3

:: وردةٌ مَهمَلَةٌ وشجرَةٌ حزِينَةٌ ::

   
 

التاريخ : 06/09/2016

الكاتب : ميشلين حبيب   عدد القراءات : 854

 


 

 

كَثُرَ الكلامُ عن البيئةِ وعن فَداحَةِ المَشاكِلِ البيئيَّةِ دُوَليًّا ومحليًّا كما كَثُرَت النِّداءاتُ للاهتمامِ بهذه المشاكلِ البيئيَّةِ الَّتي أصبحت تُشَكِّلُ خَطرًا على الحياة بكلِّ أشكالِها على الكُرَةِ الأرضيَّة حتَّى إِنَّ قداسةَ البابا جعلَ هذا الموضوعَ مِحوَرَ رسالَتِه البابويَّةِ السَّنويَّةِ الَّتي وجَّهها إلى العالم كُلِّهِ السَّنةَ الماضيةَ في الأوَّلِ مِن شهر أيلولَ الَّذي جعله يومًا مُخَصَّصًا للخَلِيقَة.

لكنَّ هذا المقالَ لن يتناولَ كلَّ ما ذُكِرَ آنِفًا، وإنَّما سيتناولُ ورودًا، في حديقةٍ أو بُقعَةً صغيرةً أمامَ منزلٍ، عَطِشَةً، مُهمَلَةً، يُغَطِّيها الغُبار. سيقولُ البعضُ، ومَن يُبالي بشجرةِ وردٍ أو مَجموعَةِ أزهارٍ أو نَبتَةٍ صغيرةٍ أو شجرةٍ؟ هذه اللَّامبالاةُ بالتَّحديدِ هي موضوعُ هذا المقال.

عندما أرى شجراتِ وردٍ رائعةَ الجمالِ أمام منزلٍ ما، أُمجِّدُ الرَّبَّ لجمالِها وللنِّعمَةِ الَّتي خَصَّ بها أصحابَ هذا المنزلِ الَّذين يتمكَّنونَ مِن رؤيةِ هذا الجمالِ كلَّ صباحٍ، فنسمعُ أنفسَنا أحيانًا كثيرةً نقولُ "نيّالن".  لكنْ عندما أراها بعد فترةٍ مُغَطَّاةً بالغبارِ ويابسةً حزينةً، عندها لا يُمكِنُني إلَّا أن أشفِقَ عليهم لأنَّهُم رفضوا النِّعمَة. كذلك، لا يمكنني إلَّا أن أتساءلَ عمَّا يفعَلُهُ وعمَّا يقولُهُ الإنسانُ للهِ مِن خلالِ هذا التَّصَرُّف. هو يقولُ لهُ بكلِّ تَعَجرُفٍ: خُذْ هَدِيَّتَكَ لا أُرِيدُها.

أنا متأكِّدَةٌ أنَّكُم سَمِعتُمُ المَثَلَ القائلِ، "تاكُلها الحَفَّة ولا تاكُلها الشفّة"، ويؤكِّدُ لنا صِحَّتَهُ عددُ المرَّاتِ الَّتي مَرَرنا بها إلى جانب منزلٍ في حديقتِه الغَنَّاءِ ثمارٌ كثيرةٌ ناضجةٌ مَرمِيَّةٌ على الأرضِ تحت أشجارِها. هل هناك أنانيَّةٌ وتعَجرُفٌ أكثرُ مِن ذلك؟ لا يَقطِفُها أصحابُها ولا يَدَعُونَ الآخَرِينَ يَستَفِيدُونَ مِنها؟ هي كَرَمٌ مِنَ الرَّبِّ وتركُها تسقُطُ تحت الشَّجرَةِ عِوضًا عن قطفِها أو مُشارَكَةِ الآخَرِين بها هي مسؤوليَّةٌ أمامَ الله. وهذا أيضًا تصرُّفٌ وقِحٌ يَقذِفُ هديَّةَ الرَّبِّ في وجهِه.

ستقولونَ، إنَّ النَّاس يموتونَ مِن الغُبارِ والتَّلَوُّثِ والجوعِ والحزنِ فَمَن يُبالي بِشجَرَةِ وردٍ أو بعضِ الأزهارِ أو بعضِ النَّباتاتِ؟

وأقولُ، أليسَ هذا مُرتَبِطاً بذاك؟ إنَّ من يُهمِلُ وردَةً، يُهمِلُ إنسانًا، فالَّذي خَلَقَ الوردةَ هو نفسُهُ الَّذي خلقَ الإنسانَ، والَّذي خلقَ الشَّجرةَ، هو نفسُهُ الَّذي خلقَ الإنسانَ، وقد خلقَ كلَّ ذلك من أجلِ الإنسانِ، من أجلِ خدمتِه وصِحَّتِهِ الجسديَّةِ والنَّفسيَّةِ والرُّوحيَّة. مِن هنا، فإنَّ هذا مُرتَبِطٌ بذاك. والَّذي يَعتَرِضُ على الاهتمامِ بِوَردةٍ أو شَجرَةٍ أو نبتَةٍ أو أيِّ مَظهَرٍ مِن مظاهرِ الطَّبيعةِ، قائلًا الأَوْلَى بنا الاهتمامُ بالإنسانِ، هو نفسُهُ مَنْ لا يبالي بذلك الإنسانِ.  فمتى اهتمَّ بإنسانٍ محتاجٍ أو حزينٍ أو مريضٍ، ولا أعني أؤلئك الغُرَباءَ بل رُبَّما جارُهُ أو شخصٌ يراه كلَّ يومٍ في محيطِ عملِه أو الحيِّ الَّذي يسكنُ فيه؟

فَلنَكُفَّ إذًا عن التَّحَجُّجِ بأمورٍ وهميَّةٍ وعن الكلامِ الفارغِ الَّذي لا يُرضي إلَّا غُرُورَنا ولنواجِهْ أنفُسَنا ومسؤولِيَّتَنا.

إنَّ إهمالَ نبتةٍ أو وردةٍ أو شتلةٍ أو شجرةٍ سَواءٌ كانت مُلْكًا لنا أو مُلْكًا لجيرانِنا أو مُلْكًا عامًّا يُترجَمُ بشيءٍ واحدٍ فقط: تَعالٍ على الله، وكأنَّنا نبصُقُ في وجهه قائلين "إيه مين بالو فيك؟"، هو التَّكَبُّرُ على النِّعمةِ بكلِّ ما للكلمة مِن معنًى. عدمُ احترامِ الطَّبيعةِ والتَّعدِّي عليها هو التَّعدِّي على الحياة. لم يَخلُقْ رَبُّنا الإِسمَنتَ بل خلقَ الطَّبيعةَ الَّتي مِن دونِها لا نستطيعُ الاستمرارَ بالعيشِ، وقتلُ الطَّبيعةِ مِن أجلِ البناءِ هو قتلُ أنفُسِنا. أنا متأكِّدَةٌ أنَّكُم سمِعتُم هذا القولَ مِن قبلُ: "مَن يقتلْ شجرةً يقتلْ إنسانًا"، فَدَعُونِي أُذَكِّرْكُم به وأَزدْ عليه: مَن يقتلْ شجرةً يقتلْ نفسَه ويقتلِ اللهَ في حياتِه.

إنَّ كلَّ من يهتمُّ بالطَّبيعةِ ويحترِمُها، ينالُ نعمةً وحُظوَةً أمامَ الله. وكلُّ مَن يحتقرُ الطَّبيعةَ لامباليًا يقترفُ خَطِيئَةً. كلُّ مَن يشتري أغراضًا ويكدِّسُها ولا يستعمِلُها يقترِفُ خَطِيئَةً. إنَّ الاستِهلاكَ والاقتِناءَ غيرَ المُبَرَّرِ وغيرَ الضَّرورِيِّ هو خطيئةٌ تَزيدُ العِبءَ على البيئةِ وتُسَهِّلُ الاحتكارَ الشَّخصِيَّ وتَحرِمُ الآخَرَ مِنَ التَّمَتُّعِ بِحقٍّ مَنَحَهُ إيَّاهُ الله.

هذا الانغماسُ في الأنانيَّةِ، والأمورِ المادِّيَّةِ، والاهتمامُ اليوميُّ المُفرِطُ بحاجاتِنا والتَّعَلُّقُ بها، وقَلَقُنا حولَ كيفيَّةِ إقتنائِنا المزيدَ هو سببُ احتقارِنا عطيَّةَ اللهِ بإهمالِها وعدمِ الاعتناءِ بها، وبِعِبارَةٍ أخرى، هو سببُ تعجرُفِنا على الله.

مِن هنا فإنَّ فداحةَ الأمرِ ليست في التَّعدِّي على البيئةِ بل في ما يَعنِيهِ ذلك، ألا وهو التَّعَجرُفُ على الله. في النِّهايةِ، سأترُكُكُم مع هذا التَّأَمُّلِ، تقولُ القِدِّيسَةُ تريزيا عن الطِّفلِ يسوعَ، "الطَّبيعةُ كتابُ اللهِ المَفتُوحُ". فماذا سيكونُ قرارُنا، قِراءَتَهُ أم تَمزِيقَه؟

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.