3

:: رفض التدخل في الشأن العراقي تحت حجج حماية الشعب العراقي ::

   
 

التاريخ : 14/11/2016

الكاتب : مصطفى محمد غريب   عدد القراءات : 307

 


 

لا نحمل أية ضغينة شخصية ضد إيران ولا ضد تركيا ونحن نعتز بصداقة شعبيهما وصداقة شعوب العالم، بل هو الموقف الوطني الذي يكره التدخل في شؤون البلاد بكل أشكاله وبخاصة ذلك المرتبط بتحقيق مصالح تلك الدول وتغليبها على مصلحة العراق، إضافة إلى ما نحمله من التوجس والقلق بسبب التدخل في بلادنا بحجة مصلحة وحماية الشعب وهي دعاية غير مشروعة وبالضبط تخدم مصالح هذه الدول التي ثبت تدخلها بشكل سافر في الشؤون الداخلية، الهاجس الواقعي رفض التدخل الذي بقي يلازمنا سنوات طويلة وبصراحة منذ تأسيس الدولة العراقية بداية القرن العشرين، فمنذ أن احتلت بريطانيا العراق كان النضال ضدها حتى بعد الإعلان عن الاستقلال الصوري الذي لم ينه التدخل وتبلور بعدة أشكال واتفاقيات استعمارية منها معاهدة "بورتسموث 15 كانون الثاني 1948" وبقاء قاعدتي الحبانية قرب الفلوجة والشعيبة في البصرة تحت تصرف الجيش والحكومات البريطانية وبموافقة الحكومات العراقية المتعاقبة فضلاً عن قيام حلف بغداد 1955 وعرف في بادئ الأمر باسم "منظمة حلف الشرق الأوسط" إلا أن هذا الحلف قد حُلَّ بعد انسحاب العراق منه أبان إعلان ثورة 14 تموز 1958. هذا الحلف كانت بريطانيا عضو فيه أيضاً وقد اخضع العراق للمخططات الاستعمارية بحجة الوقوف ضد أطماع الاتحاد السوفيتي وحلف وارصو السابقين وبالضد من المد الشيوعي في المنطقة إلا أن الهدف منه كان محاربة حركة التحرر الوطني بما فيها القوى الوطنية العراقية المعارضة، وبمجرد نجاح ثورة 14 تموز 1958 خرج العراق من حلف بغداد وفك ارتباطاته به وبالجنيه الإسترليني وشرعت العديد من القوانين لتساهم في عملية الاستقلال وعدم التبعية ورفض التدخل، لكن في الجانب الآخر استمرت الضغوط ومحاولات للتدخل في الشأن العراقي خلال حقبة الـ 4 سنوات حتى تم الإجهاز على الثورة في انقلاب 8 شباط 1963 الدموي الذي قاده حزب البعث العراقي والقوى القومية والرجعية المعادية للحكم الجمهوري، وبهذا بدأت حقب أخرى وأشكال من التدخلات الخارجية على امتداد السنين المتعاقبة وبقى العراق محط أطماع العديد من الدول الطامعة التي تهدف للهيمنة والتلاعب به وبعلاقاته ومصيره الوطني.

لقد لعبت سياسة النظام الدكتاتوري السابق دوراً ميكافيلياً في تسهيل عملية التدخل في شؤون العراق الداخلية وساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في تدميره كدولة بعد هروب جيشه من الكويت وانكفائه داخل الحدود التي رسمت على ضبط تحركاته العسكرية ومنع طيرانه من التحليق على المناطق التي أرادت الولايات المتحدة أن تحاصر نشاطاته العسكرية مما أدى إلى شبه انفصال للإقليم وضعف تحركاته في مناطق الجنوب وبهذا دخل العراق في عهد جديد، عهد الانقسام السياسي والجغرافي النسبي نتيجة التدخل المباشر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وتدخلات جارتيه تركيا وإيران العلنية والسرية وغيرهما، وقد أصبحت البلاد محط أطماع البعض ممن يرومون الهيمنة والتدخل لخدمة مصالحهم التي هي بالضد من مصالح البلاد، وتكللت الأوضاع السياسية ونتائج سياسة النظام الدكتاتوري العدواني السابق بالتدخل الكبير من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا حيث احتل العراق بكامله عام 2003 وأصبح تابعاً للقرارات الأجنبية ومحط قدم لكل من هب ودب، فتركيا التي كانت بالاتفاق مع النظام السابق لها حق التدخل عسكرياً في مناطق الإقليم لملاحقة حزب العمال الكردستاني PKK ولها قاعدة عسكرية بالقرب من زاخو ثم قاعدة جديدة بحجة تدريب الحشد العشائري الخاص بتحرير الموصل من داعش في "بعشيقة العراقية" فمن جهة يصرخ رئيس الوزراء حيدر العبادي والبعض في الحكومة والحشد الشعبي بالضد من تواجد قوات تركية واتهام تركيا بالتدخل ورفض تواجد قواتها في بعشيقة نجدهم يصمتون كصمت الأموات على تدخلات إيران، بينما إيران لها ميليشيات خاصة بها وتعتبر العراق ضمن الإمبراطورية الفارسية وبغداد عاصمتها فضلاً عن انتشار غير منظور لفيلق القدس وجنرالات معروفين مثل قائد فيلق الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني الذي ينتقل بحرية حتى الفرد العراقي لا يستطيع التحرك مثله وهو يشارك ويقود البعض من الميليشيات الطائفية المسلحة وبموافقة وطلب رسمي من الحكومة العراقية، وصرح مؤخراً نائب رئيس هيئة ميليشيات الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس "إن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني يقود تقدم الميليشيات في المحور الغربي لمدينة الموصل بعد طلب رسمي من الحكومة العراقية" ومع إنكار المسؤولين الكبار في التحالف الشيعي ومنهم نوري المالكي الذين نفوا وجود قاسم سليماني وغيره ومهماتهم العسكرية ونفي لأي دور للميليشيات الطائفية بما فيهم تصريحات حيدر العبادي القائد العام للقوات المسلحة "بسبب الأعمال الوحشية التي ارتكبتها الميليشيات في بعض المناطق التي تم تحريرها". وليس اعتباطاً ما جاء ضمن تصريحات قائد ميليشيات عصائب أهل الحق "قيس الخزعلي" الذي أشار بشكل صريح "أن الانتقام والثأر هو السبب الرئيسي لمشاركتهم في معركة الموصل" وهذا يعني التوجه لتقسيم البلاد على أساس طائفي وقد تنشب حرب أهلية عقب تحرير الموصل من داعش إذا لم تحدد مهمات هذه الميليشيات وعودتها ثم العمل على التخلص من جميع الميليشيات الطائفية بعد التخلص من الإرهاب، ولم يكن التدخل الإيراني مختصراً على ذلك أو على ميليشيات البعض في الحشد الشعبي فان المستشار الأعلى للقائد العام للقوات المسلحة الإيرانية "أن إيران وجهت ضربة ضد "داعش" شمال العراق" في الوقت الذي ينفي رئيس الوزراء السابق والحالي تدخل إيران عسكرياً في العراق لكن الذي ظهر التناقض مع ما يدعونه وتصريحات البعض من قيادي الميليشيات فقد أشارت "حركة النجباء" وهي إحدى المنظمات المنضوية للحشد الشعبي "إن إيران أرسلت العديد من مقاتليها في جميع المعارك" ووضح رئيس الوزراء حيد العبادي بخصوص دور الحشد الشعبي "سيقتصر دورها على إسناد القوات الأمنية بسبب الرفض المحلي والدولي" لكن هناك تناقض وقضم للحقيقة فقد ثبت غير ذلك ولا حاجة لذكر الوقائع بهذا الشأن، واليوم ونحن نتابع سير المعارك العسكرية بالضد من داعش نلمس مدى التدخل الخارجي بعلم أو إنكار علم الحكومة العراقية التي يحاول البعض من المسؤولين إخفائها ولكن هيهات، لأن حوالي أو أكثر من 5000 جندي أمريكي وقوات أخرى تحت طائلة مستشارين أو مدربين يتواجدون في القواعد العسكرية وحتى يشاركون بشكل ما في القتال بالضد من داعش فضلاً عن مئات الطائرات الحربية المختلفة للتحالف الدولي المساندة للقوات العراقية وباعتقادنا لولا هذا الدعم اللوجستي المتنوع لكان من الصعوبة بمكان القضاء على داعش، وفترة السنتين اللتين بقى فيها داعش والقتال المرير الذي نشهده الآن يؤكد هذا الرأي.

إن التدخل في شؤون العراق الداخلية هو إحدى السمات الملموسة في ظروف ما بعد الاحتلال وإسقاط النظام الدكتاتوري ولهذا التدخل طرق عديدة منها ما هو عسكري أو اقتصادي ولكن المسبب الرئيس له هو نظام المحاصصة الطائفية الذي تأسس على مفهوم خطر بتقسيم الشعب إلى مكونات وطوائف ودفعها للتناحر، إما بالإرهاب ومنظماته القاعدة و داعش أو منظمات تحت طائلة أسماء إسلامية مدعومة من قبل حزب البعث الصدامي أو ميليشيات طائفية مسلحة تقاد من قبل أحزاب الإسلام الشيعي ولها أجندة خارجية تتحرك أمام أعين القوى المتنفذة في التحالف الوطني وتتخذ في الكثير من الأحيان صفات تمثل البعض من المؤسسات الأمنية مثل الجيش والشرطة الاتحادية وغيرهما.

 إن العراق يحتاج للتخلص من التدخلات الخارجية إلى إجراءات قانونية وحكومية عديدة لكن يبقى العامل الرئيسي الذي سيساهم بالنجاح، إنهاء المحاصصة الطائفية وانتهاج نهج وطني يضع المواطنة أساساً للحكم والقيادة، إضافة إلى قيام برلمان وطني بعيداً عن المحاصصة ليتسنى تعديل الدستور وتخليصه من نواقصه ليضمن بناء الدولة المدنية التي تضمن حقوق جميع المواطنين ومكونات الشعب العراقي بقومياته وأديانه وأعراقه، دولة القانون والديمقراطية وتعديل قانون الانتخابات التشريعية ومجالس المحافظات، وتشريع العديد من القوانين الوطنية والقوانين التي تستفيد منها الطبقات والفئات الاجتماعية الكادحة والضعيفة والفقيرة وانتهاج سياسة واقعية للتخلص من البطالة وإيجاد فرص للعمل وتحقيق المصالحة الوطنية وإقامة حوار بناء ومسؤول مع حكومة الإقليم لحل الإشكاليات في المادة 140 وقضية النفط وحصة الإقليم من الموازنة، ورسم سياسة مستقرة للعلاقات مع البلدان المجاورة وعدم تدخل إيران وتركيا بما فيها سحب قواتهما أو من يمثلها عسكرياً من البلاد، والتعاون مع جامعة الدول العربية والأمم المتحدة ومع الدول في العالم، أن هذه المعايير وغيرها سوف تدفع عجلة التقدم والتطور البلاد نحو الاستقرار الأمني ولانتعاش الاقتصاد الوطني..

بقوة وبدراية ووعي وطني نرفض أي تدخل بحجة حماية شعبنا لان شعبنا إذا ما منح الحرية الكاملة لا يحتاج إلى حماية التدخل لحمايته فهو قادر على حماية نفسه مثل جميع الشعوب الحرة.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.