3

:: الشباب والأدب والشهرة ::

   
 

التاريخ : 30/09/2016

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 310

 


 

 

"أولاد مرة" الاسم الذي اختارته إعلامية وكاتبة وفنانة تشكيلية تدعى ياسيمن الخطيب  لكتابها الذي يصدر قريبا ويضم مجموعة مقالات عن المرأة. وقد أثار العنوان ضجة قادت ياسمين إلى ما استهدفته بالتسمية: الشهرة السريعة. ومع أن ياسمين إعلامية ومذيعة إلا أن الشاعر محمود موسى في صفحته بفيس بوك "كبسولات لغوية" عدّد لها عشرة أخطاء لغوية فاحشة في خمسة سطور كتبتها هي ردا على مهاجميها. وحالة الخطيب نموذج لشريحة من الشباب المتعطشين إلى الشهرة ويبحثون عن أقصر الطرق إليها، سواء أكان ذلك في مجال الأدب أو الصحافة أو غيرهما. والقاسم المشترك لدي أولئك جميعا هو صدْم القارئ إما بعنوان لافت، أو بمحتوى جنسي صريح بذيء لاعلاقة له بالفن، أو بالخوض في المعتقدات الدينية. وهم في معظم الحالات ينجحون في تحقيق ما يريدونه من شهرة عابرة، مؤقتة وزائلة.

ويذكرني أولئك بحالة الكاتب عزيز أرماني الذي ظهر واشتهر في الستينات بسبب عناوين كتبه "خذني بعاري" ومحتواها الرخيص، وبلغ من الشهرة أضعاف ما بلغه نجيب محفوظ حتى بعد نشر الثلاثية. لكن أحدا لا يذكر الآن، بل ولا يدري من هو عزيز أرماني! لأن القاعدة هي أن الزبد يذهب جفاء: "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"، ذلك أن الشيء الوحيد الذي يمكن به صدم الناس في الفكر والأدب هو الحقيقة وليس اللغو ولا التطاول اللفظي ولا استثارة الغرائز! ولا يفكر الشباب الذين يتعجلون الذيوع في أن الكتاب الكبار حقا قد قطعوا طريقا طويلا وشاقا إلى الكتابة والضوء. وكل ما قد نتذكره الآن عن كاتب عظيم مثل سرفانتس أنه ترك رواية عبقرية نادرة المثال هي "دون كيخوتي"، لكننا لا ندري شيئا عن الطريق الشاق الذي قطعه قبل ذلك، وأنه جرب حظه في الشعر، فكتب عنه "لوب دي فيجا" قائلا: "ليس في أسبانيا كلها شاعر أسوأ من سرفانتس"! أما أونوري دي بلزاك صاحب الملهاة الإنسانية وغيرها من الروائع، فلم يسمع حين قدم أول مسرحية له إلى أحد أساتذة الأكاديمية الفرنسية سوى العبارة التالية: "قم بأي شيء في المستقبل ما عدا الكتابة الأدبية"! وفي غضون ثلاث سنوات ألف واحدا وثلاثين كتابا من قصص المغامرات وظل كاتبا مغمورا مجهولا ومحاطا بالديون من كل ناحية وهو يناهز الأربعين، إلى أن توّج رحلة العمل الشاق بروائع أدبية لا تنسى! أما اسكندر ديماس الأب فكتب عشرات المسرحيات والقصص التي لم تر واحدة منها النور. وكان كلما رفض ناشر أن يقابله يكتفي بالابتسام للسكرتيرة قائلا: "شكرا يا آنستي لست ممن تخور عزائمهم بسهولة. سأمرّ ثانية".

والقاعدة العامة الصحيحة أن الكتابة أيا كان النوع الذي تتجسد فيه تحتاج إلى صبر وتعلم ودربة ورغبة حقيقية في التعرف إلى النواقص وإرهاف السمع إلى كل ملاحظة. لكن ذلك يتعلق بأولئك الذين يريدون أن يكتبوا عملا فكريا أو أدبيا ذا قيمة بالفعل، أما الباحثون عن الشهرة، أو عما أسماه الكاتب محمود الغيطاني "الوجاهة الاجتماعية" فإنهم لن يتوقفوا عند تلك الملاحظات، وسيواصلون الاحتراق السريع كالفراشات في ضوء الشهرة العابرة، ويستمرون في إصدار الكتب، وقد تروج كتبهم وتنتشر، لكنه الرواج الذي تنطبق عليه عبارة الناقد الأمريكي "لوجان سميث": "الكتاب الرائح نعشٌ ذهبي للمواهب الضعيفة".

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.