3

:: الناشطون بين المشهد النيوليبرالي والتسيير الذاتي للجماهير ::

   
 

التاريخ : 31/10/2016

الكاتب : مازن كم الماز   عدد القراءات : 218

 


 

مع تعرفي على أوساط الناشطين بعد اندلاع الربيع العربي كان ما أثار استغرابي هو درجة اندماجهم الكبيرة نسبيا في المؤسسات الثقافية والأدبية والفنية السلطوية، التي يعارضونها والتي أصبحوا جزءا مهما من الثورة عليها فيما بعد.. لدرجة أني كنت أحس أحيانا أني أمام "كاتيغوري" (نمط) جديد من الأخصائيين المحترفين، العاملين في سوق جديدة، حيث كلمات وشعارات حقوق الإنسان هي السلعة التي يتم ترويجها، كجزء جديد أو مكون جديد أو عرض جديد من المشهد، كما تحدث عنه غي ديبورد، ذا صفات ووظيفة مشهدية بامتياز لا تتجاوز عملية خلق صورة جديدة تختزل الواقع وتشوهه لتعزله مرة أخرى عن الناس وتبقيهم في حالة خضوع سلبي.. بالتأكيد كان طبيعيا أن تحاول تلك المؤسسات السلطوية أن "تستقطب" (تستدرج) أولئك الناشطين كجزء من سياسة استقطاب النخب التي اتبعتها الأنظمة العربية عموما.. حتى "الغاضبين" وجدوا مكانا لهم داخل البيروقراطية الهائلة، الصحافية والأدبية والفنية، الخ، أو على هامشها.. حتى "الناشطين الحقوقيين" كانوا عادة يملكون حصانة أكبر بكثير من الناس العاديين الذين "يدافعون" عنهم وعن حقوقهم.. ويصح ذلك نسبيا أيضا على "المعارضين".. إذا استثنينا أيمن نور مثلا في مصر، الذي عوقب بشدة لأنه تجاوز أحد أهم الخطوط الحمر في الحياة السياسية : منافسة الفرعون نفسه، كان تحمل وجود المعارضين قد بلغ مستويات أكبر من أي وقت سابق، كجزء من محاولات تدجين النخبة والمجتمع.. في سوريا كان السلفيون الجهاديون، كالعادة، يحظون بالمعاملة الأسوأ، بينما عومل "ناشطو" إعلان دمشق وإعلان دمشق بيروت بليونة غير مسبوقة من النظام الأمني السوري الذي اختار هذه المرة ساحات المحاكم الرسمية "لمعاقبة" خصومه بدلا من الاعتقالات التعسفية طويلة الأمد التي كانت القاعدة في حكم الأسد الأب.. كانت محاولات تجميل الأنظمة ضرورية، لأن قبحها قد بلغ مستويات غير مسبوقة.. كان ذلك القبح يتبدى في مكان آخر تماما : شهد وضع الناس العاديين بالمقابل تدهورا كبيرا، لدرجة أصبح معها العنف اليومي في الشارع وسيلة بقاء للكثيرين، سواء بين الفقراء أنفسهم أو ضد الشرطة الخ، وجرى عمليا تعهيد أو توكيل، أو خصخصة، قسم من مهمة ضبط هؤلاء للشبيحة أو البلطجية، الأعداء المفترضين لأجهزة الأمن النظامية.. من المثير للدهشة، أكثر من الفخر أو اي شعور آخر، أن نجد بين الفنانين والأدباء والصحفيين وغيرهم من مثقفي المؤسسات الرسمية من وقف إلى جانب الثورات الشعبية.. يفترض أن مصالح هؤلاء مرتبطة بقوة بمصالح النخب الحاكمة.. لكن المعارضة لم تعد تعني اليوم بالضرورة التعرض للقمع أو حتى حياة مادية سيئة الخ.. صحيح أن هذا يفترض أن يكون تطورا أو وضعا طبيعيا، أن يكون بإمكان أي إنسان أن ينتقد أو يعارض دون أن يتعرض للقمع والملاحقة، أن هذا جزءا ليس من ممارسة الحرية نفسها بل أحد مقدماتها الضرورية جدا، لكن هذا لم يسر أبدا على الناس العاديين، الذين خضعوا عادة لقمع أشد وأكثر استهتارا ودموية.. في سوريا كان النظام يلجأ لأساليب شديدة القسوة والهمجية ضد العشوائيات والأرياف بينما استخدم أساليب قمع أقل همجية في المدن الكبرى، خاصة دمشق وحلب، وحتى في حماة.. أما ظاهرة انشقاق موظفي المؤسسات الدولتية و"انضمامهم" إلى الثورة، وحتى أصدقاء أو أزلام النظام السابقين، فقد بلغت في سوريا مستويات كوميدية جدا بعد الثورة، كانت ظاهرة الانشقاق عن النظام وحتى عن أجهزته الأمنية كبيرة لدرجة أن من يتحدث اليوم باسم السوريين المطالبين بالحرية هم في أغلبهم موظفون سابقون، رفيعو المستوى غالبا، في بيروقراطية النظام.. من الممكن اليوم أن تصرخ وتزعق على الفضائيات باسم السوريين الذين يموتون دون أي معنى اليوم بينما كنت تخدم النظام لعقود وتحيا على الفتات الذي يبقى من نهبه للسوريين، أو حتى أن تكون جزءا من القمع والتغول الأمني الذي لم تعرف سوريا غيره على مدى عقود.. يجب أن نعترف أن العالم قد تغير، أصبح الناشطون يتمتعون بحقوق وهامش حركة لم يكن متاحا في السابق، وأصبح التضامن معهم مسموعا حتى على التلفزيونات الرسمية والصحف الصفراء أحيانا، والأهم من ذلك أنه كان دائما بإمكانهم تدبر أمورهم والعيش أفضل، بكثير في بعض الأحيان، من مستوى حياة الناس العاديين.. هذا تماما على عكس حالة الناس العاديين، الذين تراجع مستوى ما هو ممكن ومتاح أمامهم، مع تدهور مستوى معيشتهم.. لا تتوقف الأمور هنا، إن الفارق بين حياة الناس العاديين والناشطين كبير جدا في أمور أخرى أيضا.. مثلا يسود جو عام من التحرر الأخلاقي وحتى الجنسي في أوساط الناشطين، على عكس التزمت المتزايد في الشارع.. إن مستوى الكبت الجنسي بين الناس العاديين قد ازداد عمليا في العشوائيات والأرياف مع تقدم المد السلفي ومع تراجع مستوى معيشة الناس العاديين وقدرتهم على الزواج أو المصادقة أو شراء الجنس كسلعة.. كان من الواضح أن الثورات الشعبية مثلت انفجارا هائلا على مستوى الشارع أولا، الناس العاديون هم من جعل هذه الثورات ممكنة، قد يكون صحيحا أن الناشطين لعبوا دور الحفاز، لكن الحراك الفعلي الذي أسقط أو هدد الأنظمة جاء من الشارع.. وربما من الصحيح أيضا أن أهداف الناشطين من هذا الحراك كانت تتعلق أولا بتحقيق انفتاح سياسي يسمح لهم بلعب دور أكبر في الحياة السياسية والفكرية للبلاد، لكن الشارع فهم تلك الأهداف والبروباغندا "الديمقراطية" التي رافقتها على طريقته، فهمها على أنها تمثل حرية حقيقية له هو، وفي الحالات التي تمكن فيها من تجاوز تأثير إعلام الأنظمة الأصفر، رأى هؤلاء الناشطين على أنهم طليعة حقيقية لتحقيق تلك الحرية، التي افترض أيضا أنها ستعني أيضا القضاء على الفساد والمحسوبية وتغول بيروقراطية الدولة والشرطة الخ وبالتالي ستفتح أمامه مجالات حقيقية لحياة كريمة.. لم يفهم أن الناشطين كانوا يعنون أساسا حرية أكبر لهم في الصعود السياسي وعدالة أكبر داخل البيروقراطية الدولتية.. لهذا يتساهل الكثيرون، من الناشطين أنفسهم، في أمور الفساد التي تخصهم، في فساد الإن جي أووز، والمؤسسات المعارضة المختلفة، ويحصرون انتقاداتهم ضد قمع الناس وازدرائهم وتهميشهم فقط إذا جاء من خصومهم.. في مواجهة مشاريع إصلاح الأنظمة أو إعادة تأهيلها أو بناء أنظمة بديلة ونخب حاكمة جديدة الخ كان الرهان الوحيد الممكن هو على أن تتمكن الجماهير من أن تفكر وتتصرف بشكل مستقل.. أن تكون الثورات مدرسة كبيرة وحقيقية لهذه الجماهير لتبدأ بالتنظم الذاتي والوعي بذاتها أكثر.. لم يتفق لا اليمين ولا اليسار، لا العلمانيون ولا الإسلاميون، على شيء مثلما اتفقوا على نفي أية إمكانية للتنظيم الذاتي للجماهير، على نفي هذا الشرط الوحيد لحرية حقيقية للناس العاديين، أي: على نفي إمكانية أن تعيش الجماهير بحرية حقيقية، أن تكون سيدة نفسها..

أخيرا إن إحجام الناس المؤقت عن النزول إلى الميادين يعود جزئيا بلا شك إلى انتصار أفكار الثورة المضادة في الشارع وإغراق الشارع في دوامة مشاكله الخاصة أو في صراعات الكبار على إخضاعه الخ، لكن أيضا إلى تشوش فكرة الثورة نفسها عند الناس العاديين.. الصراع الحقيقي اليوم هو على هذه الفكرة، خاصة على إمكانية وحق الجماهير في إدارة شؤونها بنفسها، القضية التي يتحول الكثيرون أو معظم الناس، حتى من الناشطين، أمامها إلى أشخاص أسوأ من بيسمارك وستالين.. وربما يكون هناك جزء متمم لهذا الصراع، هو محاولة خلق مؤسسات بديلة بالفعل، خارج لعبة المشهد، تعاونيات مستقلة مسيرة ذاتيا وديمقراطيا للإبداع والخلق، كومونات صغير للإبداع، تحول محاولات الخلق الإبداعية من مادة "لعلوم" المبيعات والتسويق النيوليبرالية إلى اختراق حقيقي لكل التابوهات والمحرمات وحدود المتاح والمقبول أمنيا ودينيا وأخلاقيا الخ الخ، أي إلى نقد حقيقي للمشهد السائد ولكل ما ينتج ويعيد إنتاج الخضوع والسمع والطاعة والسلبية عند البشر، خاصة عند الناس العاديين، وتحرر المبدعين والفنانين والأدباء من هيمنة رأس المال المتمثل في الإعلام الغربي والبترو خليجي ودور النشر التي يحفزها الربح الخ الخ 

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.