3

:: مجموعة أحمد الخميسي "أنا وأنتِ" .. وذلك الكائن الصغير ::

   
 

التاريخ : 12/02/2017

الكاتب : بهاء جاهين   عدد القراءات : 96

 


 

يفتتح د. أحمد الخميسي مجموعته القصصية الجديدة "أنا وأنتِ"- الصادرة عن دار "كيان"، والحائزة أخيراً على جائزة «ساويرس» في القصة القصيرة، فئة كبار الكتاب- بإهداء هو جزء لا يتجزأ من العمل الإبداعي الذى يقدمه: "ثمة كائن صغير أشعُر بلمس قدميه في قلبي".. وفي نهاية الإهداء يمنح ذلك الكائن اسماً: «أمل». ويتكرر الاسم في قصة «بيت جدي» (من سيرة الخميسي الذاتية)، ليكون اسم والدة بطلها الطفل؛ وفى قصة «خطوبة»، حيث «أمل» هي العروس الشابة. وفي أول قصتين في المجموعة يتردد معنى الأمل ونغمته العذبة، أمام فاجعة الفقدان الشخصي (القصة الأولى: «أنا وأنت»)، أو إزاء الضياع الجماعي، في القصة الثانية الرمزية «روح الضباب». ولعل هذا يعطينا فكرة عن طبيعة هذه المجموعة القصصية، حيث هناك خيط ينتظمها؛ إلا أنني يجب أن أضيف هنا أن هذا العمل يتصف في نفس الوقت باتساع قماشته إلى درجة نادرة الحدوث. فإلى جانب القصة القصيرة الكلاسيكية: حيث الموقف المكثف أو «اللحظة» القصصية والسياق المعاصر (كما نجد في قصص: أنا وأنت - روح الضباب - وجه، على سبيل المثال).

 

هناك أيضاً القصة الطويلة ذات المادة الروائية المعتمدة على السيرة الذاتية (بيت جدّي)، أو غير المعتمدة عليها (أليونا)؛ والحكاية ذات البعد الأسطوري (النور، سماء ضائعة)، أو المستندة إلى الشعر الأوروبي الكلاسيكي (طرْح القلب، المستمدة من فكرة التحول من كائن إلى آخر، التى هى أصلاً جزء من التراث الأسطوري الإغريقي، والتي أفرد لها أوڤيد الشاعر الروماني ديواناً من الشعر القصصي بعنوان (metamporphosi) أو «المسخ» في بعض الترجمات العربية، وأفضِّل لها عنوان «تحول الكائنات»)؛ وهناك أيضاً قصة هي أقرب ما تكون لقصيدة النثر المعاصرة («سأفتح الباب وأراكِ يوماً»)؛ وقصة «باليرمو» الأقرب إلى الريبورتاچ أو أدب الرحلات الصحفي؛ و«ليلة بلا قمر» التي تشبه في جوها مسرحية من مشهد واحد. إلا أنه في كل هذه الأشكال، التي هي توزيعات موسيقية متنوعة للحن أساسي متكرر يذهب ويعود، نحن أمام تيمة رئيسية- وإن لم تكن وحيدة- هى الأمل. والقصة الأخيرة «طرح القلب» تشخِّص هذا الأمل وتعيِّنه، لكن تلميحاً لا تصريحاً، كما سنرى. هذه نظرة عامة لا تُغني عن الحديث عن بعض قصص المجموعة بشكل أكثر تفصيلاً: في القصة الأولى «أنا وأنتِ» يلعب الخميسي على «الغياب في صورة الحضور»، أو العكس؛ فلا نتأكد طوال الوقت هل المحبوبة الجالسة أمام الشخص المتحدث بضمير المتكلم، والتى يوجه لها حديثه، حاضرة كالغائبة، أم غائبة كالحاضرة. هل رحلت ولا يرى المتكلم إلا طيفها وسرابها، أم أنها تهجره بشرودها عنه رغم حضورها بالجسد؟ والسطر الأخير في القصة يأخذنا لاحتمال ثالث: «فقط لو تقولين لي من منا الذي مات ولم يعد يرى الآخر!». فكأن غياب المحبوب، بالفكر أو بالجسد، هو موت للمحب العاشق. لكن يظل الأمل قائماً في قلب المتيم بأنه يوماً ما سيتوحد من جديد بالمحبوب (انظر أيضاً القصة القصيدة «سأفتح الباب وأراكِ يوماً»). وفي قصة «روح الضباب» يشبُّ غصن الأمل ويمتدُّ مخترقاً الغيم الترابيّ الدخانيّ الملوّث، طالباً الزرقة والأكسچين النقيّ، في بيئة قومية طاحنة يعالجها الكاتب رمزياً. وتظل المرأة هنا مرتبطة بالأمل، كأنيس للرجل المصمم على مواجهة القبح الخماسينيّ لربيع فشل في الإزهار، ولو مؤقتاً. فيتساند الرجل والمرأة في نهاية القصة في طريقهما لمواجهة الشوارع الموبوءة. وفي القصة الأخيرة «طرح القلب»، يتحول الرجل- الذى كان نائماً فصَحا على أريج عطر، أدرك بالتدريج أنه يخرج منه- يتحول لشجرة مزهرة تضرب جذورها في حديقة المنزل، ويغيب وعيها البشرى ليصير ضمير نباتٍ مزهرٍ ذي عبير يبعث النشوة في زائريه ويحفّزهم لمطاردة الجمال في كل مجال، إلا أن الخميسي يتحسّر في آخر سطر، على أن تلك الحديقة، التي هي مزهرة ما تزال، «البعض يعبر الآن بجوارها مسرعاً فلا يراها». والقصة في اعتقادي تتحدث عن «الحل الجمالي»، أو الجمال كخلاص وحيد متاح لمن ينتبه لقيمته كشفاء للروح، في وجه واقع يتناحر فيه الناس باسم «الحق» و«الخير». «طرح القلب» هى خير نهاية لهذه الوليمة الأدبية.

 

ومسك ختام لمائدة العطور الحافلة التي يقدمها الخميسي لضيفه فيخرج مترعاً محتشداً بالجمال؛ بذلك الأمل الوحيد المتاح للإنسانية الذي يطارده أحمد الخميسي من أول سطر في عمله الفّواح بالأريج.

***

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.