3

:: الثورة السورية والبحث عن فتوى ::

   
 

التاريخ : 31/08/2016

الكاتب : مازن كم الماز   عدد القراءات : 214

 


 

 

في مجموع فتاوى الثورة السورية الصادر عن رابطة العلماء السوريين عام 2013 تتحدث الفتوى الأولى عن "نص الفقهاء رحمهم الله على أن الخروج على النظام الكافر واجب على القادر وهو جهاد في سبيل الله"، لكن رابطة علماء الشام لم تجد دعما لكلامها هذا من نصوص القرآن والسنة وكتابات الأئمة سوى عالما هنديا عاش في القرن التاسع عشر (محمد صديق خان)... هذا مفاجئ وغريب إذا أخذنا بالاعتبار أن الإسلاميين يعتبرون الثورة السورية ثورة إسلامية.. الحقيقة أن مشكلة الإسلاميين مع الثورة السورية مشكلة عويصة، لأن فكرة الثورة نفسها لا وجود لها في الفكر السياسي لأهل السنة والجماعة (ولا حتى في فكر الشيعة الاثني عشرية، الأمر الذي كان بلا شك مشكلة أمام الخميني) ولا في فكر الإسلام السياسي المعاصر، إلا بصورة سلبية بالقطع.. يمكن الزعم بكل ثقة أن الإسلاميين بكل تلاوينهم لم يراجعوا هذا الموقف المبدئي من فكرة الثورة الشعبية على الظلم والاستبداد والنهب ولا مشروعية نظام يقوم على كل هذا، كل ما جرى هو أنهم اعتبروا الثورة السورية وسيلة للوصول إلى غايتهم، لا غاية السوريين الذين ثاروا على نظام الأسد، وسيلة فرضتها الظروف، بالتحديد قيام الثورة نفسها، مع الاستمرار في رفض وإدانة فكرة الثورة وتكفيرها ووصم كل من يدعو إليها ويمارسها بالفساد في الأرض بمجرد تحقيق تلك الغاية، أي الوصول إلى كرسي السلطة... عندما أفتى رأس الجهاز القضائي في السعودية صالح اللحيدان بالخروج على النظام النصيري الكافر في سوريا حتى لو قتل ثلث الشعب السوري عاد فقال أنه لم يقصد ذلك وأنه برّر الخروج على بشار لأنه نصيري بعثي كافر بل وشرط الخروج على الحاكم الكافر بالقدرة عليه.. وعندما اعترض عليه العرعور لم يستشهد بأي حديث أو نص ولا تحدث عن توحيد الحاكمية ولا الولاء والبراء، بل تحدث عن قتل شبيحة بشار للسوريين، السنة تحديدا بالطبع، ومن كل أحاديث الجهاد في صحيحي البخاري ومسلم وآيات سورة براءة ضد الكفار والمرتدين، اكتفى بحديث الرسول عن أن المدافع عن ماله شهيد.. هذا كله على الرغم من أنه لا خلاف بين شيوخ هذه الأيام، السلفيين في معظمهم، على كفر النصيرية وأنهم شر من اليهود والنصارى، بل إنهم يحكمون أن من شك في كفرهم فقد كفر والرأي الأغلب بينهم هو ألا يستتابوا وأن دماءهم وأموالهم مباحة لكفرياتهم، تأليه علي والإلحاد في صفات الله الخ، فلا يباح أكل طعامهم وتسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم، لكن كل هذا شيء والخروج على الحاكم شيء آخر... عندما سئل أبو بصير الطرطوسي، أحد منظري السلفية الجهادية، عن حكام بني أمية والعباس، هل يعتبر ما فعلوه تشريعا بغير ما أنزل الله، رد شيخنا الجهادي أو الثوري أنهم ليسوا كفارا وأن ما فعلوه ليس من الشرك بتوحيد الحاكمية فقد أشار إليهم الرسول ولم يكفرهم بل أمر بطاعتهم بالمعروف وهكذا لم يعرف عن الصحابة والتابعين، أفضل القرون، أنهم كفروا حكام بني أمية أو بني العباس وإنما الثابت عنهم هو العكس: طاعة هؤلاء الخلفاء وموالاتهم، هذا رأي من يقول أنه ينصح السوريين، خاصة الجهاديين منهم، كيف يصنعوا ثورتهم ويكملوها.. عندما استنبط الإسلام السياسي المعاصر، بما في ذلك تياره الثوري أو الجهادي، أفكاره ومشروعه، انتقى الولاء والبراء وتوحيد الحاكمية لا مفاهيم الحرية أو العدالة أو دفع الظلم أو إحقاق الحق، الظلم كما يفهمونه هو ألا تحكم بشرع الله والحق هو ما شرع الله، لا يوجد أي تعريف آخر للظلم أو الحق، هناك فقط الشريعة لا حرية ولا عدالة، وهذا ينطبق على داعش أيضا، بل أساسا على داعش.. يمكننا هنا أيضا أن نذكر بعض أوائل الفتاوى التي صدرت بحق الربيع العربي بما في ذلك الثورة السورية محرمة المظاهرات والدعوات إلى الحرية على أنها تشبها بالغرب وديمقراطيته وتشكل بالتالي مخالفة صريحة للولاء والبراء الخ... إن معارضة الإسلاميين لنظام الأسد لا علاقة لها باستبداده أو نهبه للسوريين ولا جرائمه بحقهم، إنها تنطلق أساسا من أن رأس النظام ينتمي إلى طائفة كفرية، أو بالنسبة لداعش: أن بشار لا يحكم بما شرع الله وهذا يصح عندهم على آل سعود وإردوغان ومحمد مرسي، أما النهب والاستبداد الخ، فهي أمور لا حكم لها عندهم بل يقولون صراحة أنها إذا صدرت عن حاكم مسلم فيحرم الخروج عليه، وخلافهم هنا هو على تحديد من هو هذا الحاكم المسلم، فهو كل من يقيم الصلاة عن علماء آل سعود وكل من يحكم بشرع الله عند داعش... دولة شيوخنا السلفيين الأمثل ليست إلا دولة آل سعود، أما دولة داعش الأمثل فليست إلا دولة شمولية تسيطر فيها أقلية محدودة جدا على عقول وأجساد وحياة الغالبية العظمى محددة لهم كل شيء من ملابسهم وطول ذقونهم وشواربهم وطريقة ممارستهم الجنس حتى كيفية التبرز والاستحمام... عندما تحدث سيد قطب عن الجاهلية المعاصرة عرفها بأنها اعتداء على سلطان الله على الأرض، على أخص خصائص الألوهية: الحاكمية، الجاهلية هي إسناد الحاكمية إلى البشر، التي تشمل فيما تشمل أي شكل من أشكال حكم الناس أنفسهم بأنفسهم، أو ما يمكننا أن نسميه بالحرية... قد يحكمون عليك أو على غيرك، على كل علوي ودرزي واسماعيلي وشيوعي أو فوضوي أو علماني، بالموت وأخذ مالك وسبي نسائك إن "ألحدت" في صفة من صفات الله كالسميع أو البصير أو كيفية استوائه على العرش، لكنهم سيصرون عليك أن تصمت وإن ضرب ظهرك بالسياط وسرق مالك إن كان حاكمك واحدا منهم أو شخصا يدفع لهم ثمن سياراتهم الفارهة أو إذا كان يصلي كصلاتهم، وسيطالبون بتقطيع أوصالك وصلبك إذا خرجت معترضا وثائرا وسيصمونك بالكفر إذا تشبهت بالكفار في التظاهر ضد مثل هذا الحاكم وبالدعوة إلى "الجاهلية" إذا طالبت بأن يحكم الناس أنفسهم بأنفسهم.. 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.