3

:: نينا بيريا سحابة بعطر المشمش.. - زوجة السفاح بيريا - ترجمة ::

   
 

التاريخ : 17/01/2017

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 365

 


 

 

 فصل من كتاب

"نساء الكرملين"


ترجمة د. أحمد الخميسي عن الروسية. صادر في يناير2017 عن دار كيان بالقاهرة. وسيباع في معرض القاهرة للكتاب يناير 2017.

الكتاب يتناول سيرة وحياة زوجات زعماء الكرملين بدءا من زوجة لينين حتي زوجة جورباتشوف هادم الاتحاد السوفييتي. وهنا فصل من الكتاب عن " نينا" زوجة بيريا الذي ارتبط اسمه بملاحقة الحريات والادباء.

المترجم د. أحمد الخميسي قاص وصحفي معروف له العديد من المجموعات القصصية والكتب المترجمة عن الروسية.

 

نينا بيريا سحابة بعطر المشمش..

 زوجة السفاح بيريا

 

 

 يجمع كل من عرفوا نينا بيريا، زوجة لافرنيتي بيريا وزير داخلية ستالين، في تلك السنوات على إنها امرأة جيدة، وطيبة القلب للغاية، وأنها أيضا أغلب الظن امرأة سيئة الحظ. ويتذكرها زملاؤها الذين عملوا معها في الاكاديمية الزراعية بالخير، وبكلمات كثيرة طيبة. فقد استقبل بيريا ـ بعد رجاء منها، معلمها الأكاديمي بريانيشنيكوف، وبشكل من الأشكال خفّف الحزب والحكومة بعد ذلك من ثقل الضربات التي وجّهوها لعلم الزراعة. ولم يكن بوسع نينا الطيبة أن تفعل الكثير لترفع عن كاهل الاكاديمية الضربات المتتالية، عملا بالقاعدة المتبعة في الكرملين والخاصة بالزوجات: لا تتدخلي فيما لا يعنيك خاصة إذا لم يطلب أحد منك ذلك.

 قال لي بعضهم: ربما تكون نينا بيريا مازالت حية حتي الان. وأكد البعض الآخر: بل إنها على قيد الحياة بالفعل، ويمكنك زيارتها، وتوجيه ما شئت من أسئلة إليها، إذا هي لم ترفض الحديث اليك بالطبع. ولكني لم أستشعر رغبة في البحث عنها، والتوجه إليها.. ولكن لماذا؟ هل أني أخشي ذلك اللقاء؟ هل أني خائفة؟. من المضحك القول بأن] خائفة، كلا إنني لا أهاب ذلك الظل الأسود المشئوم لزوجها، ولكني أخشي الوقوع في محبة الذكريات القديمة..

 كان الحصول على بطاقة خاصة للتردد على المسارح أحدي الامتيازات التي يتمتع بها والدي، وقد مكنني ذلك من الاستمتاع بأوبرا "إيفان سوسانين"، وباليه بحيرة البجع، كما شاهدت جالينا أولانوفا في باليه "جيزيل"، كنت في تلك السنوات أنظم الشعر، وأحلم بأن أكون ممثلة معروفة، وشغلتني حينذاك مراقبة النساء والفتيات الأخريات الأكبر سنّا مني، كيف يمشين، وكيف يتكلمن، ويبتسمن، وأية ملابس يرتدين. وذات يوم، وكنت في البولشوي تياتر فخرجت في فترة الاستراحة مع أحدى صديقاتي إلى ردهات البولشوي، وكنت أتطلع إلى وجوه العابرين أمامي من الجمهور، حين لمحت فجأة وجه امرأة وسيمة، وسامةً لا تمتّ بشيء لما نعرفه من جمال دنيوي، وكانت تمضي في الردهة بسرعة محاطة بحلقة من العسكريين، وهي تبتسم ابتسامة مترددة بين الحياء والارتباك وكانت خلال ذلك تتهادى برقة مثل سحابة هوائية بلون المشمش وعطره. وكان شعرها الذهبي ينسدل على كتفيها فيحيطها بهالة، تتموّج من رقة المرأة نفسها وما يبدو على ملامحها من طيبة.

 إنها نينا بيريا..

 ومن أعماق اللاوعي اندفعت إلى عقلي الحكاية الرهيبة عن ذي اللحية الزرقاء، قاتل الزوجات.. أيعقل هذا؟. ما أكثر ما يردده الناس من حكايات لا تمتُّ للواقع بصلة. وكيف يمكن النظر إلى بنات الناس عندما تكون للإنسان زوجة بمثل هذا الجمال والسحر؟.. بل والمضي أبعد من ذلك إلى حد اختطاف الأخريات؟. امرأة من سحابة مشمشية.. من أنت؟ ومن كنت؟ ضحية أم شريكة في الجريمة؟

 فيما بعد أخذت يكاترينا، أرملة المارشال كاتوكوف، تتذكر صورا من الأيام الخوالي، قائلة: "كان لنينا بيريا شعر ذهبي ضارب إلى اللون النحاسي، وعينان بندقيتا اللون، وأهدابٌ طويلة ملتوية عند نهاياتها مثل أهداب الدمية، وبشرة صافية رائعة، وقوام بديع، وكانت تخفي التقوّس الخفيف في ساقيها بمشية حاذقة. "ويكاترينا زوجة المارشال كاتوكوف امرأة ذكية يقظة العقل، كانت ترقب كل ما يدور حولها، وترصد بوعي ما يحدث محتفظة لنفسها بانطباعاتها الحقيقية، وهو درس تعلمتْه بثمن باهظ، فقد كانت في الثلاثينات زوجة لاليكسي ليبيديف الذي كان يعمل في الكرملين ثم اعتُقل وأُعدم. أما يكاترينا نفسها فقد قضت هي الأخرى سنتين في السجن لمجرد اعتقال زوجها. وفيما بعد عندما تزوجت من المارشال كاتوكوف، فإنها قطعت معه طريقا طويلا من موسكو إلى برلين، وكانت جزءا لا يتجزأ من مجتمع الكرملين والقمّة الحاكمة. وتحكي يكاترينا فتقول: "كانت نينا بيريا لاعبة تنس ممتازة وكانت تفضّل اللعب معي، وأحيانا كانت تمارس هوايتها تلك مع الحراس المخصوصين، ولكن لم يكن مسموحا لها باللعب مع الغرباء.. وبعد التنس كنت أركض لشرب الماء، أما نينا فكانت تتجه، لكي تروي عطشها، فقط إلى السيارة التي تصحبها، وهناك تحتسي الماء من زجاجات جاهزة، لأن بيريا لم يكن يسمح لها بالسير وسط الناس.. كان ذلك في إحدى المدن الألمانية حيث تعرفتُ إليها هناك.. وكانت نينا تعتني بمظهرها الخارجي، وكان لدي نوع من كريم الوجه أعطتني وصفته مدام بينيش زوجة الزعيم التشيكوسلوفاكي، فرأته نينا واهتمت بمعرفة الوصفة فقاسمتها ما كان لدي منه، ثم نسيت ذلك تماما فيما بعد. وكنت خلال فترة إقامتي في برلين أضطّر لمساعدة زوجات أعضاء الحكومة اللواتي يزرن برلين، فكنت أطوف بهن المحلات ليشترين أطقم أواني السفرة، والملابس الفرو، والقبعات، وغير ذلك ولكني لم أتلقّ أبدا كلمة شكر واحدة من أي من أولئك النساء، لا من نينا بيتروفنا زوجة خروتشوف، لا من يولينا زوجة مولوتوف، ولا من الأخريات. ولكن فوجئت بعد عودتي لموسكو بتليفون من نينا بيريا، تشكرني على الكريم، وعلى اهتمامي بها، وتدعوني لزيارتها في منزلها الصيفى. وقمت بزيارتها، وكان بيتها الصيفي يقع في بارفيخا بضواحي موسكو. وعندما وصلت إلىهناك كانت نينا تتنزه راكبة دراجة في إطار مربع حدده لها بيريا يتشكل من عسكري أمامها، وآخر خلفها، كأنها في قفص. وكانت نينا ترتدي دوما أجمل الملابس، وكان أحد فساتينها، ما زلت أذكره، جميلا جمالا خارقا، حاكوه لها خصيصا من خمسة وعشرين مترا من قماش الشف. ولم تكن تزين جيدها بالالماسات والمجوهرات، فلم يكن أحد يزين نفسه بهذه المجوهرات عموما حينذاك. ولا أدري لماذا قفز إلى رأسي، حين شاهدت نينا تتنزه بين العساكر، حوار قديم دار بيننا في المانيا بمدينة "درذدين"، حينذاك قالت لي نينا: "إنني أنظر إليك وإلى زوجك ميخائيل، وأحسّ أنني أمتّع عيني بالحب الذي يكنّه لك زوجك". وسألتها: "وأنت.. ألا يحبك زوجك بيريا؟". فقالت بصوت من عالم آخر: "إنني مسكينة جدا، إن لافرينتي بيريا لا يتواجد في البيت أبدا، وأنا وحيدة دوما، طيلة الوقت".

 عام 1972 صدر في لندن كتاب "القوميسار" (المفوض)، تأليف تاديوس ويتلين عن حياة لافرينتي بيريا وسيرته. وها أنا اليوم أتصفّح ذلك الكتاب بنهم ـ ليس لكي أعرف جرائم بيريا المرعبة ـ ولكن لعلّني أجد شيئا ما عن نينا زوجة بيريا، أو علاقاته النسائية. يقول تاديوس ويتلين في كتابه ذلك: "عندما كان بيريا في أبخازيا بجيورجيا في بدايات العشرينات، كان يقيم في قطار خاص فاخر يقف في أحد الخطوط الاحتياطية بمحطة سوخومي وفي ذلك المساء كان بيريا يستعد للسفر إلى تبليسي حين دنت منه فتاة شابة في ربيعها السادس عشر تقريبا، وراحت ترجوه لكي يتشفّع لدي المسؤولين للإفراج عن شقيقها المعتقل. ولاحظ بيريا على الفور الجمال الأخّاذ لتلك الفتاة، فدعاها للقطار بزعم أنه يريد أن يحصل على مزيد من التفاصيل المتعلقة بشقيقها.. وأبقاها طيلة تلك الليلة. لقد أدرك بيريا الشهواني أنه من الحماقة أن يضيع على نفسه فرصة كهذه، جاءت إليه بقدميها. وهكذا أصبحت نينا الصغيرة زوجته. ومازلت اذكر انطباعي الأول عن تلك القصة بعد أن قرأتها، لقد رفضتُ تصديقها تماما، ليس لأن أوهاما راودتني بشأن بيريا، وامكانية أن يقدم على مثل هذا السلوك، كلا.. فقد كنت أعلم تمام العلم أنه سادي وشرير، ولكن نينا هي التي حثّتني على رفض تلك القصة، فهل يعقل أن تتقبل مثل هذه المرأة الأبية الحسناء تلك الإهانة لمجرد التشفّع لأخيها المعتقل؟.. ربما أن ويتلين لا يكذب ولكنه يفترض فقط ما الذى.. يمكن لبيريا أن يفعله في هذه الحالات..

 وفي فترة عكوفي على كتاب "نساء الكرملين"، وقعت معجزة من المعجزات التي أخذت أعتاد وقوعها في السنوات الأخيرة في مجري تأليفي لهذا العمل، فقد نشرت جريدة سفرشينا سيكرتنو (سري للغاية) حوارا كبيرا أجراه الصحفي الجيورجي تيموراز كوريدذة مع نينا بيريا مباشرة. وفي هذا الحوار تكلمت نينا نفسها فقالت على صفحات تلك الجريدة عام 1990، وكانت قد بلغت الستة وثمانين عاما، أنها تعيش في مدينة كييف عاصمة أوكرانيا في شقة صغيرة من ثلاث غرف، وتلازم البيت طيلة الوقت، لا تكاد تغادره إلا للضرورة القصوى. وقالت: "لقد ولدت في أسرة بسيطة فقيرة، ولم يكن لدينا ما يميزنا عن الآخرين، وزادت علينا مشقّة الحياة خاصة بعد وفاة والدي، وكانت العائلات الغنية الثرية في جيورجيا تُعَدُّ على أصابع اليد الواحدة في تلك السنوات، وكانت تلك سنوات عصيبة، تعصف فيها الاضطرابات بكل شيء، ويلفها القلق: الثورات، الأحزاب السياسية، والهزّات الاجتماعية. وفي تلك الظروف نشأت في بيت أحد أقربائي وهو الكسندر جيجتشكوري الذي أخذني إليه بعد وفاة والدي ليخفف الحمل بذلك عن والدتي التي ربّت أخوتي الآخرين. حينذاك كنا نعيش في مدينة "كوتائيس" حيث كنت أتعلم في مدرسة ابتدائية للبنات. ومن أول ما وعت عليه عيناي أن ذلك الرجل الطيب قد تعرّض للحبس أكثر من مرة نتيجة لنشاطه السياسي، وكانت زوجته فيرا تتردد عليه في السجن. كنت صغيرة، وكان كل ما حولي يسترعي اهتمامي، وانتباهي، ويثير فضولي، وكنت أتردد مع فيرا لزيارة زوجها. وبالمناسبة كانوا يعاملون السجناء حينذاك معاملة حسنة. وكان بيريا، زوج المستقبل، معتقلا مع الكسندر جيجتشكوري في زنزانة واحدة.. لم أنتبه إليه حينذاك، أما هو فذكرني فيما بعد بأنه راني في المعتقل.

 وبعد اعلان السلطة السوفيتية في جيورجيا، نقل الكسندر باعتباره من كوادر الثورة إلىالعاصمة تبليسى، حيث انتخب رئيسا للجنة الثورية هناك، ووجدت نفسي أنا الأخرى أنتقل معه إلى تبليسي، وكنت قد صرت شابة يافعة، وكان بوسعي أن أعود إلىبيت أمي لكن علاقتي بها لم تكن على ما يرام. وذات يوم، وكنت في طريقي إلى المدرسة، فوجئت ببيريا في مواجهتي قرب البيت.. وكان كثير التردد على الكسندر، ولذلك صرت أعرفه إلى حد ما. وفي تلك الفترة راح بيريا يلاحقني بأحاديث الحب، هذه المرة قال لي: "علينا أن نتقابل لنتكلم هذا أمر حتمي، شئتَ أم أبيت". ووافقته على لقاء، دون أن أدري دافعي إلى تلك الموافقة. وتقابلنا بالفعل في حديقة "نادزاليديفي" بتبليسي، وكانت شقيقتي وزوجها يعيشان في تلك المنطقة بالقرب من الحديقة ولذلك لم يكن الحي غريبا علي. هناك انتظرت بيريا، وعندما جاء جلسنا معا متجاورين على دكة خشبية. وكان لافرينتي يرتدي معطفا أسود وصدارة طلابية. وانتظرت حتى بدأ هو الكلام، فقال لي إنه يراقبني منذ فترة طويلة وإنه معجب بي للغاية. ثم مضى في حديثه إلى ما هو أبعد من الاعجاب قائلاً: "إنني أحبك، وأريد الزواج منك".

 كان عمري حينذاك ستة عشر عاما لا أكثر، أما هو فكان يقترب من عامه الثاني والعشرين. وأخذ يسهب في شرح ما ينتظره مستقبلا قائلا أن السلطة السوفيتية الجديدة ستبعث به إلى بلجيكا لدراسة ما توصلوا إليه في تلك البلد في مجال استخراج وتكرار النفط. ولكن السلطة اشترطت عليه أن يتزوج قبل السفر. وكان بيريا قد أصبح إلى حد ما أليفا بالنسبة لي، كما أنني فكرت في أن الزواج وإنشاء عائلتك الخاصة الصغيرة خير من الحياة أيا كانت في بيت غريب احتملني طويلا، أو حتى مع الاقارب.

 وتزوجت لافرنيتي بيريا، دون أن أقول كلمة لأحد، ودون أن أستشير أحدا. وفور زواجنا راجت مختلف الشائعات، بدأ من أن بيريا اختطفني انتهاء بقصة أنه اغتصبني ذات ليلة في عربة القطار. كلا.. لم يحدث شيء من كل ذلك لقد تزوجته بمحض ارادتى، وبكامل وعيي".

 ولكن لعل نينا بيريا تكذب في سنواتها الأخيرة مفضلة تبرئة ذمّة رجل هو على أية حال زوجها، كما أن التراب قد واراه منذ زمن؟.. لا أظن أنها تكذب، فبيريا صديق لعائلة الكسندر جيجيتشكورى، والناس كلهم من حولهم يراقبونهم، وبعضهم ما زال على قيد الحياة حتى الآن. ثم ما الداعي للكذب؟.

 وتمضي نينا بعد ذلك تسرد فصلاً آخر مختلفا من حياتها مع بيريا فتقول: "في يونيه 1953 اعتقلوني أنا وابني سيرجي على حين غرة، وحبسوا كلا منا في سجن مختلف كعادتهم حينذاك في تشتيت الأسرة الواحدة في عدة معتقلات.. ولكنهم لم يتعرّضوا لعائلة ابني، فظلّت زوجته وأبناؤه الثلاثة في بيتهم. وربما كان السبب في ذلك زوجة ابني وهي مارفا كانت حفيدة مكسيم جوركي الكاتب الذي كانت له مكانة خاصة لدى الثورة.

وحينما داهمتني قوة الاعتقال، ظننتُ أولَ الأمر أن انقلابا عسكريا قد وقع أو شيئا من هذا النوع: ثورة مضادة، أو أن زمرة معادية للشيوعية قد تمكنت من الحكم فجأة. وفي كل الأحوال، فإنني وجدت نفسي في سجن "بوتيركا" بموسكو، ووجدت نفسي عرضة لاستجوابٍ يومي قاسٍ، ومنهك، كفيل بتحطيم أعصاب أي شخص. وطالبني المفتّش الذي تولّى التحقيق معي بأن أدلي بشهادة ضد زوجي بيريا، معللا ذلك بأن الشعب بأكمله مستاء من الأعمال الإجرامية لبيريا. ولكنني تمسّكت بشكل قاطع بأنني لن أتقدم بأية شهادة، أيا كانت: سيان شهادة حسنة أم سيئة. ولم يمسّوني بعد ذلك. ولكني ظللت في السجن لأكثر من عام بأكمله. وكان ذلك العام قاسيا ومرعباً.. فقد عشته كله في الحبس الانفرادي في زنزانة ضيقة من ذلك النوع الشهير حينذاك والتي لا يمكن للإنسان فيها أن يجلس أو يستلقي ليستريح. عاما كاملا قضيته على هذا النحو لا أدري كيف خرجت بعده حية من ذلك السجن الرهيب".

 ومن سخرية القدر أن تلك الزنزانة المرعبة التي قضت فيها نينا بيريا عاما من العذاب كانت أحدى اختراعات البشرية التي طورها زوجها لافرينتي بيريا. لقد قضت نينا بيريا معظم حياتها في قفص: قفص فاخر في البداية، تتجول بداخله بين الجنود، وقفص مرعب في النهاية وكان لديها ما يمكنها أن تتأمل فيه لأعوام مديدة، بكل ما لها من حكمة وذكاء فطريين: هل كانت ضحية لذلك العصر؟ أم شريكة في جرائمه؟..

 وكان هناك مخرجان اثنان فقط أمام تلك المرأة المصنوعة من سحابة بعطر المشمش ولونه، الأول أن تترك كل شيء خلفَها، وأن تنسحب من الحياة، ولكن ذلك مخرجا إلى العدم والمخرج الثاني أن تواصل نينا بيريا حياتها بعينين مغمَضتين، معللة كل ما تعرضت له هي شخصيا، وجرائم بيريا التي يقشعر لها البدن، ثم اعدام بيريا، وسجن ابنها.. بقصة الهدف المنشود.

 

***

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.