدمير بيئتنا الوطنية ونظمنا وتقاليدنا الاجتماعية، وتسليط المرتزقة والمماليك على رؤوس العباد والبلاد!!..

 

هل نسأل بعد هنا، لماذا انقلبت حياة مجتمعاتنا – العالم الثالث وشرق اوربا وبلدان عدم الانحياز تحديدا-، وتحولت الى مجتمعات تشرُّد وجريمة، تنعدم فيها ظروف الاستقرار والتطور الطبيعي واللياقة الانسانية؟.. واقع الحال، ان التغير والدمار المنهجي حصل بأثر مباشر من الامبريالية الغربية، لتحويل العالم الى حظيرة أبقار خلفية للغرب المهيمن.

تيار [الطهوريين المثاليين] يرفض وجود شيء اسمه فكرة المؤامرة(*)، ويرفض فكرة القدر والحكم المسبق، ويرفض فكرة العبث والصدفة ويرفض اشياء كثيرة، تشمل كل شيء ماخلا انفسهم والرفض نفسه. ولكن هذا البحث يربط ما حدث ويحدث الآن بالجيل الثالث من الاستشراق الذي أطلق بريجنسكي شرارته في تقريره للأمن القومي الأميركي.

ومراجعة تحليلية نقدية لمتغيرات العالم تكشف مدرجا، استهدف تهيئة العالم لـ(إما.. أو..)!. وعقب فشل مشروع (أما..) من خلال الجنرالات الوطنيين، انتقل البرنامج لمرحلة (..أو..) التي نستعرضها هنا.

والإشكالية في هذا المشروع، كما سلف ذكرها، هو الاستئساد والاستفراد بعصا الهيمنة، باسم المدنية او العلم او الدين. وقد بلغت عقدة/(مرض) السيطرة ذروتها في المثال الأميركي، الذي ابتدأ تدرُّجُه بمسبّات ملحوظة: العم سام، رعاة البقر، السيد الأبيض، البك براذر، الوطواط، الشبح، هرمجدون، القيادة المسيحية/ الصهيومسيحية(*).

 

اذا اعتبرنا عالم ما قبل الحرب العالمية الثانية، امتدادا للنظام العالمي الكلاسيكي الذي توفّر على قدر من المرونة والمراوغة، فإن عالم ما بعد الحرب الثانية، هو عالم اميركي بامتياز(**). وبدءاً من خمسينيات القرن الماضي وسَمَت الانقلابات العسكرية المفاجئة وإعلان الأنظمة الجمهورية أواخرَ القرن العشرين. وقد شهدت الأنظمة عدة مراحل في اطار صراعات الضباط والتنافس حول السلطة، وصولا لمن يستجيب للاملاءات المطلوبة افضل من سواه. 

عند النظر الى شخصية الجنرال ضياء الحق -ما بعد علي بوتو- في باكستان، وشخصيات: محمد انور السادات، وصدام حسين، وزين العابدين بن علي، على الصعيد العربي(*)؛ نجد مدى تماهي هؤلاء مع الاملاءات الأميركية، بل ان بعضهم كالسادات وزين العابدين ومشرّف اشتهروا بنزعتهم الأميركية.

بينما بقيت شخصية صدام لغزا محصورا بين السفارة الأميركية في بيروت الخمسينيات ورعاية عبد الناصر، وشكل اعدامه المفاجئ، اعداما لمذكراته وتاريخه الشخصي ،–وحقبة اشكالية من تاريخ العراق والشرق الاوسط-، الذي مايزال بعض منه رهين دوائر المخابرات الأميركية.

وبفضل هؤلاء.. يشهد الشرق الاوسط ربيع الفوضى -الخلاقة-، وتفكيك الأنظمة والسياقات، تمهيدا لإعادة تشكيلها بمنظور بيولوجي أميركي، تم اختطاطه مسبقا بقدرة قادر، وليس بحكم تطور طبيعي.

·                  يدعو الكاتب،  القارئ المعني لقراءة تحليلية لسفر رؤيا يوحنا اللاهوتي، سيما من الاصحاح الخامس لنهاية السفر.

·                  انظر في هذا الصدد سلسلة روايات الباحث الاكاديمي والروائي المتميز عبد الرحمن منيف [1930- 2004م]: شرق المتوسط وسباق المسافات الطويلة تحديدا، وجميعها تدور حول حيثية التغير الاجتماعي والسياسي والدافع الانكلوميركي فيها.

·                  (نكاد نجزم بأن أهمّ الثورات الفكرية الحاصلة، والقطائع الابسمتية المتحققة في التاريخ البشري، وما استتبعها من صراعات، وما تمخّض عنها من قلاقل سياسبة، وحروب مذهبية دامية مدمّرة، وتحولات راديكالية عميقة، غيّرت وجه المجتمعات والتاريخ، قد كان وراءها عقل فلسفي مدبّر، ينشد ترجمة ما يتوارد عليه من أفكار الى أفعال ميدانية، قد تقلب بنية مجتمعه رأسا على عقب!): شكري بوشعّاله: الدين والعالم- في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة من خلال المجلات- مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والابحاث- الرباط/ بيروت/ ط1- 2016م- ص72.

·                  يميز الكاتب بين المنظور الغربي وآلياته ومقابله السوفياتي، ويعتبر لهاث الغرب للهيمنة على العالم، دافعا للسوفيت [جوزيف ستالين تحديدا] لقبول التحدّي ومضارعته، بحيث انهك الغرب داخليا وخارجيا من جهة، فيما قاده –أي الغرب- لاستخدام التآمر الخارجي والطابور الخامس لاختراق جدار موسكو ونسفه من خلال الجاسوس ميخائيل غورباتشوف الذي اصدر قرارات حلّ الاتحاد وتفكيك آلياته وفق املاءات الغرب.

·                  أزاح ضياء الحق في انقلاب عسكري، زعيم حزب الشعب الباكستاني المحامي ذو الفقار علي بوتو المنتخب، بتهمة الفساد وحكمته محكمة عسكرية بالإعدام. وكان انقلاب الجنرال ضياء الحق اشارة التدخّل الأميركي المباشر في الباكستان، والذي وفّر الغطاء السياسي للتمدّد الوهابي السعودي وانتشار المدارس الدينية السلفية بدءاً من القرى والمجمعات السكانية الفقيرة والكثيفة، ومنه وصولا الى قرى افغانستان لانتاج طبقة طالبان التي سوف تهيمن على المشهد حتى اليوم. وفي مصر أزاح السادات سلفه عبد الناصر الذي جرى تسميمه بالقهوة /(1970م)، وقلب هيكلة مصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي يحار السيسي اليوم في كيفية الخروج منها لاستعادة عافية مصر واستقلاليتها. وفي العراق قام صدام حسين [1937- 2006م] بإزاحة احمد حسن البكر، واغتياله بعد تسعة أشهر بوضع السم في قهوته /(1979م)، ادخل البلاد في مستنقع الحروب وقاد حملة البيروستريكا في الثمانينيات التي سبق اعلنها غورباتشوف، ومايزال العراق يتمرّغ في وحل سياساته. وفي سيناريو مماثل، قام الجنرال زين العابدين بن علي بإزاحة سيده الحبيب بورقيبه زعيم الحزب الدستوري وبطل المقاومة الشعبية في حرب الاستقلال، بذريعة الخرف والتقدُّم في السن.. وكان بن علي من ضباط امنه الشخصي وسكرتيرا ومديرا لمكتبه ثم وزيرا للداخلية. لكن الاخير لم يقتل بالسم، وانما ابعد الى بلدته ومسقط راسه (المنستير) في جنوبي تونس، منشغلا ببناء قصر سوف يضم ضريحه ومقبرة عائلته، حيث توفي ودفن فيه. ولا غرم ان التدخل الأميركي ليس خافيا في مصر السادات وعراق صدام وتونس بن علي، وهؤلاء الانقلابيون ازيحوا لاحقا بطرق مسرحية سابقة الاعداد، للمضي الى مرحلة ابعد في التبعية الأميركية، كما هو الأمر اليوم!.

·                  ان صناعة التاريخ يلزمها الشجاعة والمبادرة. وبحسب قراءات المحللين، فإن الوضع الدولي الحالي، لن يبقى حتى عام 2025م على ابعد تقدير!.

 

 

 

  

  

[18]

الدمقراطية الهدامة*..

 

الدمقراطية: هي حصان البرجوازية المستغِلة، للتسلُّط باسم الشعب!..

 

إذن ما معنى الدمقراطية والحكم الدمقراطي؟..

سوف تتساءل هنا: اين دور المجتمع/ الشعب في لعبة السلطة والحكم؟..

الشعب هو مصدر السلطات، حسب الفقه الدستوري الحديث.

والمرأة هي ام الرجل –منتجة العائلة والقبيلة والأمة- حسب أبسط مستويات التفكير.

وكما ان المرأة تصنع الرجل الذي يتسلّط عليها، ويجعل منها أداة لخدمة رغباته وحاجاته، كذلك المجتمع ينتج هيئة الحكم وصورة الدولة التي سرعان ما تنمو حتى تستبدّ وتتسيّد وتتسلط عليه بذريعة الصناديق.

وباسم الدمقراطية -أيضا- يتحول الشعب الى البقرة المقدسة [multi- productive holy cow] للحكومة، وشريان حياة طبقة الحكم، عبر ندوير عجلة الحرف والأعمال والاقتصاد، ودفع الضرائب والفواتير والرسوم، والقتال في جيش الدولة وحماية قادتها. فهل الدمقراطية بعد هذا، غير ما وصفها ترامب خلال الانتخابات الامريكية الاخيرة [scret game of power].

ان الشعب يمثل طبقة العبيد والخدام، بينما هيئة الحكم هم طبقة السادة الملوك الواجبة طاعتهم وخدمتهم وتقديم الافضل لهم. [تشبيه الدولة بالجسد في الفقه السياسي القديم، تمثل الحكومة فيه الرأس، والمجتمع يمثل الجسد الخاضع لأوامر وإيعازات الدّماغ!].

 

وعودا.. لجذور الدمقراطية، منذ اصولها الإغريقية واللاتينية، وامتداداتها الاوربية، فهي لا تخرج عن ظاهرة مجلس [السينات/ الشيوخ]. وهم طبقة وجهاء وأعيان المجتمع، من قادة الجيش وملاكي الاراضي وحواشي الحكم وزعماء القبائل، بوصفهم مندوبين ممثلين عن قواعدهم الاجتماعية والشعبية. [قارن: تشكيل المجلس التأسيسي والمجالس النيابية في العراق الملكي برعاية الاحتلال الانجليزي].

فكرة مجلس الشعب او الشيوخ، بحسب توصيف افلاطون هو (مجلس الحكماء) في أصله ومغزاه. والحكماء هم الذين يتقدّمون بالمقترحات والمشاريع الوطنية لحلّ المشاكل العالقة في الدولة او المجتمع، وتمحيصها حتى تتحوّل الى قوانين وقرارات تصادق عليها الحكومة، وتضع موضع تنفيذ مؤسساتها ودوائرها وعسكرها.

هاته القاعدة الدمقراطية تختلف عن الدمقراطية الغربية الحالية، التي تديرها مافيات سياسية وخنادق حزبية [محافظين، عمال/ جمهوريين- دمقراطيين/ دينيين- لبراليين]، ليست –في الواقع- غير ادوات سياسية وأذرع عملية، تحركها تيارات برجوازية ودينية لتمثيلها في سلطة الحكم ورعاية مصالحها.

هاته التيارات المتنافسة تستخدم الصحافة ووسائل الاعلام والدعاية والهيئات والانشطة المتعددة لاستقطاب الجماهير بوعود وشعارات معسولة، تعمل باتجاهين: تسويق نفسها، والتنكيل بمنافستها، كما يلحظ في الصراع بين المحافظين وحزب العمل في بريطانيا. والمجتمعات الاوربية اليوم منقسمة على نفسها، تقسيما طبقيا متوارثا لتاييد هذا الحزب او غيره، اسوة بمؤيدي النوادي والمنتخبات الرياضية.

أما الدمقراطية الأميركية التي وصلت الشرق الاوسط، فلا صلة لها، جوهرا واطارا، بمعنى الدمقراطية الحقيقية، ودولة الحكمة. فالغرب لا يصدر شيئا لبلدان المستعمرات، الا بصفة (خرده)، منتهية صلاحيتها، مثل القطارات والطائرات والأسلحة القديمة.

ولذلك افتضحت الدمقراطيات العربية المتأخّرة، متكشفة عن فساد وتحلل، لم يقتصر على طبقة الحكم، وانما طال فئات المجتمع وقواعده الاخلاقية والقيمية.

ليس لعدم وجود طبقات اجتماعية متبلورة في بلادنا، وعدم نضج الفكر السياسي، أو تبعية أكثر الأحزاب وتقليدها لجهات خارجية؛ وانما لاتجاه الأحزاب والفئات المتصارعة، لترشيح أفراد ضعفاء، لا تتوفّر فيهم عناصر الخبرة والحكمة والمقبولية العامة، بحيث يكونون مجرد أدوات في يد الحزب او الفئة المرشحة لهم.

في كتابه [المجتمع اللاطبقي- بريطانيا في التسعينيات]* يتناول ألوين تيرنر شخصيات تولّت حكم بريطانيا منذ تسعينيات القرن الماضي، وظاهرة تراجع معدّل أعمارهم. فمن معدل عمر (67 عاما) عقب الحرب العالمية الثانية، انخفض الى (58 عاما) في الستينيات، و(48 عاما) في مطلع التسعينيات –جون ميجر-. وكسر توني بلير الرقم القياسي لسابقه عندما احتفل بعيد ميلاده الثالث والاربعين في 1997م، عقب انتخابه لرئاسة الحكومة. ويذكر ان كلا من جون ميجر وبيل كلنتون وتوني بلير وجورج بوش دبليو وباراك حسين أوباما احتفلوا بعيد ميلادهم الخمسين وهم في السلطة. وفي زمنهم تغيرت قواعد السياسات الدولية، واضطربت عوامل الاستقرار والامن الدولي، وافتضحت الخروقات الغربية للمواثيق الدولية، وفي الشرق الاوسط ارتفع المدّ الديني، مع تمدد النفوذ الأميركي المباشر كما سلف.

كما حصل تغير آخر في (الكارزما المتّزنة)، بين ما قبل السبعينيات وما بعدها. وبعدما كانت صفات الرجولة والكهولة وحكمة الشيب صفات للسياسيين القدماء، ظهر تأكيد مبالغ على اختيار السياسيين للثياب الشبابية واعتبارها دالّة (كارزما عصرية)، الصفات التي اشتهرت عن مارغريت تاتشر وصدام حسين وبيل كلنتون. وفي الانتخابات الأميركية الأخيرة/(2016م) اهتمت وسائل الإعلام بأناقة هيلاري كلنتون حسب تنقّلاتها الانتخابية، مقابل صور دونالد جون ترامب محاطا بعارضات الأزياء والصبايا الجميلات.

يعتبر الأطلس الأميركي مايكل جاكسن بطلا للبوب الأميركي، وذلك في مزجه فن الغناء بحركات راقصة في الثمانينيات، صارت دالّة عليه، وطرازا للبوب الجديد. والبوب من [public] هو نوع من الفن الشعبي، تنزيل الفن من علياء الارستقراطية الى -مستوى القاعدة- حسب تعبير عادل امام في مسرحية (مدرسة المشاغبين) التاريخية في السبعينيات.

اذن، كل هاته التغيرات مرت من بين ظهرانينيا، دون ان تثير انتباه احد او استغرابه او اعتراضه. وما يحصل اليوم، انما نما وكبر وسخن على نادرة هادئة، ولم ينزل من السماء بغتة. ولذلك، يجد كثيرون صعوبة في رفضه او التصدّي له او الخروج عليه، وذلك جرّاءَ ما ترسّب في العقل الباطن.

 

مع عصر النهضة، ونشأة الحكم المدني الحديث، قامت تيارات اجتماعية مقرّبة من قطاع الكنيسة، بتشكيل كيانات سياسية، وتقديم برامج اجتماعية عامة، واستقطاب جماهير مقربة من الكنيسة، بحيث تحظى بدعمها، عند ترشيح نفسها لتشكيل الحكومة.

وفي البلدان الاوريية حملت تشكيلات سياسية عناوين: الحزب/ الاتحاد المسيحي، المسيحي الدمقراطي، المسيحي الاشتراكي، العمل المسيحي. ومع انتشار النزعة العلمانية في القرن العشرين، تغيرت اسماء بعض التشكيلات المسيحية الى مسميات علمانية مع المحافظة على مبدائها الجوهرية بحيث  تفقد جماهيرها، مثل: حزب الشعب، حزب المحافظين، الجمهوريين. ومسمّيات عامّة.

المهم في النظام الطبقي والسياسي والاجتماعي الأوربي، انه ما من طبقة أو حزب غير مدعوم من قطاع اقتصادي كبير. بما فيها طبقة الكنيسة التي لها استثمارات اقتصادية ولها سلطة مالية بدءاً بملكية الأراضي وحقوق الوقف الى الاستثمارات الأخرى.

ويلحظ ان الاحزاب الدينية التركية، جرت مجرى الأحزاب الدينية الاوربية/ الالمانية تحديدا، في اتخاذ مسمّيات: النهضة، العدالة، الحرية، المساواة، السعادة، التنمية، وامثالها من شعارات ومفاهيم علمانية رومانسية مجردة، اسماء لتسويق ايديولوجياتها الدينية وتسلّق السلطة، كما هو سائد الآن.

وفي إثْر التجربة التركية نهجت الجماعات الدينية العربية في تقليدها. وعمّا قليل، تحلّ الأحزاب الدينية الحاكمة في العراق نفسَها وتطرح نفسها تحت مسمّيات لبرالية رومانسية جديدة كالحرية والمساواة والعدالة والنزاهة، وحزب الفضيلة بادرةً متقدّمة في هذا الطريق.

 

فلا غرو.. ان تتحول الدولة الى مؤسسة خاصة بالمحسوبيات، لخدمة طبقة الحكم وتيار السلطة، وايديولوجيا الطائفة، تستخدمها لتدعيم هيمنتها على مؤسسات الاقتصاد والإعلام والتعليم وتصفيه مناوئيها، فلا يبقى بديل او معارض، ينافسُها السلطة.

وقد سبق للدولة العسكرية عقب الخمسينيات [سوريا، مصر، العراق، الجزائر، ليبيا] تصفية معارضاتها السياسية والاستبداد بالحكم العسكري والايديولوجي، بحيث ترك زوالها فراغا سياسيا، لعدم وجود بديلٍ سياسيٍّ مهيّأٍ من جهة، ونقص وتشوّه التجارب والخبرات السياسية والحكمية للجماعات الحاكمة المستجدة.

والطريف، ان يلجأ الحكّام المستجدّون، لتكرار تجارب فاشلة وأخطاء تلقّنوها من سابقهيم، ممّن طبلوا ضدهم في خطاباتهم المعارضة، كما تشهد بها صحفُهم وإصداراتُهم الموثقّة. فتكون الدولة والمجتمع أسيرة بيد الطائفة وعصبة الحكم، وتتحوّل مثل الزوجة البغي، يموت زوجها، فتنتقل لفراش السيد الجديد.

ومن استقراء أعراض الدولة وسوء الإدارة، جاءت انتقادات عبد الرحمن الكواكبي [1855- 1902م] المبكرة حول (أهوال الاستبداد)، التي تعيش الدولة العربية في القرن الحادي والعشرين،  ازدهارها منقطع النظير.

 

* اعتبرت الثورة الفرنسية (1789م) مفتتح الدولة المدنية/(لادينية) وأسس الحكم الحديث. وفيها قامت جماعات من الغوغاء باشاعة مظاهر الفوضى والاضطراب ومداهمة المؤسسات والمحلات العامة انتهاء باقتحام السجون والتجاوز على العائلة الملكية. وقد استمرت مظاهر الفوضى والاضطراب قرابة عقد من السنين لحين إعادة تنظيم البلاد. فاذا استثنينا دور المثقفين والفلاسفة الفرنسيين وفصلناهم من المشهد، فلن تكون غير ثورة غوغاء ورعاع، التحقت بهم جماعات من قاعدة المجتمع والمشردين. ان فضل حقبة الثورة يعود للافكار والنظريات المدنية الحديثة التي تتعلق بتنظيم الدولة والمجتمع، وليس بمظاهر الفوضى التي عادت لتفرض ظلالها الثقيلة على فرنسا القرن الواحد والعشرين، وتكاد تقضي على هويتها القومية والثقافية والمدنية. وهذا ما يرشحها ايضا، ان تكون مركز الثورة السوسيوسياسية المقبلة، لتصحيح الفوضى المنزلقة فيها.

* جاء وصف الدمقراطية الغربية لدى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي [1913- 1995م] في كتابه: (وعّاظ السلاطين) الصادر عام (1954م) في قوله: [ان الديمقراطية لم تنشأ في الامم الحديثة من جرّاء أفكار صبيانية تحذلق بها الواعظون، انما هي في الواقع نتيجة معارك طاحنة قامت بها الشعوب في وجوه حكامهم المستبدّين، والديمقراطية لم تفتر عن الثورة حتى اليوم. فتاريخها عبارة عن سلسلة متلاحقة من الثورات لا نهاية لها. ان نظام التصويت الذي تقوم عليه الديمقراطية الحديثة، ليس هو في معناه الاجتماعي الا ثورة مقنّعة، والانتخاب هو في الواقع ثورة هادئة. حيث يذهب الناس الى صناديق الانتخاب، كما كان أسلافهم يذهبون الى ساحات الحرب. فيخلعون حكامهم او يستبدلون بهم حكّاما آخرين. ويقول المستر ليمان الكاتب الأميركي المعروف: ”ان ثوار الامم الديمقراطية يستخدمون أوراق التصويت بدلا من رصاص البنادق“ Ballots instead of bullets 

 

ان من النادر ان تسمع بحدوث ثورة مسلحة في البلاد الديمقراطية الحقّة. انهم لا يثورون لأنّ في ميسورهم، ان يجدوا للثورة طريقاً آخرَ، هو طريق التصويت الهادئ، الذي لا يتلاعب به الحكام الأدنياء. فهم يبدّلون حكّامهم حينا بعد آخر، فلا تحدث فتنة ولا تسيل دماء. والحكومة التي لا تدرّب رعاياها على اتّباع طريق الثورة السلمية الهادئة، سوف تجابه من غيرِ شكٍّ ثورةً دمويّةً عنيفة في يوم من الأيام..]

*

(يتبع..)

 

 

ياهودايزم – ج5

وديع العبيدي

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.