3

:: صكوكٌ للسطو على الثقافات والتواريخ والأوطان! – رؤى ثقافية 240 ::

   
 

التاريخ : 21/01/2017

الكاتب : أ. د. عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي   عدد القراءات : 365

 


 

 

خَلُصَ مؤلِّف «جغرافية التوراة: مِصْر وبنو إسرائيل في عسير»- كما ذكرنا في المقال السابق- إلى أن اسم «كنرت» التوراتي، ليس بـ(طبريَّة)، بل هو يشير إلى «مواقع عديدة في سراة عسير، وبلاد غامد، وزهران، بالإضافة إلى منطقة الطائف»!  ذَكَرَ منها: جبل «قرنيط» جنوبيّ (الطائف)، و«القرنطة» في (سَراة زهران)، و«القرينات» بوادي (اللِّيث).(1)  ولا يشكُّ مَن قرأَ النصَّ التوراتي أن تلك المواضع التي أوردها صاحبنا، وحاول تأوُّلها، لا صلة لها لا بـ(عسير) ولا بمنطقة (السَّراة).  وها هو ذا النصُّ كما جاء في (سِفر العدد، الإصحاح 34):

«وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: «أَوْصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّكُمْ دَاخِلُونَ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. هذِهِ هِيَ الأَرْضُ الَّتِي تَقَعُ لَكُمْ نَصِيبًا. أَرْضُ كَنْعَانَ بِتُخُومِهَا: تَكُونُ لَكُمْ نَاحِيَةُ الْجَنُوبِ مِنْ بَرِّيَّةِ صِينَ عَلَى جَانِبِ أَدُومَ، وَيَكُونُ لَكُمْ تَخْمُ الْجَنُوبِ مِنْ طَرَفِ بَحْرِ الْمِلْحِ إِلَى الشَّرْقِ، وَيَدُورُ لَكُمُ التَّخْمُ مِنْ جَنُوبِ عَقَبَةِ عَقْرِبِّيمَ، وَيَعْبُرُ إِلَى صِينَ، وَتَكُونُ مَخَارِجُهُ مِنْ جَنُوبِ قَادَشَ بَرْنِيعَ، وَيَخْرُجُ إِلَى حَصَرِ أَدَّارَ، وَيَعْبُرُ إِلَى عَصْمُونَ. ثُمَّ يَدُورُ التَّخْمُ مِنْ عَصْمُونَ إِلَى وَادِي مِصْرَ، وَتَكُونُ مَخَارِجُهُ عِنْدَ الْبَحْرِ. وَأَمَّا تَخْمُ الْغَرْبِ فَيَكُونُ الْبَحْرُ الْكَبِيرُ لَكُمْ تَخْمًا. هذَا يَكُونُ لَكُمْ تَخْمُ الْغَرْبِ. وَهذَا يَكُونُ لَكُمْ تَخْمُ الشَّمَالِ. مِنَ الْبَحْرِ الْكَبِيرِ تَرْسُمُونَ لَكُمْ إِلَى جَبَلِ هُورَ. وَمِنْ جَبَلِ هُورَ تَرْسُمُونَ إِلَى مَدْخَلِ حَمَاةَ، وَتَكُونُ مَخَارِجُ التَّخْمِ إِلَى صَدَدَ. ثُمَّ يَخْرُجُ التَّخْمُ إِلَى زِفْرُونَ، وَتَكُونُ مَخَارِجُهُ عِنْدَ حَصَرِ عِينَانَ. هذَا يَكُونُ لَكُمْ تَخْمُ الشَّمَالِ. وَتَرْسُمُونَ لَكُمْ تَخْمًا إِلَى الشَّرْقِ مِنْ حَصَرِ عِينَانَ إِلَى شَفَامَ. وَيَنْحَدِرُ التَّخْمُ مِنْ شَفَامَ إِلَى رَبْلَةَ شَرْقِيَّ عَيْنٍ. ثُمَّ يَنْحَدِرُ التَّخْمُ وَيَمَسُّ جَانِبَ بَحْرِ كِنَّارَةَ إِلَى الشَّرْقِ. ثُمَّ يَنْحَدِرُ التَّخْمُ إِلَى الأُرْدُنِّ، وَتَكُونُ مَخَارِجُهُ عِنْدَ بَحْرِ الْمِلْحِ. هذِهِ تَكُونُ لَكُمُ الأَرْضُ بِتُخُومِهَا حَوَالَيْهَا».»

وجاء في (سِفر يشوع، الإصحاح الثالث):

«وَيَكُونُ حِينَمَا تَسْتَقِرُّ بُطُونُ أَقْدَامِ الْكَهَنَةِ حَامِلِي تَابُوتِ الرَّبِّ سَيِّدِ الأَرْضِ كُلِّهَا فِي مِيَاهِ الأُرْدُنِّ، أَنَّ مِيَاهَ الأُرْدُنِّ، المِيْاهَ الْمُنْحَدِرَةَ مِنْ فَوْقُ، تَنْفَلِقُ وَتَقِفُ نَدًّا وَاحِدًا. وَلَمَّا ارْتَحَلَ الشَّعْبُ مِنْ خِيَامِهِمْ لِكَيْ يَعْبُرُوا الأُرْدُنَّ، وَالْكَهَنَةُ حَامِلُو تَابُوتِ الْعَهْدِ أَمَامَ الشَّعْبِ، فَعِنْدَ إِتْيَانِ حَامِلِي التَّابُوتِ إِلَى الأُرْدُنِّ وَانْغِمَاسِ أَرْجُلِ الْكَهَنَةِ حَامِلِي التَّابُوتِ فِي ضَفَّةِ الْمِيَاهِ، وَالأُرْدُنُّ مُمْتَلِئٌ إِلَى جَمِيعِ شُطُوطِهِ كُلَّ أَيَّامِ الْحَصَادِ، وَقَفَتِ الْمِيَاهُ الْمُنْحَدِرَةُ مِنْ فَوْقُ، وَقَامَتْ نَدًّا وَاحِدًا بَعِيدًا جِدًّا عَنْ «أَدَامَ» الْمَدِينَةِ الَّتِي إِلَى جَانِبِ صَرْتَانَ، وَالْمُنْحَدِرَةُ إِلَى بَحْرِ الْعَرَبَةِ «بَحْرِ الْمِلْحِ» انْقَطَعَتْ تَمَامًا، وَعَبَرَ الشَّعْبُ مُقَابِلَ أَرِيحَا. فَوَقَفَ الْكَهَنَةُ حَامِلُو تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ عَلَى الْيَابِسَةِ فِي وَسَطِ الأُرْدُنِّ رَاسِخِينَ، وَجَمِيعُ إِسْرَائِيلَ عَابِرُونَ عَلَى الْيَابِسَةِ حَتَّى انْتَهَى جَمِيعُ الشَّعْبِ مِنْ عُبُورِ الأُرْدُنِّ.»

فهل يبدو «الأردنُّ» هاهنا: رَيْدًا من جبل، في (هَرَوْب)، أو في عسير، أم يبدو جُرفَ جبلٍ أو قِمَّةً من سراة عسير الجغرافيَّة، كما كان يردِّد (الصليبي)(2) من قَبل، ومَن تبعه بترديد، كصاحب «جغرافيَّة التوراة»؟!  أم هو نهر ماء، هو نهر الأردن؟  وتبعًا لذلك هل يبدو «بَحْر العَرَبَة «بَحْر المِلْح»» مشبِهًا في هذه السياقات: (الملحةَ) و(غُرابةَ)، المزعومتَين في نواحي (الطائف)؟!

أنْ يَجِدَ باحثٌ صعوبةً في تحديد بعض المواضع بأسمائها اليوم، أو يَجِدَ لَبْسًا في فهم الجهات، أو تبدو الحدود المعطاة محلَّ نظرٍ ونقاشٍ وجدل، ذلك كلُّه لا يسوِّغ بحالٍ إنكارَ أن النصَّ يشير إلى (بلاد الشَّام)، وعلى نحوٍ لا يحجبه سديم اللغة والترجمة.  أمَّا أن يجازِف مجازِفٌ لنقلها إلى شعاف الجبال ومهاوي الأودية وسراب الخبوت من جزيرة العرب، ثُمَّ يقول «هذه قناعاتي الشخصيَّة»، فذاك «حديث خُرافةٍ، يا أُمَّ عمرو»، وتهوُّرٌ مسرفٌ في تصديق الأوهام وأضغاث الأحلام.  غير أن جنايته الكبرى تتمثَّل في الاستهزاء بعقول القرَّاء، وتسويق الزيف والهُراء بينهم، ونشر ثقافة «القناعات الشخصيَّة»، والأهواء الإديولوجيَّة، لا ثقافة العِلْم والتحقيق ومسؤوليَّة الكلمة.

تلك النماذج الثلاثة- التي حلَّلنا أعمالها في هذه السلسلة من المقالات، ونعني كُتب (كمال الصليبي)، و(أحمد داوود)، و(زياد مُنى)- تناسلت حول موضوعٍ واحد، تُشرِّق معه وتُغرِّب، وتذهب جَنوبًا وشَمالًا.  وما زالت كتبٌ وليدة في تناسلها المخصب بالخرافة، تنسج على المنوال نفسه ويستنسخ بعضُها بعضًا.(3)  لكننا سنكتفي بتلك، شواهد على هذا الضرب من العبث المنهاجي باسم التاريخ، الضارب في مهامهه من التأويل الخرافي للتاريخ إلى التخريف التأويلي للجغرافيا، تؤزُّه دوافع غير عِلْميَّة، تراوح بين الباعث الإديولوجي القومي ولذَّة الإدهاش والمتاجرة التاريخيَّة، في نوعٍ من الأسطرة المعرفيَّة الحديثة.  أعمالٌ تصنع التاريخ من الخيال، وتبني الجغرافيا من هوس التأويلات والترف اللفظي؛ مزلِفةً بذلك بين أيدي الطامعين صكوكًا تاريخيَّة زائفة، تُشرعِن- وإنْ أظهرت البراءة من ذلك- للسطو على الثقافات والأُمم والتواريخ والأوطان.  يأتي ذلك كلُّه في مناهج لا مناهج فيها، حسبما تستحقُّه هذه الكلمة من توقير.  فلا ليلها يُسفِر عن صباح، ولا يَحمد القارئ السُّرَى! 

 

(1) انظر: مُنَى، زياد، (1994)، جغرافية التوراة: مِصْر وبنو إسرائيل في عسير، (لندن: رياض الرَّيِّس)، 203.

(2) انظر: (1997)، التوراة جاءت من جزيرة العرب، ترجمة: عفيف الرزَّاز (بيروت: مؤسَّسة الأبحاث العربيَّة)، 133- 136.

(3) من الكتب التي أعادت تقحُّم هذه السبيل الصليبيَّة المطروقة، على سبيل الشاهد، كتاب بعنوان «فلسطين المتخيَّلة: أرض التوراة في اليَمَن القديم»، في مجلَّدين، لمؤلِّفه (فاضل الربيعي).  ولا نرى فيه من جديد، يختلف عن الكُتب الثلاثة التي درسناها.  فما قيل فيها ينطبق عليه.  وبصفةٍ عامَّةٍ- وباستثناء بعض ما جاء في كتاب (أحمد داوود)، ونقْله مدار التأويل من (عسير) إلى (سَراة غامد)- فإن جُملة المؤلَّفات التي تناسلت في هذا الموضوع المستهلَك إنَّما خرجت من عباءة (كمال الصليبي)، وإنْ في أزياء ملوَّنة، لا تكاد تُضيف نوعيًّا يستأهل المتابعة.  

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.