3

:: من تأبيد الأساطير إلى تشريع الاحتلال! - رؤى ثقالفية 242 ::

   
 

التاريخ : 05/02/2017

الكاتب : أ. د. عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي   عدد القراءات : 280

 


 

 

-1-

كان من ناتج كُتب (كمال الصليبي)، و(أحمد داوود)، و(زياد مُنى)، وغيرهم- التي تناسلت لمحاولة عَزْو تاريخ (بني إسرائيل) إلى (جزيرة العرب)- تأبيدُ الأساطير الإسرائيليَّة، بل تحويلها من أساطير في أسفار «العهد القديم» إلى مَواطن مزعومة في جبال جزيرة العرب وأوديتها وقُراها وقبائلها.  وبذا يترقَّى الاحتلال الإسرائيلي من احتلال أرض العرب إلى احتلال عقولهم، وذاكرتهم، وانتمائهم.  وليس يفعل العربُ والمسلمون هذا بأنفسهم وبأهليهم وأوطانهم عن سوء نيةٍ بالضرورة، لا في القديم ولا في الحديث، ولكنهم يتقحَّمون ذلك بحَفْز عاملَين:

الأوَّل: هوًى غالب، دِينيًّا، أو قوميًّا، أو قُطريًّا، أو إقليميًّا، أو إعلاميًّا تجاريًّا.

والآخَر: قصورٌ في الحِسِّ النقديِّ، نصوصيًّا ومعرفيًّا وسياسيًّا. 

كان العامل الأوَّل وراء ابتلاع كثيرٍ من كتب تراثنا المرويَّاتِ اليهوديَّةَ، لا بقبولٍ حسنٍ فحسب، بل بإجلالٍ أيضًا، مع اتِّخاذها مرجعيَّات «عِلْميَّة!» في التاريخ وتفسير القرآن وبعض العقائد.  كما كان ذلك هو العامل الأساس وراء مغامرات المؤلِّفين المعاصرين من العرب، الذين قدَّمنا ثلاثةً من أبرز نماذجهم، خاضوا هذا المهيَع من إعادة تفسير «العهد القديم» على أساس أنه يتحدَّث عن الجزيرة العربيَّة.  وأمَّا العامل الآخَر، وهو قصور الحِسِّ النقدي، فمشترَك بين هؤلاء المؤلِّفين، في القديم والحديث، ممَّن ضلَّ سعيهم الاستقرائي بين البِنَى الأُسطوريَّة والبِنَى التاريخيَّة.

 

-2-

يبقَى السؤال: لِمَ ليس لمؤرِّخي (المملكة العربيَّة السعوديَّة)، أو (الجزيرة العربيَّة)، أيُّ صوتٍ عِلْمِيٍّ يُذكَر في هذا المضمار، لا سلبًا ولا إيجابًا؟!

أ هم عاجزون؟  أم هم خائفون؟  فلا تنس أننا أحفاد «ثقافة النعامة»، منذ أن كان العربيُّ يدسُّ ابنته في التراب لسوء ما يتوجَّس ممَّا بُشِّر به، وإنْ لم يُجْدِه دسُّه الأوَّل، دَسَّ رأسه هو كالنعامة في التراب.  ثقافة التوحُّش، والاعتقاد أن العُزلة منجاة، والجهل أمن، والفِتنة نائمة في أشجار المعرفة، فـ«المُغَطَّى مَليح» دائمًا؛ والنور يؤذي أعين الخفافيش.. إلى آخر هذه القِيَم العريقة في الاعتقاد أن السلامة في الظَّلام.  ولا غرو، فقد ظهرَ- على سبيل الشاهد- من لام (حمد الجاسر) وفريقه العِلْمي على البحوث التي أنجزوها حول تاريخ الجزيرة العربيَّة وجغرافيَّتها؛ لأنها- بحسب منطق أعداء المعرفة هؤلاء- أتاحت مادَّةً، ربما لولاها ما كان للصليبي ولا لأتباعه أن يجدوا أساسًا ليبنوا عليه ما بنو من ادِّعاءات!  ويظنُّ هؤلاء المنخوبون من المعرفة أن وسيلة الحِفاظ المُثلَى على ذِمار الأوطان والشعوب تتمثَّل في الهرب من الحقائق، أو الكذب، إنْ لزم الأمر، أو الكِتمان، والنكران، والتعتيم، وحجب المعلومة، وتكميم الأفواه، وتكسير الأقلام، وتغفيل العقول.  وهي سياسةٌ بدائيَّةٌ مُعمِّرة، ما انفكَّت تُؤمِن بحصانة كهفها، وبنِعمة الجهل التي تغمرها، وأن خطَّ دفاعها الأوَّل هو إطفاء الأنوار، وليس فتح النوافذ والأبواب لأضواء العِلْم وقِيَم الشفافيَّة والتحضُّر.  لا تُدرِك أن التسلُّح للمواجهات إنَّما يكون بأسلحتها الواقعيَّة والحقيقيَّة، كما تُدرِك سائر الأُمم الحيَّة والفاعلة، التي لا تَفِرُّ من الشمس، بل تَفِرُّ إليها، حتى لا تُصاب بنقص الحديد وهشاشة العظام.   

أم تُرَى مؤرِّخينا مُقِرِّين بما حملتْه كُتُب (الصليبي) وتابعِيه من مزاعم؟  أم هم غير آبهين؟  أم تُراهم مشغولين بقضايا أعظم وأخطر؟

واقع الحال أنه- على حين يلتمس الخاوون من التاريخ تاريخًا في هذا العالَم، أو يدَّعونه، أو يزوِّرونه- تَزْوَرُّ (جزيرة العرب) عن تاريخها وآثارها.  بل قد تسعَى إلى طمسهما خوفًا من لوثات الشِّرك والوثنيَّة، تارةً، وقلقًا من تبعات الأضواء، تارةً أخرى!  وعلى حين يَخرج من المؤرِّخين المعاصرين من يدَّعي تاريخ العرب في الجزيرة العربيَّة لغيرهم، أو ينفيه عنهم، يَلزم مؤرِّخو هذه الجزيرة صمت اللحود، إثباتًا عِلْميًّا أو نفيًا، وكأن الأمر لا يعنيهم! 

وأغرب من هذا كلِّه: أنْ ربما بلغت السذاجة ببعض الناس إلى ساحة المفاخرة بتلك الادِّعاءات الذاهبة إلى: أن تاريخ (بني إسرائيل) كان جزءًا من تاريخ الجزيرة العربيَّة!  وبذا يتظافر الاستخفاف بالمعايير العِلْميَّة- في جديلةٍ واحدة- مع ذاك الشعور البائس بالخواء الحضاري، والنقص التاريخي، وعُقَد الدُّونيَّة، التي يسعَى أصحابها إلى حَشْوها ثُمَّ رفعها على أكتاف مجتلَبة، وإنْ كانت مصنوعة من أساطير بني إسرائيل.  وأمَّا الاستبلاه السياسيُّ المصاحب لجميع تلك الظواهر، فحدِّث عنه ولا حرج!

والحقُّ أنْ لا العابثون بالتاريخ- باحثين عن تاريخٍ لـ(بني إسرائيل) في (جزيرة العرب)، لأسباب إديولوجيَّة- ولا البُلَهاء من المفاخرين بأن يُنسَب إليهم مثل ذلك التاريخ، يبنون أوهامهم على شيءٍ، سِوى سِباخٍ من رمال الحروف والأسماء.  لأن الطائفة الأُولى من هؤلاء إنَّما جاءت لتبني دعاواها «العِلْميَّة» على أساطير، أهلُها أدرَى بشِعابَها، وإنْ وظَّفوها لمآربهم السياسيَّة.  وهم لن يعثروا على ذلك التاريخ المدَّعَى، لا في (الشَّام) ولا في (اليَمَن)، اتَّخذوا إلى ذلك نَفَقًا في الأرض أو سُلَّمًا في السماء.  قصارَى ما سيُنجزون أن يتلَهَّوا ببالوناتهم الإعلاميَّة بين وقتٍ وآخَر؛ لأن ما بُني على سرابٍ ظَلَّ سرابًا، طال الزمان أو قصُر.  فليُريحوا ركائبهم وليستريحوا، وليَرحموا المطابع من أَعجاز نخلهم المنقعر، ممَّا يدغدغون به العواطف، مرَّةً باسم القوميَّة العربيَّة، ومرَّةً باسم القوميَّة الشاميَّة، ومرَّةً باسم القوميَّة العراقيَّة، ورابعةً باسم القوميَّة المِصْريَّة، وبين هذه وتلك رغباتٌ مراهقةٌ لقلب تمثالٍ تاريخيٍّ أُسطوريٍّ يجثم على الصدور، غير أن مَعاول تلك الرغبات لا تعدو استعراضات بهلوانيَّة من التعالُم، في صيحاتٍ هزليَّةٍ لإعادة كتابة التاريخ!  أمَّا الطائفة الأخرى- الفخورة بالزعم أن تاريخ (بني إسرائيل) كان في جزيرة العرب- فأتعس مسعًى من الأُولى؛ فلا هي حظيت بشرف التاريخ، ولا هي حظيت بشرف الدفاع عن المنهاج العِلْمِي، ولا حتى بشرف الدفاع عن أوطانها من أن تغدو مسرحًا للتزييف في الهُويَّة، والتزوير في اللغة والتاريخ والجغرافيا، وصولًا إلى بيعها في المزاد العلني للأُمم: اليومَ على صفحات الكَذِب والكُتُب، وغدًا على صفحاتٍ من الحديد والنار.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.