3

:: وداعاً دكتور محمد محروس ::

   
 

التاريخ : 12/11/2016

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 657

 


 

 

 سأقدم لك إنسانا لم يكتب عنه خبر في صحف، ولم يظهر مرة في تلفزيون، ولم ينطق اسمه مرة من منصة منبر سياسي، وقلما لفت اسمه أو شكله انتباه أحد إليه. لكن كل العائلات الفقيرة في حي الأميرية الشعبي عند نهاية شارع بورسعيد تعرفه تمام المعرفة وتحفظ الطريق إلى عيادته المتواضعة التي تصعد إليها في بيت قديم على درج تآكلت سلالمه فتجده جالسا في حجرة الكشف مبتسما وبيده سيجارة مشتعلة.

إنه د. محمد محروس الذي فارق عالمنا منذ أيام قليلة، ولم يترك شيئا خلفه سوى مغزى حياته التي سكبها في حياة الآخرين بصمت الدم ينسكب في البدن دون أن تسمعه. عرفته وقيمة الفحص عنده خمسة وعشرون جنيها، وعلى امتداد عشرين عاما رفض أن يزيدها جنيها واحدا. كانت عيادته مزدحمة دوما بنسوة بملاءات لف، ورجال بجلابيب، وأفندية تشى قمصانهم بأنهم من المطحونين، وأطفال يفركون عيونهم بأياد متّسخة. كنت أتردد على عيادته كلما ألمت بي وعكة، فقد كان وكان طبيبا عبقريا بكل معنى الكلمة. أذكر أن قريبا لي شكا ذات مرة من ورم برز في ظهره فذهبت معه إلى د. محروس- وهو طبيب عام ليس اخصائيا- فكشف عليه وقبض على الورم بين أصابعه وقال له: "هذه مجرد أكياس دهنية وليست مرضا خبيثا". لكن قريبي بسبب الخوف من السرطان راح يكشف عند الاخصائيين ويجري فحوص كلّفته مع أجور الأطباء آلاف الجنيهات ثم اتضح أنها أكياس دهنية  كما عرفها د. محروس بلمسة من يده.

قلتُ له مرة مازحا: "قيمة الكشف عندك رخيصة لكن الوصول إلى عيادتك البعيدة هذه مكلف! لم لا تفتح عيادة في وسط البلد؟". أجابني: "أنا عندي فلوس أقدر أفتح عيادة في أي مكان". وصمت لحظة ثم فرد كفيه في الهواء متسائلا: "لكن  لمن أترك هؤلاء الناس؟" وأومأ برأسه إلى الصالة التي ينتظره فيها المرضى!

قليلون هم البشر الذين يشبهون القصائد ولهم طعم الأمل، قليلون هم البشر الذين يشبهون الضحكة في اليأس، والنبتة البازغة في الصحارى، وكان د. محروس واحدا بحياته كلها يعزّز لديّ اليقين بأن المشاعر الإنسانية ليست قاصرة على الغيرة والطمع واللامبالاة والجحود، بل إنها تنطوي على جوهرة أخرى مشعة: التضحية من أجل الآخرين، أولئك الذين يعتصرهم الفقر في الأزقّة الضيّقة المعتّمة. ذات يوم شكا الصديق الراحل العزيز علاء الديب من وعكة صحية فقلت له "عليك بالدكتور محروس. إنه معجزة. صدقني" فقال: "لكني لا أتحرّك يا أحمد فهل يأتي إليّ؟". اتصلت بمحروس فأجابني على الفور: "هات العنوان. سأنهي عملي في العيادة بعد ساعة وأكون عنده"! دهش علاء الديب فقد كان يوما ممطرا والمسافة بعيدة كما أن د. محروس رفض أن يتقاضى منه مليما! 

منذ ثلاثة أشهر أصيب د. محروس بالمرض الخبيث. كلمته بالهاتف عدة مرات، لكني لم أجد في نفسي شجاعة كافية لألتقي به، وأواجه نظرة عينيه الطيبة، وكلانا يعلم أنه الوداع وليس لقاء. إلا أن القدر جعل إلى جواره صديقا أكثر شجاعة هو دكتور محمد مندور الذي كان ينقله بسيارته لتلقى العلاج الكيماوي ويعاونه في كل صغيرة وكبيرة.

برحيل د. محروس تهدّم ركنٌ كبيرٌ في حياتي. كان إنسانا وعالما بسيطا، ودودا، ينصت إليك وأنت تكلمه كما تشرئبٌّ حديقةٌ إلى النور. لم أسمع منه مرة واحدة حرفا عن الشعب، أو هموم الناس، أو التغيير، رغم أنه مثقف وقارئ نهم يتابع كل شيء. لكن ذلك الانسان الذي لم أسمع منه كلمة عن التغيير كان أقوى آمالي في التغيير. وما من قوة أو جماعة سياسية منحتني الأمل في أن الحياة ستغدو أفضل مثلما منحنى دكتور محروس ذلك الأمل بحياته المبذولة في هدوء من أجل الآخرين.

يبقى العطر حتى بعد أن يحصد الموت ورد الحديقة. وتبقى النجوم المشعة حتى عندما يغيبها الضباب الكثيف. ويبقى اسم دكتور محمد محروس بطعم الأمل، ويبقى مغزى حياته البسيطة العميقة التي أسالها في أعمار الآخرين، دون انتظار لأي شيء.    

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.